التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

سقوط الأصنام .. من وحي رمضان

د. طه حامد الديمي

4 رمضان 1434

بين الأسباب والأقدار يتقلب المؤمن بوجهه في السماء..

في رحاب الأولى يكون العمل، ومن الثانية ينبجس الأمل.

كما أن استشفاف كل منهما يمنح صاحبه رؤية استباقية، لكنها إيمانية تشد من العزم، وتطمئن الفؤاد قائلة له: إن كل شيء بمقدار. فلكل حدث إرهاصاته من عالم الشهادة، وإشاراته من عالم الغيب. فيا لله ما أجملها من سياحة يعيشها المؤمن بين هذين العالمين العظيمين، صعداً إلى الملأ الأعلى والسموات العلا!

أما رعاية الله جل في علاه فشيء آخر لا تحيط به العقول، ولا تحده الفهوم. يحاصَر المسلمون في شعب أبي طالب فتنزل سورة (يوسف)، بل سورة (الأمل)، تحذرهم فتقول: إن اليأس قرين الكفر: (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87)، وتبشرهم فتقول: إن الأمل الشفيف ينفرج من بين مدلهمات الخطوب: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110)!

كلما نظرت إلى أفق الأحداث الجارية قلت: نحن مقبلون على حدث جسيم لصالح الإسلام والمسلمين. وتجيء الأيام توقع بقبول بعض ما أقول.

قبل عام ونيف كنت خائفاً من وصول موجة الحدث السوري إلى العراق؛ لا لشيء سوى أن الجمهور السني لمّا يستعد بعد على المستويين: المادي والمعنوي. ومن العوائق الكبيرة التي تنتصب في طريق الإعداد صنم (الوطنية)، وإلى جانبه غير بعيد صنم (الديمقراطية). هذان الصنمان اللذان يتمسح بهما العراقيون صباح مساء، تؤمهم شخوص وجهات ذات صبغة إسلامية. وهما صنمان حقيقيان يبلغ طول الصنم الأول (1200) كم مضروباً في عرض يبلغ (400) كم تقريباً. مسكونة أحشاؤه من أقصاه إلى أقصاه طولاً وعرضاً بنقيع الصنم الثاني. يحمل راية الصنم الأول (هيئة علماء المسلمين)، وترفرف راية الصنم الآخر بيد (الحزب الإسلامي) وبقية (الإسلاميين).. تصور! هل هناك مهزلة أكبر!

ووقع ما كنت أخشاه بعد بضعة شهور!

ويومها قلت – وما زلت أقول – ليست هذه جولتنا.. جولتنا القادمة أيها الإخوة بإذن الله! فاجعلوا من الحدث ميداناً لتنضيج الأفكار والتبشير بالمشروع. ويشاء الله تعالى أن يكون الحدث سبباً في تصدع صنم (الوطنية) وميله إلى السقوط وهو آيل لذلك لا محالة ما أعان الرحمن وعمل أهل الإيمان. وسقطت معه أصنام أَخرى ذات هام وعِمام، منها صنم (المرجعية) البائس، الذي أطل برأسه على فترة من الفُسل يحاول يائساً أن يتدسس فيجد له موضعاً بين الأصنام فكان ظهوره قاصماً لظهره بحمد الله. فسقط وسقط معه سدنته وقوامه وعبدته. قال لي بعضهم: ألا تعجب من فلان وكبر عمامته يقول لنا: أنا مع الإقليم، فلما ظهر على الشاشة إذا هو يذمه ويعارضه! فضحكت قائلاً: بشرتموني بشركم الله؛ يبدو أن الطواغيت تسقط جملة واحدة!

لقد أنضج الحراك (السني) في العراق على ناره أفكاراً، وأحرق أفكاراً ما كان لها أن تبلغ ذلك إلا بعد سنين وسنين، لكن القدر قال كلمته في بضعة أشهر! وصار سنة العراق ينخلعون من صنم (الوطنية) إلى رحاب (السنية).

وجاء الحدث المصري قبل أيام ليكشف عن تحالفات مريبة بين أصنام عديدة، وليسقط معه صنم (الديمقراطية) الذي صنعته الإمبريالية الخبيثة، وباركته (الإسلامية) الساذَجة.

وما بين الحدث العراقي والحدث المصري كان الحدث السوري هو الفاضحة، فبه كشفت أسرار وهتكت أستار وسقطت أصنام ما كان لها أن تسقط بهذه السرعة وهذه الطريقة، وعلى رأسها صنم الشيعة، وصنم إيران، وصنم (حزب الله)، وبدأ الشعب السوري يتلفت مبهوتاً أيعقل أننا كنا مخدوعين بهؤلاء إلى هذه الدرجة! لقد كانت الأحداث “دورات وعي مكثفة”([1]).

وتذكرت قول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، وكيف كانت تنظر إلى الأحداث كإرهاصات ومقدمات لما بعدها فتقول: (كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله، فقدم المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم). والدليل على ذلك أن من ذلك الملأ تخلف نفر قليل يقدمهم رأس النفاق عبد الله بن أُبَي بن سلول، فكان من أكبر المعوقين لمسيرة الإسلام ومثيري الشغب ومهيجي الفتن. فكيف لو كان معه ذلك الملأ كلهم؟!

إني أرى هذه (الأيام) كأنها مقدمة يقدمها الله لنا بين يدي مستقبل عظيم ينتظرنا، فإن كنا أهلاً لذلك كان ما نؤمل، وإلا فلتسحق الحياة من لا يستحقها.

_________________________________________________________________________________

  1. – عبارة للشيخ أسامة شحادة في مقال له بعنوان (الموجة الثانية للصحوة الإسلامية قادمة) على الرابط التالي: http://www.islamion.com/kotap.php?post=8447 .

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: