التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

لو تكرمتم يا ( كبار العلماء ) ! في أي علم أنتم كبار ؟ (3)

د. طه حامد الدليمي

علم الاجتماع

ذكرت في المقال السابق بُعد المجتمعين باسم (كبار علماء العراق) عن السياسة. وهذا أوان بيان بعدهم عن الاجتماع.

من المقطوع به في علم الاجتماع أن للجمهور شخصية جمعية يختلف بها عن شخصية أي فرد من أفراده. لهذا ينبغي أن يختلف خطاب الفرد كفرد عن خطاب الجمهور ككل. وقوانين تغيير الأفراد تختلف عن قوانين تغيير المجتمع. كما أن المواعظ والتوصيات والنداءات ما لم تنتظم في مشروع كصيحة في واد أو نفخة في رماد. وهذا هو الفرق بين ورقة بين نوفل رضي الله عنه وبين سيد الموحدين نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. كان أولئك ينصحون ويعظون ويتكلمون كلما سنحت لهم فرصة أو وافق مقام، ثم يأوون إلى بيوتهم دون هدف محدد وخطة واضحة وإعداد مناسب لحملة الفكرة وموارد لازمة للحركة.

فشل ورقة ومن على شاكلته من الأحناف فشلاً ذريعاً رغم احترام المجتمع بكباره وصغاره لهم، بينما نجح محمد؛ لأنه عليه السلام خلط الفكرة بتربة الواقع من خلال مشروع حي فاعل فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. بينما كان الأحناف يطلقون بذورهم في الهواء. وكان من الأحناف من يريد من وراء مواعظه الدنيا والرئاسة كأمية بن أبي الصلت الذي كان يدعو للتوحيد والإيمان باليوم الآخر طمعاً في أن يختاره الله تعالى نبياً. حتى إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته نفسها كفر به!

والمجتمعون إن افترضنا معظمهم من صنف ابن نوفل، فلا يخلو جمعهم من طراز ابن أبي الصلت، لكنني لا أرى من بينهم من يصلح لأن يكون وريث محمد بن عبد الله! فيتجاوز دائرة المواعظ والشعارات ومخاطبة الريح إلى دائرة المشروع ومنازلة المجتمع في ميدان الواقع.

من منبر الوعظ إلى طاولة السياسة

وأرى أن ذلك راجع إلى أسباب مستعصية منها: دراسة العلم للعلم في المدارس لا دراسة العلم للعمل في الواقع. فتصلبت عقليتهم على القالب التنظيري لا التغييري. ومما زاد الطين بلة العقلية (المنطقية) التي تنظر للمشاكل الاجتماعية بتبسيط شديد يقوم على افتراض مقدمات ثم الخروج بنتائج ذهنية دون تجربتها في الميدان. ومنها أن معظمهم خطباء تعودوا مخاطبة الجمهور من فوق والجمهور ساكت مطرق لا يرد ولا يعترض. وبهذا أدمنوا المواعظ ولم يجيدوا سواها، وتصوروا أن هذا هو نهاية المطلوب في عملية التغيير والإصلاح.

المفارقة أن هؤلاء قفزوا– بعد الاحتلال – فجأة من منبر الوعظ وكرسي المحاضرة إلى طاولة السياسة. وصاروا يتكلمون في أمر العامة، وكل مؤهلاتهم تلك العلوم التي تحتاج إلى تكميل، وإلى ممارسة طويلة لفن السياسة وقيادة المجتمع. قفزوا وجل بضاعتهم خطب ومواعظ وتوصيات. وكل تجربتهم دواوين وحلقات فإن ارتقت فمؤتمرات. فجاءونا بالعجائب والمضحكات؛ فقد قيل قديماً: “من تكلم بغير فنه أتى بالعجائب”.

أوليس من العجائب أن يخرج أولئك المجتمعون الذين أسموا أنفسهم (كبار العلماء)، وأشاروا إلى أنهم من (أولي الأمر) و(أهل الاستنباط) مستشهدين بقوله تعالى في صدر البيان: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83)، بعد كل ما قدموا به بيانهم من تنظير وتأصيل وتفصيل: يخرجوا بحل وحيد هو دعوة الجامعة العربية للتدخل في وضع علاج لكارثة العراق!!! أهذا تفكير من هو أهل للاستنباط؟ أم يليق بمن يطلق على نفسه أنه من (كبار العلماء)؟ ويتجرأ على أن يدعي أنه من (أولي الأمر)! لا يطلب فقير من مفلس درهماً إلا إذا كان جاهلاً أو مجنوناً. وهل بقي أحد لم يعلم بإفلاس الجامعة! فكيف وهم لا يطلبون منها (درهماً)، بل (مصرفاً) بجلاجل!

هل يدرك هؤلاء أن من أهم قوانين الاجتماع أن المجتمع ليس حاصل جمع كمي لأفراده؟ بل هو أفراد وأنظمة وقوانين وأعراف وتقاليد تتفاعل فيما بينها تفاعلاً (كيميائياً) ينتج منه مركب آخر يختلف كلياً عن الأفراد المكونين له، الذين يمكن – ربما – تغيير أحدهم بالنصيحة والموعظة. هل يدرك (كبار العلماء) هؤلاء هذه الحقائق، فضلاً عن العمل على ضوئها؟

أكبر أزمة يحلونها بـ……………… مَو عظة

إن (كبار علماء العراق) لديهم القدرة بحيث أن أكبر مشكلة تواجههم يحلونها خلال دقائق، وعبر موعظة رقيقة أو حكمة بليغة، وربما زادوا فألقوا خطبة قصيرة أو طويلة. فمشكلة المليشيات – مثلاً – التي تمثل أكبر خطر يهدد وجود سنة العراق كانوا يحلونها بمعادلة (منطقية) في غاية السطحية: (المليشيات مرتبطة بأحزاب، والأحزاب جاء بها المحتل، فإذا جلا المحتل هربت الأحزاب فتبعتها المليشيات. ويومها سترون العملاء تزدحم بهم الحدود).

وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ ولكنَّه ضحِكٌ كالبكا

في ديسمبر/2005 قلت للشيخ حارث الضاري: فإذا لم يخرج المحتل حتى سيطر الشيعة على بغداد وتمكنوا منها فماذا نحن فاعلون؟ فظل يحملق في وجهي دون جواب! وخرج المحتل فإذا الحدود تزدحم بالشرفاء لا بالعملاء، وبالمجاهدين لا بالمارقين. وإذ جلا الأمريكان وانكشفت سطحية هذا القول وسذاجته، لم يجد هؤلاء إلا العناد والإصرار على أن جيوش الاحتلال لم تخرج من العراق، متحججين بالشبهات. ولا ندري لماذا توقفت عمليات المقاومة ضد الأمريكان ما دام أنهم مازالوا في العراق!

يتكلمون في ” ماذا ” ويجهلون التساؤل بـ ” كيف “

ذكر المجتمعون أهدافاً عظيمة.. لكن لم يبينوا لنا كيفية تحقيق تلك الأهداف التي عجزت عنها الأمة في أيامها الزاهرة! إنهم يتكلمون في (ماذا) ولا يعرفون الكلام في (كيف)! (ماذا) إنما تبحث عن الهدف، لكن آليات ووسائل الوصول إليه، أي وضع ملامح مشروع يحتاج إلى الجواب عن (كيف). (ماذا) بلا (كيف) هدف بلا مشروع. وكل هدف بلا مشروع فهو شعار. فـ(ماذا) شغل القاعدين، لكن (كيف) شأن العاملين. وها أنتم ترون (كبار علماء العراق) ليسوا أكثر من خطباء يرددون شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع! فيا مصيبتكم يا سنة العراق، ويا خيبتكم بهم! لو وفروا أجور السفر وتكاليف الفندق وأعطوه لعائلة منكوبة أو زوجوا به أرملة وحيدة أو مسحوا به دمعة يتيم بائس لكان خيراً لهم مما خرجوا به من هذه الخطابات والخيبات!

وإن عالماً – حسب نص البيان – “يحيي التظاهرات الشعبية التي بدأت طلائعها في المحافظات الجنوبية، ويطمح إلى أن ينتظم في هذا الاحتجاج الشعبي أبناء العراق جميعاً” رغم كل ما عملته المحافظات الجنوبية من ظلم أهل السنة. متجاهلاً أنهم ما خرجوا لنصرتهم، وأنهم لم يكتفوا بالصمت إزاء اعتصاماتهم ومطالب أبنائهم والمجازر التي ارتكبت في الحويجة وديالى وبغداد، والكوارث التي حلت بحزام بغداد، والظلم الواقع على سنة الجنوب، وما يعانيه المعتقلون والمعتقلات السنة، بل وقفوا مع حكومتهم ضد كل ما هو سني، ولم نسمع حتى اللحظة بمظاهرة شيعية انطلقت تأييداً للسنة. إن أعراضنا ودماءنا وحريتنا وخبزنا أهون عندهم من موضوع الرواتب والكهرباء التي تظاهروا من أجلها! فعلى أي شيء يحيي العلماء هؤلاء المشاركين في ظلمنا الوالغين في حربنا؟

يا (كبار العلماء)! أين أنتم من مأساة السنة؟

في يوم 24/8/2013 أرسل إلي أحد المعتقلين من سجنه يقول: “أكثر من (175) معتقلاً مصاب بمرض التدرن ارئوي (السل) في سجون الرصافة وإدارة السجن ترفض نقل أي مريض إلى المستشفى تاركة إياهم يصارعون الموت، كما ترفض عزلهم عن الآخرين”! في 5/9/2013 يرسل إلي المعتقل نفسه أن عدد المرضى بالتدرن في سجون الرصافة بلغ (247)! بزيادة (72) مريضاً خلال (12) يوماً، أي بمعدل (6) مرضى جدد في كل يوم يضافون إلى قائمة المنكوبين!

وعمليات التهجير العلني والاعتقال بالجملة والاغتيالات المتواصلة والحرب الدينية الطائفية مشتعلة في بغداد وأطرافها وفي المحافظات الجنوبية، ضد طرف واحد هو السنة. السنة لا غير وأنتم تصدرون بيانكم على وقع قناني البيبسي تتكلمون عن (العراقيين)، دون ذكر ولا إشارة للمقصود بالإبادة وهم السنة لا غير. وهذا مما يساهم في التغطية على الجريمة والمجرم الحقيقي، ويبعد القضية السنية أشواطاً عن “التدويل”.

أهذا مبلغ علمكم واستنباطكم يا معشر (كبار علماء العراق)!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: