التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

المسؤولية على قدر العنوان

موقف بعض الجهات السنية تجاه شتم الصحابة في بغداد

د. طه حامد الدليمي

1377161_400725926721633_1703062821_n-194x230

بين المسؤولية والصلاحية والعنوان.. هذه الثلاثة علاقة عضوية لا تنفك بحال.

وإذا كانت المسؤولية على قدر الصلاحية، فإن الصلاحية على قدر العنوان يجب أن تكون؛ وعلى هذا الأساس فإن المسؤولية من طرفها الآخر تكون على قدر العنوان أيضاً. فمن رضي لنفسه عنواناً فليكن على قدر المسؤولية التي يستلزمها عنوانه. فمسؤولية مدير الدائرة أكبر من الموظف البسيط، وهذا مسؤوليته أكبر من الفراش. وإلا فليتنح عن الطريق؛ فذلك أسلم لدينه وأصلح لدنياه.

والمسؤولية اثنتان: إحداهما أمام الله جل في علاه هو القائل: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات:24)، والأخرى أمام الناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) رواه البخاري. وإذا كانت مسؤولية الإنسان أمام الله تعالى من شأنه وحده، فإن المسؤولية الأُخرى عليه أن يؤدي استحقاقها أمام الناس، وذلك حسب ما ارتضى لنفسه من عنوان؛ فالعنوان أقرب إلى التكليف منه إلى التشريف. وتتضاعف استحقاقات المسؤولية حين يكون العنوان دينياً؛ لأنه مقدس يمتلك قوة ذاتية تدفع الناس للالتزام أكثر مما لو كان العنوان عادياً. وإذن ينبغي أن تتضاعف مسؤولية صاحب العنوان الديني مقابل صاحب العنوان العادي.

الموقف من سب الصحابة في بغداد عاصمة السنة

قبل أيام ردد رعاع الشيعة في عقر مدينة الأعظمية السنية متجهين إلى الكاظمية حيث المرقد المنسوب إلى موسى بن جعفر، رددوا هتافات تسيء إلى أم المؤمنين السيدة عائشة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فماذا كان موقف بعض أصحاب العناوين الدينية (السنية)؟ ولنأخذ مثالاً (هيئة علماء المسلمين) و(الحزب الإسلامي).

أصدرت الهيئة بياناً برأت فيه الشيعة، ونسبت الإساءة إلى (عصابة من “مليشيا طائفية” قليلة العدد، قامت بسب “رموز الأمة الإسلامية”) هكذا “رموز…” ولم تسمهم (صحابة): الاسم الشرعي، والاسم الرمزي للسنة. والفعَلة “مِن” مِن “مِن”: “عصابة من مليشيا”، وليسوا هم الشيعة المتواطئون فيما بينهم بين مستخف ومستعلن، يسمعون دون نكير من أحد منهم هذا الشتم منذ أكثر من عشر سنين إلى اليوم، ناهيك عن أن هذا هو ديدنهم جميعاً: علماء وعامة، كباراً وصغاراً! قال لي صاحبي: نحن نعلم أن الجهة التي يصدر منها الاعتداء هي التي تتبرأ فتنسب التهمة إلى أفراد تعلن أنهم لا يمثلونها، وليس المعتدى عليه! قلت: ليس كل بني إسرائيل صاد السمك، وليس كلهم أكل منه، لكن العقوبة شملت الفاعل والراضي والساكت. وليس كل بني قينقاع كشف ستر المرأة المسلمة وقتل من انتصر لها، وليس كل بني النضير أراد إلقاء الرحى على النبي صلى الله عليه وسلم لقتله؛ فلماذا كانت العقوبة جماعية؟! ألم تقرأ هذه الجهات الدينية القرآن والسنة والسيرة؟

لا أريد أن يكون البيان بتفاصيله البائسة محور كلامي، فأمامكم البيان يمكنكم النظر فيه، ولا تنسوا أن (الهيئة تؤكد أخيراً أن هذه الفعلة الطائفية بامتياز؛ هي نتاج صارخ للعملية السياسية ودستورها المسخ، وأنها تلقي بالمسؤولية على الحكومة الحالية)!! الحكومة إذن هي المسؤولة، أي المسألة لا تعدو مناكفات سياسية، وليست المرجعية الدينية والدين الشيعي نفسه! إنما أريد أن أقول: هل البيان صادر عن جهة سياسية فتكتفي الهيئة بإصدار البيانات؟ أم دائرة إعلامية أم مراسل صحفي فتكتفي بنقل المعلومات؟ أم هي – بحكم عنوانها “هيئة علماء المسلمين” – جهة دينية عليها استحقاقات شرعية قبل أي استحقاقات أخرى: سياسية أم إعلامية أم غيرها؟ ولن نطالبها أكثر من أن تجيبنا على السؤال التالي: ما حكم من كفّر جمهور الصحابة؟ وهل الشيعة يعتقدون ذلك أم لا؟ مذكرين إياهم بأمرين: الأول أن هذا حق من حقوق السنة إن لم يؤدوه فقد نكصوا عن أداء أبسط حقوقهم. والثاني: أن هذا حق الله تعالى الذي يقول: (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:146)، ثم قال بعد آيات قليلة: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:160،159). ويقول النبي عليه السلام: (من كتم علماً يَعلمه جاء يوم القيامة مُلْجَمًا بِلِجَام من نار) رواه أحمد وغيره وصححه الشيخ شعيب الإرنؤوط.

ولم يكن موقف الحزب الإسلامي وقناة (بغداد) الفضائية الناطقة عنه خيراً من موقف الهيئة وقناة (الرافدين)؛ فهم ما فتئوا في موقفهم (البين بين) بين الحق والباطل مذ كانوا وما زالوا، ومن شواهد هذا الموقف إبرازهم لتصريحات المجرم مقتدى الصدر النفاقية عن الصحابة التي صدرت عنه قبل أشهر، واتصالات هاتفية مع بعض المعممين (مثل المدعو جليل الصرخي) التابعين له من خلال قناة بغداد. ونقلهم لمدح (ائتلاف متحدون) البالغ لمقتدى وثنائهم المقرف عليه! ونطالبهم – كجهة ذات عنوان ديني إسلامي – بمثل ما نطالب به أي جهة أخرى مماثلة. مذكرين إياهم بأن القبول بخطاب صادر من أي جهة أقل من المرجعية ممثلة بكبير الشيعة نفسه، ثم تحميله لوازمه القولية والفعلية، إنما هو قبول بالاستهانة التي لا تقتصر عليهم بل تتعداهم إلى السنة أنفسهم، وهو ما لا نقبله. وهذا ديدن الشيعة وطريقتهم في التعالي وإهانة الآخر. ألم تروا كيف ردوا على دعوة الشيخ عبد الملك السعدي إلى الجلوس للمصالحة في مرقد سامراء؟ وكان الراد عليه هو نائب الوقف الشيعي، وليس السيستاني. فإن كان الشيخ عبد الملك واثقاً من مرجعيته فقد كان عليه يومها أن لا يبلع هذه الإهانة؛ فالوقف الشيعي منصب إداري لا ديني، ومع ذلك بلغت بهم الاستهانة به وبنا حداً أن استكبروا عليه أن يكون الراد هو رئيس الوقف لا نائبه!!!

لماذا الآن ؟

بقي أن نسأل لماذا الآن صدرت مثل هذه الاستنكارات الضعيفة لشتم الصحابة؟ فالشيعة منذ عشر سنوات يسبون الصحابة في شوارع بغداد، وليست هذه هي المرة الأولى، بل ولا المئة أو الألف! أين موقف الهيئة والمفتي والمرجع وكبار العلماء (أحدهم “د. أحمد الكبيسي” يشتم معاوية!) والحزب الإسلامي والقنوات التابعة لبعضهم من اتهام عائشة قبل ثلاث سنوات على لسان ياسر الخبيث؟ وكانت حجة د. حارث الضاري القديمة الجديدة: “لا نريد أن نفرق صف العراقيين”! وهذا مثال واحد لا أكثر. بل إن قناة (الرافدين) نطقت بعد شهرين ونصف في برنامج (قناديل) الذي يقدمه السوري أحمد هواس، ويا ليتها سكتت؛ فبعض الكلام تخذيل وخذلان. ويومها رددت عليها في مقال بثلاثة أجزاء تحت عنوان (أين النور يا صاحب القناديل؟).

والجواب أن الذين تعودوا السكوت “حتى لا يفرقوا صف العراقيين” ما عاد يسعهم السكوت هذه المرة؛ لسبب بسيط هو أن (الحراك السني) بقياداته وجمهوره تبنى الأمر وصدرت عنه ردود أفعال وقرر القيام بأنشطة وفعاليات وارتفع صوته عالياً ووصل إلى بعض الجهات والقنوات الفضائية الخارجية؛ فلا بد إذن من موقف، أي موقف، لتلك الجهات الساكتة يثبت وجودها.

 

لا وعي قبل الحدث.. ولا وعي بعده

“القائد من أدرك الأمور ووعاها قبل حدوثها.

الوعي لدى القائد هو الذي يصنع الحدث، أو يوجهه، أو يتنبأ به ويتعامل معه على صورة من الصور. أما الجمهور فعادة ما يتكون وعيهم بعد ذلك. فيكون الحدث لديهم هو الذي يصنع الوعي، وليس العكس.

لقد ابتلينا في بلدنا بـ(قادة) لا وعي لهم، لا قبل الحدث ولا بعده! فلا وعي يصنع الحدث، ولا حدث يصنع الوعي. متخلفين عن الجمهور الذي يسيرون به خلفهم. حتى إذا شاع الأمر، وصار تتحدث به العواتق في خدورها، وتشقشق به الأطيار في وكورها، ولم يعد من إمكانية للتأويل والتعطيل، إذا بهم ينبرون يتحدثون، حيث لا ينفع الحديث. ويقولون حيث لا مكان للقول. نعم..! يحضرون إلى المحطة، ولكن – دائماً – بعد فوات القطار؟! فيهم وفي أمثالهم قال القائل: جاء الطبال، وقد ماتت العروس قبل أسبوع”.

هذا ما كتبته قبل بضع سنين، وقلته بمعناه في مؤتمر (نصرة العراق) في إستانبول في ديسمبر/2006. فهل تغيرت أحوال هؤلاء؟ أم ما زالوا على مواقفهم “ثابتين”، و”ثوابتهم” واقفين؟

الأربعاء

2013/10/9

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: