مقالات

جذور الضياع وطريق الخلاص

د. طه حامد الدليمي

تسيدت الساحة السنية بعد احتلال العراق وإلى اليوم عناوين وأسماء عديدة.

وإذا تجاوزنا الأفراد إلى التجمعات يكون (الحزب الإسلامي) و(هيئة علماء المسلمين) أولها ذكراً، وهما مع (المقاومة) الجهادية كانت أول العناوين التي ظهرت، فكانت نفحة أمل في فضاء اليأس. سبقتها عناوين أُخرى لكنها كانت – رغم سبقها – أقل تأثيراً مثل (حزب البعث) الحاكم قبل الاحتلال. ثم ظهرت على السطح تكتلات سياسية مثل (جبهة التوافق)، ثم (القائمة العراقية) وغيرها، وأحزاب لا ترقى في حقيقتها إلى مستوى الكيان الحزبي. وبين هذا وذاك نشأت ظاهرة (الصحوة) التي شارك في تأسيسها معظم الذين تنصلوا عنها لاحقاً مثل (الهيئة) وبعض فصائل المقاومة، وكانت ردة فعل على تنظيم القاعدة والمليشيات الشيعية.

ثم دخل الساحة السنية (الحراك الشعبي) في المحافظات الست المعروفة. وتخلله بروز عناوين لم تكن مألوفة حاولت فرض نفسها فلم تفلح مثل (المرجع الأكبر) الذي تطامن بعد ذلك إلى (فضيلة الشيخ العلامة)، ومثل (مفتي الديار العراقية) وكأنه عنق يمتد من أغوار التاريخ ثم يأرز إليها. وأخيراً كان (المجمع الفقهي العراقي)، وقبله (مجلس علماء العراق) التابع للإخوان المسلمين، ناهيك عن (الوقف السني) وعناوين كثيرة أُخرى يصدق عليها وعلى معظم العناوين الآنفة الذكر، لا جميعها، قول الرصافي رحمه الله:

عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ
أسماءٌ ليسَ لنا سوى ألفاظِها
  كلٌّ عن المعنى الصحيحِ محرفُ
أما معانيها فليستْ تُعرفُ

الفشل العام في إنقاذ السنة

لا يختلف اثنان على أن السنة العرب منذ الاحتلال ينتقلون من حال سيئ إلى آخر أسوأ، وقد فشلت كل الجهات الآنفة الذكر في علاج الحالة وإيقاف هذا التدهور.

قبل أيام حمّلت هيئة علماء المسلمين الحكومة مسؤولية الانهيار الأمني.. وكأنها حلت المشكلة! وأزاحت عن كاهلها المسؤولية. وبعد أيتها الهيئة؟ وناشد أسامة النجيفي (دولة رئيس الوزراء) أن يضع حداً لهذا الانهيار. وبعد يا رئيس مجلس النواب؟ وقال الشيخ رافع العاني: إن الحكمومة متواطئة مع المليشيات. وبعد يا (مفتي العراق)؟

وصدحت حناجر (الحراك الشعبي) بالأخوة الشيعية السنية حتى ضجت الغيلان والضباع ولم يتحرك صنم الشيعة. وعرضوا عشرين مطلباً تحتاج إلى عشرين ساعة لحفظها، ثم أحرقوها، ثم بعد أيام لملموا رمادها بطلب من (سماحة المرجع) لينفثوا فيها الروح مرة أخرى. وما زال بعض الخطباء يناشد ويطلب من (المرجعية في النجف) – وقد يضيف إليه (الأشرف) – بأن تبين رأيها فيما يجري، (ضعف الطالب والمطلوب). وإلى اليوم لم يجرؤ قادة الحراك على أن يسموه باسمه الطبيعي (الحراك السني)! نعم ألجأتهم سياط القدر إلى الأنين بذكر “أهل السنة” و”المكون السني”، لكن يبدو أن الوضع في حاجة إلى مزيد من السياط – اللهم رحمتك بأهلنا! – لكي يتسمى السنة باسم (السنة).

ولمن لا يفقه حقيقة ما أرمي إليه أقول: الاسم ضروري من ناحيتين: الأولى: ناحية الدين والراية الربانية فلو قضى إنسان عمره يصلي ويصوم ويحج ويزكي لكنه أبى أن يسمي نفسه (مسلماً) ويقول: (إنني من المسلمين) مجاملة للنصارى وتحسباً من اليهود: لن يتقبل الله منه عمله لأنه ليس بمسلم أصلاً. وقد ألجأت السياط الجميع اليوم حتى العلمانيين من السنة إلى النطق بلفظ السنة، وهذا ما كنا نتوقعه منذ ما يقرب من عشرين سنة! فلا ميزة لغيرهم عليهم. والثانية ناحية السياسة؛ فلا قضية بلا اسم وهوية.

الطريف في الأمر أن تلك الجهات التي تداعت أول الأمر وتنافست وتزاحمت فنصبت خيامها شهوراً، هبت عليها رياح الملل فرجع كل إلى موضعه وما زال يصرخ ولكن مع الريح. وبعد أيها (الحراك)؟ وإن كنت ما زلت تومئ إلينا ببشائر تبحث عن مشروع بحجمها وعمقها، وإلا فإن الرياح ستقتلع خيامك كما اقتلعت تلك الخيام، لا سمح الله.

جذور الضياع

قلما سأل أحد من قادة تلك العناوين لماذا حصل هذا؟ ولا كيف نتخلص منه؟ ولم نسمع من أحد منهم اعترافاً بالفشل واعتذاراً عما حصل!

لم يعقد مؤتمر للبحث في تبخر جهود المقاومة؟ ولا الفوضى التي أسفرت عنها ثورات (الربيع العربي)؟ وتنظر حولك فلا ترى الحال اختلف عما كانت عليه ولا إلى ماذا آلت إليه حركات التحرر قبل قرن مضى وإلى اليوم؟ بدايات ونهايات واحدة، وحركات تقرأ نتائجها من مقدماتها لو كان أحد يقرأ. أما التاريخ فهو الذي يقرأنا لا نحن الذين نقرأه!

ألخص أسباب الضياع بما يلي:

1. الفكر الوطني في العراق، وهو سر الكارثة التي حاقت بالسنة العرب فأنستهم هويتهم الحافظة، في بلد احتمى الشيعة بهويتهم الشيعية، والكرد بهويتهم الكردية.

2. فقدان المشروع لدى جميع العناوين المتواجدة على الساحة السنية.

3. المنهج الدراسي لتخريج فقهاء الفروع. وهذا يحتاج إلى وقفة قصيرة.

إن العلم الشرعي الذي أصله الوحي علم اجتماعي لا فردي، ينتصب لمشكلة ويعالج قضية؛ وحتى لا يميل المرء مع دواعي الضعف الفطرية التي تميل إلى غير ذات الشوكة كانت المنظومة المجاهدة هي صمام الأمان وسياج الحفظ، من خلال تربية طالب العلم على الخشونة والمواجهة. وبفقدان هذه المنظومة، أو بانعزال البيئة العلمية عنها، صار العلم الشرعي يجنح إلى المسائل التي لا شوكة فيها، وهي المسائل الفقهية الفردية أولاً، والبعيدة عن حاجات المجتمع التي تثير صداع الرأس وتسلك بالطالب الطرق ذات الشوك ثانياً. فكثر الضعفاء والجبناء وبغاة الجاه والدنيا والمتعيشون بالعلم والطامعون بمال الوقف بين طلبة العلم. فتخرج من هؤلاء علماء ضعاف خراف تسيدوا الساحة، يحاربون كل ذي نبوغ يفهم العلم الرباني على وجهه، وكل ذي نباهة وشجاعة وشمم.

من هنا نشأت بيئة تحتضن الضعفاء والجبناء فأمسى العلم جباناً، وتطبع بالجبن حتى الشجعان. أي ولدت لدينا حالة من الجبن الجمعي لا الفردي؛ بمعنى أن العالم أو الطالب قد يكون في ذاته شجاعاً وتظهر عليه علامات الشجاعة لكن في المواقف الفردية التي تدفع إليها حاجاته الذاتية، أو حينما يتهدد في شخصه مادياً أو معنوياً. أما المواقف التي لها علاقة بالمجموع فهنا تظهر علامات التراجع والنكوص، لا سيما وأن هذه لا تعود مسؤوليتها وسمعتها على شخص بعينه، إنما يشمل بها المجموع فتخف المسؤولية على طريقة: إذا العبءُ الكبيرُ توزعتْهُ أكفُّ القومِ هانَ على الرقابِ

وهنا يأتي دور التلميع والتبرير، الذي يأخذ مسمى (الحكمة)، فتضفى على البيئة الجبانة وما ينتج عنها من مواقف جمعية جبانة أوصاف الرزانة والهدوء والحكمة، متدثرة بكل نص شرعي أو عادي يدعو إلى الصبر والتحمل والرفق والإحسان، مع إبعاد النصوص والشواهد المقابلة.

وهكذا ولد عندنا (الفكر الترضوي)، وهو فكر ضعيف جبان في مواقفه الجمعية، التقاطي انتقائي في مصدريته العلمية. وهو الجذر الآخر الموازي لجذر (الفكر الوطني) في معادلة الضياع السني.

وعلى أساس هذا التشخيص تكون (الهوية السنية) وما ينتج عنها من (فكر سني) يؤسس لـ(قضية سنية) في الداخل وتدويل في الخارج، جنباً إلى جنب مع التأسيس لـ(فقه النوازل) الصائب بدلاً من فقه الفروع الخائب هو الطريق القويم للخلاص من هذا الضياع، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

الأحد

1/12/2013

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: