التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

معركة الأنبار إلى أين ؟

قراءة في البيان التأسيسي لـ(المجلس السياسي العام لثوار العراق)

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\ththth44\Desktop\ffff.jpg

ليست المعركة مجرد أنشطة عسكرية يأتي على رأسها القتال.

الفكرة هي أول المعركة.. وأوسطها.. وآخرها.

لماذا نقاتل: لدفع ظلم أم إرساء حق؟ أم لشيء آخر؟ وعلى أي أساس: الوحي الإلهي أم الفكر البشري؟ وكيف ندير المعركة: بالحماس والصياح؟ أم بالإعداد والتخطيط وبعد النظر وحساب المكنات والمآلات؟ وماذا نريد في النهاية أن نصل إليه من هدف: وحدة وطنية وتعايش مع الشيعة؟ أم إقليم؟ أم انفصال؟ هذه الأسئلة والجواب عنها بوضوح أهم مقومات المعركة. وما القتال إلا وسيلة تعبر عن تلك الأسئلة، أي عن الفكرة؛ فلو تم التعبير سلمياً لم يكن من حاجة إليه، ولا يفعله إلا أحمق! والحماقة – كذلك – من نصيب كل من يخوض معركة دون أن تكون تلك الأسئلة قد أجيب عنها منذ البداية.

إحدى عشرة سنة عقيماً .. وما زالت الفكرة غائبة

لقد خضنا معركتنا مع الأمريكان تسع سنين دون جواب، بل ربما دون سؤال أصلاً؟! الحماس كان سيد الساحة! ويوم سألت أحد الفصائل القتالية وإحدى الجهات المشتركة في العمل السياسي عن موقف كل منهما من الشيعة؟ وإلى أين نحن سائرون؟ الفصيل المقاتل أجاب بما يثير الذهول، ويفتح الباب أمام العديد من الأسئلة، وأولها: لماذا؟ وعلام؟ وكيف؟ وإلى أين إذن؟ وقلت يومها بصراحة: لو علم الحقيقة ألئك الذين يقاتلون الأمريكان بين الأحراش وقصب المبازل ما قاتلوا. الناس مخدوعون بكم، ولا أرضى لنفسي ممارسة الخداع؛ أنا إنسان صريح؛ وهذه مشكلتي في هذا الزمن الضبابي القاتم. وأما الجهة السياسية فتجاهل السؤال كان هو جوابها الوحيد! وكنت أنظر فأرى طبيباً يهرب من تشخيص المرض خوفاً من مواجهة الحقيقة؛ والنتيجة استفحال الداء بتجاهل الدواء؛ فلا تزداد الحالة إلا سوءاً. ولكن هل يعلم المريض أن طبيبه شريك في قتله أو موته؟

وجاء (الحراك) فإذا المتزعمون هم هم، وأفكارهم هي هي.. لم يتغير شيء! فخاضه السنة بالضبابية القاتمة نفسها. حاولت أن يكسر السنة حاجز الخوف الوهمي ويتجرأوا فيسموا حراكهم باسمه، لكنني عجزت. وتذكرت موسى عليه السلام مع قومه، وعلياً مع شيعته. قلت من اليوم الأول: هذا الحراك وإن كان حراك أهلنا، ندعو لهم بالتوفيق ونمحضهم النصح، ولا نبخل عليهم بما نقدر عليه من عون، ونحاول الإصلاح ما استطعنا، لكنه ليس حراكنا، ولسنا مسؤولين عنه. الأمر كما قيل: من كرر التجربة نفسها مرتين متوقعاً الحصول على نتيجة مختلفة فهو مجنون. وأنا أدرك أن مجانين العقلاء – وما أكثرهم بيننا! – أخطر علينا من عقلاء المجانين. فها نحن نكرر التجربة نفسها للمرة المئة! فماذا نتوقع من نتائج؟ يا ناس! إلى أين أنتم ذاهبون؟ ليس أمام مطالبكم من باب مفتوح فعلام تعتصمون! هذا الحراك بهذه الرؤية لن تجنوا منه شيئاً؛ أنتم بلا إقليم سائرون إلى انفضاض وتسليم أو قتال وتقسيم؛ فهل أنتم مستعدون؟

ووقعت المعركة، فإذا هي تدار بالفكرة نفسها.

واحترنا ماذا نقول؟ وكررت القول: هذه معركة أهلنا المظلومين لا معركتنا. ندعو لهم بالنصر، وعلى ظالميهم بالدحر، وأن عسى أن تسفر عن إقليم أو تقسيم. لكنني لم أعلن ذلك بوضوح على شاشة الفضاء حذراً من أن أحبط المعنويات؛ فأهلنا على حق في كل الأحوال، ومطلوب رد المعتدي ومقاتلته حتى لا يستبيح الديار. لكن عرض الحقائق كما هي، وطرح الأسئلة الجوهرية التي تعبر عن الفكرة التي هي الأهم وأساس المعركة: ما راية المعركة: سنية أم وطنية؟ ما هدفها النهائي: إقليم يسلم كل طرف على نفسه ويحفظ حقوقه فيه؟ أم صلح باسم الوطن الواحد بين الجلاد والضحية، يقوم على فكر وطني خاطئ يبنى عليه عمل سياسي فاشل بكل المعايير، جربناه (93) سنة، ودفعنا ثمنها فكان هذا الوضع البائس؟ عرض الحقائق وطرحها كما هي قد يأتي بنتائج عكسية لصالح العدو، ففضلت السكوت وفي الحلق شجى وفي العين قذى، وفي النفس حيرة وحسرة.

المجلس السياسي العام لثوار العراق

قبل يومين أعلن عن تأسيس (المجلس السياسي العام لثوار العراق) الذي عرف نفسه بأنه “الحاضنة السياسية والاستراتيجية للمجالس العسكرية والداعم الرئيسي لها”. استمعت إلى بيان التأسيس الذي ألقاه الشيخ زيدان الجابري. والشيخ زيدان رجل فاضل ذو سمعة طيبة، التقيته أكثر من مرة فلمست فيه النخوة والطيب والتواضع والشهامة، والله حسيبه. ودوره بارز في المعركة الأخيرة. ولكنني أتكلم عن الفكرة وليس عن الشخص، هو أو مجموعة الأشخاص الذين ظهروا معه في الإعلان. وقلت: لا بد من الكلام مهما كانت النتائج (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف:164).

كان البيان مخيباً للآمال من أول عبارة فيه، ومبشراً بأيام سود تنتظر السنة ما لم يفيقوا مما هم فيه من فكر تالف فاقد للصلاحية من يومه الأول. ليس فيه رائحة أو أثر من رائحة للدين أو استشهاد بآية كريمة، أو حديث شريف، أو ذكر لأصل ديني أو قاعدة شرعية، وكأن المؤتمرين لا علاقة لهم بالإسلام، والمقاتلين ليس فيهم من يقاتل انتصاراً للدين وشرعة رب العالمين. مجمل القول أن البيان مخالف للشرع، جالب لغضب الرب. يتجاهل السنة وكأن اسم السنة عار ولطخة وسوء سمعة! ولا يشير إلى الشريعة والمصدرية الربانية في بناء الدولة، وكأن العراق مستثنى من حكم رب العالمين!

هذا من ناحية الدين. وأما من ناحية السياسة فالخطاب قائم على فكر قديم يتجاهل المشكلة الجوهرية وأنها في الشيعة أنفسهم من حيث العقدة والعقيدة والمرجع والولاء، وليس في الحكومة. وتنظر فتقول: إن أصحاب البيان ما زالوا يعيشون في قمقم العقود الماضية، لم يشعروا بأي تغير حاصل في الواقع، ولم يعوا أن الفكر الوطني والقومي قد عفا عليه الزمن، وأن عامة الجمهور ما عاد يلقي إليه بالاً. وليس من الصعب أن تلمس اهتمام المؤتمرين بمخاطبة القوى العالمية في الخارج أكثر من اهتمامهم بالجمهور الذي تدور على رأسه رحى المعركة في الداخل.

إن هذا التخلف الزماني المكاني يؤسس لصراع داخلي سني سني، ومعركة قادمة بين السنة أنفسهم، كما عليه الحال في ليبيا، والذي توقعنا من الأيام الأولى أنه حاصل عند سقوط النظام، وكتبنا عن ذلك أكثر من مقال. وحذرنا ونحذر منه إخواننا السوريين أيضاً.

والبيان فارغ من تبني مشروع سوى الحماسيات و(الهمبلات) الوطنية والقومية التي بنيت عليها دولة العراق الحديثة فكانت سبب انهيارها في سنة 2003، يوم ختمها البعثيون بمثل ما بدأها القوميون في سنة 1921، لم يتعظ خلف بسلف، ولم يستفد متأخر بتجربة متقدم.

ثورة أم معركة ؟

مما جاء في البيان تسمية أعضاء المجلس أنفسهم بـ(الثوار)، وتسمية المعركة الدائرة رحاها باسم (الثورة). وهذا يعني أن هذه المعركة مجرد (ثورة) لتغيير الحكومة القائمة، وليست معركة شاملة بكل معنى الكلمة، لا تقل وزناً وخطراً عن معركة القادسية التي خضناها ضد الفرس المجوس. فالحرب التي يشنها الشيعة اليوم هي حرب نيابة عن إيران تمثل امتداداً لتلك المعركة التي تجرع الخميني (لع) كأس سم هزيمتها، ولا تحتاج معرفة هذه الحقيقة إلى تحليل ونقاش وتفكير. (ثورة) لتغيير الحكومة القائمة وليست مقاومة لصد احتلال شيعي إيراني أخطر من الاحتلال الصليبي الأمريكي. (ثورة) لتغيير الحكومة القائمة وليست جهاداً لنصرة دين الله المتمثل بالسنة ضد دين زائف باطل فاجر يتمثل بدين الشيعة.

وكرر البيان انتهاك الحقيقة الصارخة وهي أن ثقل المعركة قائم على كاهل السنة العرب وحدهم دفاعاً عن أنفسهم ضد الشيعة المعتدين، والكرد يتفرجون. ويؤكد بلا تردد ولا تلعثم منصصاً “على أن هذه الثورة هي ثورة الشعب كله ضد الحكومة الطائفية الفاسدة، وليست ثورة فئة أو طائفة أو عرق”. وهذا كذب على الله ورسوله والناس أجمعين. وهو المسار الخاطئ نفسه الذي سار عليه الوطنيون من العلمانيين والإسلاميين مع المقاومة السنية ضد الأمريكان، ومع الحراك السني ضد الشيعة. المسار الذي يكابر الحقائق الميدانية كلها؛ لا لشيء سوى أن هذه الحقائق ليست على مقاس فكره المتخلف! وهذه بعض فقرات البيان التي تلقي الضوء على ما قلته آنفاً، تاركاً البقية لنص البيان لمن أراد الزيادة:

  • التمسك بوحدة العراق أرضاً وشعباً، وتحريره من مخلَّفات وإفرازات الاحتلال الغاشم، وتبني والتزام المشروع الوطني العراقي والدفاع عنه بكل الامكانات المتاحة.
  • العمل على تأمين الدعم للثورة العراقية… والتأكيد على أن هذه الثورة هي ثورة الشعب كله ضد الحكومة الطائفية الفاسدة، وليست ثورة فئة أو طائفة أو عرق.
  • تشكيل حكومة إنتقالية مؤقتة تتمثل فيها جميع القوى الوطنية المقاومة.
  • بناء دولة المؤسسات وتكريس ثقافة التسامح وتعميق مفاهيم الانتماء الوطني، بعيداً عن الطائفية والجهوية والفئوية والعرقية.

والله المستعان.

6/3/2014

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: