مقالات

الإعلام السني في خدمة المشروع الشيعي

د. طه حامد الدليمي

في أواخر 2003 كنت راجعاً من بغداد إلى الأنبار، أقلب أزرار مذياع السيارة فعثرت على أكثر من محطة إذاعة شيعية تبث برامجها التي في صميم التشيع. قلت: ها قد غزينا في دارنا! وبعد فترة قليلة حضرت ندوة عن (الإعلام) عقدها (الحزب الإسلامي) في مقره ببغداد بحضور د. أسامة التكريتي (أمين عام الحزب الأسبق). خيّم على نفسي الأسى وأنا أشهد اقتصار اهتمام المنتدين على أمور فنية وعلمية معظمها مستنسخة ومستوردة على طريقة المواد المعلبة، بعيدة عن الواقع، صعبة التحقيق، غير متناسبة مع ظرفنا!

في آخر الندوة تداخلت فقلت: إعلام بلا رسالةٍ جهدٌ مضيع وحركة في فراغ، فما هي رسالة الإعلام الذي تريدون؟ أنا لا ألمس أثراً لها. واستشهدت بما تكلم به أحد البصريين على المنصة قبل قليل من أوضاع مزرية يتعرض لها سنة البصرة. وقلت: أين قضية السنة من مجال الإعلام الخطير؟ وتطرقت إلى ما لاحظته في الأنبار قبل أيام وكيف أن الإعلام الشيعي غزانا في عقر دارنا. وقارنت بينه وبين إعلام الحزب الإسلامي وكيف أن الأول يركز على خصوص قضيته الشيعية بوضوح وصراحة، على العكس من الثاني الذي يتجاهل القضية السنية مطلقاً ويشتت الأنظار عنها بموضوعات دينية عامة عن الأخلاق والقيم والسلوك الطيب والتآخي والتعاون؛ وهذا يخدم الجميع ليس الشيعة فقط بل حتى النصارى واليهود ينتفعون به، إلا السنة! وإلا ماذا ينتفع السنة الذين تدور المعركة على رؤوسهم من هذه الطروحات المفرغة من (القضية)، البعيدة عن جروحهم وآلامهم وآمالهم؟

كنت لحظتها كمن أطلق رصاصة في قاعة هادئة! قال بعضهم: هذا كلام في غاية الأهمية. وطالب آخر بعقد ندوة تخصص لهذه المسألة الخطيرة. ولكن – يا لَلأسف! – ارتعش الحاضرون لصوت الرصاصة، ثم عادوا إلى أماكنهم ليغطوا في نوم مريح!

ليتهم سكتوا أو ظلوا نائمين

ولو ظلوا نائمين لكان أهون شراً، أو سكتوا لكان أقرب عذراً. ولكنهم لم يألوا جهداً في أي منبر إعلامي لتقديم خدماتهم المجانية للقضية الشيعية، وليس السنية!

في مارس/2005 قلت للأستاذ محمد أحمد الراشد (من قدماء قادة الإخوان المسلمين في العراق ومنظريهم): “مشكلتنا في جمهور قوي يضحي وقيادة ضعيفة لا تمثل هذا الجمهور بما يتناسب وقوته وتضحياته؛ يخرج المسؤولون في الحزب الإسلامي فيصرحون على الفضائيات بكلام ضعيف محبط يدعو للأسى:

د. محسن عبد الحميد (أمين الحزب الإسلامي) يصرح من طهران قائلاً: “ليس من دليل على أن إيران تتدخل في شؤون العراق”! وبينما الحرس الوطني (الشيعي) ومنظمة بدر المتغلغلة في الحرس والجيش والشرطة يضطهدون أهل السنة ويذيقونهم في السجون والمعتقلات صفوف العذاب يخرج علينا د. محسن من فضائية (الجزيرة) ليقول: “الإخوة في حزب الدعوة والمجلس الأعلى…” تصور “إخوة”!!! ويستمر قائلاً: “نحن لسنا في حاجة إلى مصالحة لأنه ليس هناك من خلاف أو صراع بيننا”! ولا يتكرم على أولئك المضطهدين والمعذبين بكلمة استنكار ضد من يضطهدهم، بل يسمي هؤلاء إخوانه!

ود. عصام الراوي (من قادة الإخوان، وعضو هيئة علماء المسلمين، حكم بالإعدام سنة 1989) يظهر على فضائية (الحرة) يتملق الشيعة ليقول جواباً على سؤال مقدم البرنامج: “مرجعيتنا العليا القرآن وأهل بيت النبوة. والرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالتمسك بالقرآن وأهل بيت النبوة وقال: لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.. الخ” مع أنه لا مناسبة بين هذا الجواب وبين السؤال الذي وُجِّه إليه، وكان حول الديمقراطية وشرعيتها! فأيدها د. عصام وجعلها من الإسلام مستشهداً بقول منسوب لسيدنا علي عن الخوارج! ثم تمدح بإيران وترحم على “الإمام الخميني” وأضاف: “إن القول بأن إيران فارسية مجوسية، هذا تثقيف بعثي كان يقوم به صدام لتأجيج الصراع ضد إيران. إيران لا تريد بالعراق إلا الخير”!

أرسلت على إثرها رسالة خطية إلى د. عصام ألومه على ما قال. وبعد مدة أخبرني صديق لي أن عصام قال له ساخراً: د. طه يعترض على قولي: “الخميني رحمه الله”؛ ماذا يريد مني أن أقول؟ “الخميني لعنه الله”! يقول صديقي فأجبته: يعني إما أن تترحم أو تلعن؟ ألا يوجد خيار بين الترحم واللعن.. أن تسكت عن الأمرين مثلاً؟

ودعيت في 2004 للمشاركة في وضع برنامج ومنهاج إعلامي للحزب الإسلامي. مع التأكيد على أن هذه الدعوى رسمية متبناة من القيادة، وما تكتبه اللجنة المشكلة سينفذ حرفياً في وسائل إعلام الحزب المرئية والمسموعة والمقروءة. وظللنا نلتقي مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع، وعلى مدار شهر أو أكثر من أجل وضع البرنامج المطلوب. الغريب أن حرفاً واحداً لم ير النور من ذلك البرنامج المطرز بتلك التأكيدات والوعود والتطمينات!

كان بعضهم يعتذر لقناة (بغداد) التابعة للحزب الإسلامي بأنها تبث من بغداد؛ لهذا ليس بمقدورها أن تتبنى القضية السنية بوضوح. فكنت أبتسم وأقول: “الإشكال في الإخوان لا في المكان”. وقد تأكد هذا عندما انتقلت القناة إلى خارج العراق!

إعلام مستدبَر

هكذا استدبر المشروع الشيعي حاذية الإعلام المتهم بالسنة – مع أنه بريء من هذه التهمة “براءة الذئب من دم ابن يعقوب”– وساقه طوعاً أو كرهاً لخدمته!

إعلام مهزوم، فاقد للهوية، مضيع للقضية، ناكب عن الطريق؛ يسير بلا خريطة ولا بوصلة. وليس هناك من استثناء البتة؛ فهو أحد أسباب ضعف السنة وتقهقرهم. فالحجة الضعيفة دليل يضاف إلى رصيد الخصم. بل لا تظهر قناة إلا وهي شر من التي سبقتها!

في ربيع 2006 بدأت قناة (الرافدين) التابعة (لهيئة علماء المسلمين) بثها، فقلت: رحم الله أيام قناة (بغداد)! يومها كتبت رسالة نصيحة للمشرف عليها، وبعد أن أكملتها تذكرت مشهداً في فلم (القادسية) يبعث فيه رستم – وقد استيقن خسارة المعركة – رسالة شفهية إلى يزدجرد، لكنه ما إن أدار الرسول ظهره إليه ومضى حتى ناداه: “لا تقل له شيئاً؛ إنه لن يفهم”! فاحتفظت برسالتي لنفسي. لقد نفضت يدي من الجميع وأدركت أنه لا بد – لمن أراد الإصلاح – من أن يختزن جهده لتأسيس جديد؛ فإن القديم ما عاد يصلح لشيء.

7/4/2014

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: