التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

قنوات الفضاء ( السنية )

في خدمة المشروع الشيعي الإيراني

د. طه حامد الدليمي

لو قال أحدهم: “إن التشيع صناعة سنية” لأصاب شيئاً من الحقيقة!

ولو قال: “إن التشيع بذرة مجوسية نبتت في أجواء إسلامية” لكان لكلامه نصيب كبير منها. ولو قال: “إن التشيع بيت فارسي شارك العرب في بنائه” لما خرج عن دائرة الحقيقة. ولدي على ما أقول عشرات الأدلة ومن أمهات المصادر والمؤلفات والوقائع والواقع القديم والحديث. حتى قال أحد الظرفاء: “قام بناء التشيع على الفرس كمقاولين، وعلى الشيعة العرب كبنائين، وشارك السنة في (جوقة) البِناء كـ(طواسين)”. و(الطواس) هو العامل البسيط الذي يحمل (طاسة) الأسمنت والجص وما شابه. قلت له: وبلا أجر ولا شكر!

المشكلة أنه لا يمر زمن إلا والذي بعده شر منه. فبعد أن كانت (الطاسة) رواية هنا، وعبارة هناك، وحاكم يريد تثبيت ملكه بأي سبيل، وخطيب يداهن، ومحاضر يراهن.. كبرت (الطاسة) حتى صارت طبقاً كبيراً يتسع لكل ما في الفضاء من سموم الفرس ودخانهم، وشبكة تغرف ما فيه للشيعة من حشرات وصراصر وعقارب. ومنها ثعابين تتزيى بزي علماء دين سنة، ولها عناوين إسلامية ووطنية: هيئاتٍ وأحزاباً وجماعاتٍ وأفراداً!

الوطنية والقومية والإسلامية في خدمة الشعوبية

إيران، ومنذ أن جاء الخميني قبل 35 سنة، تصدر ثورتها باسم الأمة الإسلامية الواحدة، والتقريب بين المسلمين ونصرة فلسطين. وتبذل ما أمكنها جاهدة أن لا يعمل السنة باسم (السنة)؛ لأن هذا هو الذي يقف بوجه مشروعها ويصيبه في القلب من مقتله، بينما تعمل هي جاهدة على تقوية الشيعة ونشر التشيع بكل سبيل. وسخرت لمشروعها أفواجاً وجيوشاً من السنة من شتى الصنوف والمشارب والاتجاهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يتحاشون ويتطيرون من اسم (السنة)، بل يحاربون هذا الاسم العظيم الشريف، الذي وضعه الصحابة؛ تارة باسم (الوطنية) ومرة باسم (القومية)، وأخرى باسم (الإسلامية) وغيرها من الأسماء والعناوين والمصطلحات التي لم يرد بها نص من الوحي، ولا أثر عن الصحب الذين أمر الله تعالى باتباعهم فقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة:100).

الشيء نفسه تسلكه الحكومة الشيعية التي تجثم على صدر العراق اليوم. رافعة شعار (الوطن) الواحد، وتسم كل من نطق باسم (السنة) بوسم الطائفية. وتبرز هي وإيران (مقتدى) وتياره الصدري وجيشه المهدوي وأمثاله كرموز للوطنية والمقاومة. كما تستقتل هي وإيران في سبيل منع أهل السنة من إقامة (إقليم) لهم كدرع يحمون به جلودهم المكشوفة أما نبال الشيعة وخناجر الفرس وحرائق المجوس.

السنية فكرة المستقبل المشرق

(الهوية السنية) اسم شرعي بات ضرورة لجمع السنة على قضية واحدة، ليس في العراق فحسب، بل في نصف العرب المشرقي من حدود مصر غرباً إلى أطراف الأحواز شرقاً، بما في ذلك الشام والعراق واليمن ودول الخليج جميعاً. بل إن (السنية) هي فكرة المستقبل البديل عن (القومية) و(الإسلامية)، بعد أن خابت الفكرتان وكشفتا عن ضعفهما وأعلنتا عن عجزهما التام عن الحل. و(السنية) هي الفكرة الوحيدة القادرة على اجتياز الحدود المحلية و(تدويل القضية). ويأتي (الإقليم) كحاضنة، ولو إلى حين، للهوية والقضية أولاً، ومطلب سياسي ذي مقبولية عالمية لأنه يمتلك الحق الدستوري والقانوني ثانياً؛ فهو ورقتنا شبه الوحيدة التي تظهر الحكومة الشيعية بمظهر الخارج عن القانون أمام العالم، وتمنحنا الشرعية الدولية. ويمكننا إشهارها سيفاً يرعب هذه الحكومة الطائفية حد الجنون. وهذا هو السر وراء محاربة المالكي وإيران موضوع الإقليم والهوية السنية حد الخروج عن المعقول والمنقول.

الاستراتيجية الثلاثية المشتركة بين الطرفين

(الهوية السنية) و(الإقليم) تحاربهما الشيعة وإيران، وترفعان – في الوقت نفسه – من شأن مقتدى وأمثاله وتبرزانهم كرموز وطنية جامعة حتى لقد أوعزوا إلى مقتدى في الفترة الأخيرة بأن يتبنى خطاباً وطنياً يدافع فيه عن السنة، ويثني فيه على الصحابة، بل تمادى في التدثر بالتقية حتى إنه برأ يزيد من دم الحسين!

هل في هذه الاستراتيجية الثلاثية (محاربة الهوية السنية والإقليم، وتلميع مقتدى) التي تتبعها إيران والشيعة شك؟ أم يحتاج إثباتها إلى دليل؟

والآن قل لي: هل اجتمعت الأطراف المحسوبة على السنة مع طرف إيران والشيعة في هذه الاستراتيجية الثلاثية – ودعوكم من سواها – صدفة؟ أم تلاقت على غير ميعاد؟ وإذا تركنا موضوع التآمر، أو الاستدراج بلغة أخف، جانباً: هل تحتاج معرفة أن المتبني لهذه الاستراتيجية هو في عين خدمة الشيعة وإيران، إلى دليل؟

ولو افترضنا أن هذه الأطراف السنية جاهلة ساذَجة، فهل الجهل بمثل هذا يمنح صاحبه العذر، لا سيما إذا كان يستقتل في تبنيه هذه الفكرة الخطيرة رغم الشرح والبيان والتحذير بكل سبيل؟

ألا إن الجهل والخطأ والمقامرة بمصير الأمة السنية في العراق وخارجه لهو الخطيئة عينها، ولا يعذر صاحبها بحال قط. فكيف ولم يعد مجال للجهل والخطأ. أفبقي أحد لم يعلم بأن مقتدى الصدر هو من عتاة المجرمين، وأكثر من ولغ بدماء أهل السنة في العراق وسوريا ولبنان؟ فما بالكم بذلك الصنف العضروط الخربوط الذي لا يني يمدحه على أنه وطني، ويطير بكل كلمة يقولها مكراً ونفاقاً يهلل لها ويطبل! ويعتذر لما لا يمكن التستر عليه من مواقفه بأنه مرغم مضغوط!

والآن تعالوا إلى بعض القنوات المحسوبة على الجانب السني، ومنها تابعة لجهات ذات عنوان ديني إسلامي، وكيف تهيم بمقتدى الصدر، وتترقب كل كلمة له حتى تطير بها صادحة مادحة.

قبل مدة أعلن مقتدى الصدر عن عزمه اعتزال الحياة السياسية والابتعاد عن الساحة العراقية بكل تفاصيلها محتجاً على الأوضاع الأمنية المتردية، ومتهماً بعض العناصر المحسوبة عليه بتحكيم السلاح غير آبهين للمصالح والمفاسد. وهاجم الحكومة واصفاً إياها بالطائفية. ومع أن هذا هو ديدن مقتدى منذ ظهور نجمه بعد الاحتلال في 2003 وإلى اليوم؛ فهو يهاجم العمل السياسي ويعلن مقاطعته ثم لا يلبث حتى يعود إليه. وشارك في كل الانتخابات التي جرت دون استثناء. وهو الذي وقف وراء فوز المالكي برئاسة الوزراء مرتين. إلا أن جوقة المداحين لا تخجل من اللهاث وراءه تلميعاً وتقديراً وتبجيلاً. وهاكم لقطات قليلة مما ورد من ذلك على شاشات بعض القنوات المحسوبة على الطرف السني، مع اشتراكها في ذلك الهراء جميعاً دون استثناء، نوردها تراباً نحثه في وجوه أصحابها تطبيقاً لأمر النبي الذي رواه مسلم عن همام بن الحارث أن رجلا جعل يمدح عثمان. فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، وكان رجلاً ضخماً، فجعل يحثو في وجهه الحصباء. فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب). وهذا في حق قائل حق بحق رجل على حق، فكيف بمن قال باطلاً في حق مجرم عتيد كمقتدى!

قناة الرافدين

  1. لا تذكر مقتدى إلا وذيلته بلقب (السيد) تفخيماً وتبجيلاً.
  2. مما قاله مذيعوها في حق مقتدى: “مقتدى وطني مخلص”، ” قال كلمة حق”، “خطابه يشبه ما يطرحه المعتصمون”، “خطابه يجب أن يقال من قبل كل حريص على دماء العراقيين ومصالحهم وثرواتهم”. ويتساءل مذيع: “ألا يعد خطابه دعماً لجهد الثورة في المناطق المنتفضة؟!”.
  3. الإشادة بقوله: إن الحكومة فاسدة والمالكي طاغي لأنه يعتبر المقاومين إرهابيين. والقضاء مسيس. وأن الذين في حكومة المالكي جاءوا من خلف الحدود، وأنهم ذئاب متعطشة للدماء.

قناة البابلية

1. نحيي مقتدى الصدر على هذه الخطوة التي صدرت من وطني شريف حريص على العراق والعراقيين. وإنها خطوة جبارة وجريئة.

2. مناشدة الصدر بالعدول عن قراره في اعتزال العمل السياسي. وأن قرار الاعتزال له تداعيات خطيرة؛ فالسيد مقتدى الصدر يمثل عنصر التوازن في مجمل العملية السياسية. ونرجو عودة قريبة للسيد مقتدى الصدر.

قناة الفلوجة

1. السيد مقتدى الصدر أبدى عقلانية يجب أن نشيد بها

2. عقلانية الصدر يجب أن تستمر. وقد استوعب المشكلة العراقية واقترح الحلول المناسبة لها.

قناة التغيير

خصصت الشريط السفلي لنقل مقاطع عديدة من خطاب مقتدى مشيدة معظمة.

علماً أن هذه القنوات جميعاً تتجنب ذكر (السنة والسنية) سواء كانت وصفاً أو هوية، وتقف ضد الإقليم بدرجات متفاوتة تتراوح بين المستقتل ضده كقناة الرافدين، وبين ما هو دون ذلك. وعلى النهج نفسه تسير قناة بغداد. غير أنها صارت مؤخراً تتكلم بموضوع الإقليم على طريقتها في مسك العصا من المنتصف. وكذلك الشرقية والعباسية وقنوات المحافظات السنية كالموصلية وصلاح الدين والأنبار وديالى وغيرها.

والآن هل أيقنت معي أن دور السنة في “صناعة التشيع” لم يكن أقل من دور (الطواسة) في جوقة البناء؟

15/4/2014

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: