التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

تفجير طاقة التفكير (2)

د. طه حامد الدليمي

3. التدقيق في المقروء والمشهود والمسموع

(الحساسية) أو الإحساس المرهف بالمشكلات من شروط الإبداع وصفات الشخص المبدع. ومنها دقة الرؤية المؤدية إلى ملاحظة الفروق الكامنة بين المتشابهات. فهو يعي الأخطاء في الأشياء التي حوله، ويدرك نواحي النقص والقصور ويحس بالمشكلات إحساساً مرهفاً. والمشكلة حالة تحريض للذهن، تدفعه لخوض غمار البحث فتزداد الفرص أمامه نحو الخلق والإبداع. ربما يمر الكثيرون بهذه العبارة (مؤسستنا ربانية سنية عراقية)، ولا ينتبه إلى السر في عدم وصفها بـ(الإسلامية)، أي لا يلحظ الفرق الدقيق بين الكلمتين.

التدقيق المفضي إلى التمييز بين المتشابهات من التقوى التي أرشد الوحي إليها فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الأنفال:29).

4. المطاولة والإصرار على إيجاد الحل

تعترض الكاتب مشاكل فكرية من النوع الذي يستعصي على الحل ابتداءً. فماذا يفعل؟ مواجهة المشكلة بطول التفكير وممارسة الحوار الداخلي أحدى تِقْنيات العثور على الحل. وإليكم هذه القصة الطريفة التي عشتها مع مشكلة استعصت عليّ عدة شهور:

عندما بدأت بتأليف كتاب (لا بد من لعن الظلام) سنة 2001 – ومن طريقتي أنني أعتمد القرآن مصدراً أساسياً، لا سيما في آياته الصريحة (المحكمات) – احترت إزاء الكم الهائل من الآيات الدالة على أصل الموضوع! لا أبالغ إن قلت: إن عدد الآيات الدالة صراحة تبلغ المئات، وبدا ذلك جلياً من عدد الصفحات التي غزتها الآيات عندما شرعت في كتابتها؛ فكيف أقيد ذلك في الكتاب؟ إن اقتصرت على عشر أو عشرين لربما لا ينتبه القارئ إلى ضخامة العدد فيفوته تصور مدى قوة الدليل القاطعة وعظمة حجمه الباذخة. وإن أحصيتها كلها لن أجد من لديه الصبر على قراءتها جميعاً. فكرت أن أكتفي بجزء واحد من القرآن مثل (جزء عم) فواجهتني المشكلة نفسها وإن بصورة أقل، ثم إن هذا سيصرف القارئ عن آيات كثيرة في مواضع أُخرى ربما هي أدق وأقوى دلالة. وفكرت: لو جربت تصنيف الآيات مجاميع حسب موضوعاتها يكون ذلك أدعى للمتابعة، ويمنحني فرصة جيدة لتقييد عدد كبير من الآيات. لكن ما هي العناوين التي تصلح للتصنيف؟ لم يكن الأمر سهلاً. معضلة جديدة فماذا أفعل؟ هذا والقلم يسطر الآيات، والصفحات تترى! وهكذا ظللت أتنقل من فكرة إلى غيرها. إلى أن اهتديت إلى فكرة عملاقة كانت أساساً خماسي العناصر من أسس الكتاب، لم يكن مني من قبل على بال!

5. ترقيد الفكرة

قد يطول زمن الجهد المبذول حيال مشكلة فكرية دون مخرج. عند ذاك يمكن ترك الفكرة ترقد في خبايا الذاكرة فترة من الزمن، ومنحها فرصة كي تختمر وتتفاعل؛ فإذا هي بعد ذلك تخرج يانعة مكتملة لا تحتاج إلى أكثر من تعديلات وتحسينات شكلية.

عندما استعصت علي ّالفكرة المنقذة في علاج إشكالية كثرة الآيات الدالة على الفكرة الأساسية لكتاب (لا بد من لعن الظلام) لجأت إلى ترك التفكير في المشكلة شهرين أو ثلاثة، وانصرفت لكتابة بقية الفصول. كنت في ذلك أمارس طريقتي العفوية في إنبات الأفكار، وهي حالة تعتريني عندما تتضيق لدي مخارج الأفكار في مسألة ما، فأتركها مدة، وكأنني أستنبتها وأسقيها وأرعاها في زاوية من زوايا العقل تحت مستوى الوعي. ثم فجأة تخرج لي تلك المسألة من مكمنها وكأن قشرة الدماغ تشققت لها فتطل برأسها نبتة واضحة المعالم لا ينقصها إلا شيء من السقي وبعض من الزمن!

هكذا نبعت عندي فكرة تصنيف آيات (لا بد من لعن الظلام) حسب سور أربع: كل سورة تختص بمواجهة دين من الأديان الباطلة الأربعة؛ فسورة (البقرة) تخصصت باليهود، وباستقراء جميع آياتها في ذلك استخلصت منهجاً في مواجهة الباطل يرتكز على خمسة عناصر رئيسة، وزعت عليها كثيراً من الآيات. ثم رحت أطبق المنهج نفسه مع سورة (آل عمران) والنصارى، و(الأنعام) والمشركين، وأخيراً (التوبة) والمنافقين. وهكذا انحلت المشكلة وواجهت التحدي فتجاوزته وتمكنت من الجمع بين وفرة الآيات واستدراج القارئ إلى قراءتها أو – على الأقل – المرور عليها لكن مع أخذ تصور واضح لمدى قوة الدليل وعظم حجمه. هذا مع اكتشاف تلك المنهجية الربانية الخماسية الأبعاد في مواجهة الباطل بمختلف أصنافه([1]).

بالطريقة نفسها نبتت عندي، ونمت وترعرعت حتى تمت وكملت، أعظم قاعدة في إبطال دين الشيعة، وكل الأديان المبتدعة، ألا وهي (اتباع محكم القرآن في تأسيس الأصول).

6. طول التأمل

طول التأمل في الواقع والمتغيرات والتنقير عن جذورها وأسبابها والسؤال الدائم: كيف حصل هذا؟ وكيف نتجنب هذه المشكلة أو نعالجها؟ أو نحقق هذا الهدف. بهذه التقنية اكتشفنا – مثلاً – معادلة تحقيق الوحدة باتباع منهجية (النواة الصلبة)([2]).

7. تقليب النظر في التجارب الشخصية

تشكل التجارب الشخصية مصدراً غنياً لاستخلاص الأفكار واكتشاف القوانين الفردية والاجتماعية والسياسية وغيرها، فيما لو أحسن صاحبها عملية تقليب وإعادة النظر فيها. فمن خلال النظر في التجربة الشخصية كان اكتشاف منهجية (التغيير الجمعي) الغائبة عن مناهج الجماعات الدعوية التي شهدناها في الساحة العراقية – على الأقل – والاهتداء إلى علة الصنمية في القيادة، وضرورة الاستفادة من علم النفس والاجتماع.

8. النظر في التجارب الاجتماعية

تجربة المقاومة العراقية أثبتت أن الأزمة وحدها لا تكفي لتحقيق الهدف؛ فاجتماع الناس عند المصيبة – ما لم يكن هناك توحد في الرؤية وكفاءة في القيادة – سيعقبه الاختلاف والتشتت وضياع الجهد. لهذا قلنا من اليوم الأول لحراك المحافظات السنية: “هذا الحراك ليس حراكنا، إنما هو حراك أهلنا. وهذه الجولة ليست لنا، إنما القادمة إن شاء الله”. بمعنى أننا غير قادرين على قيادته وتوجيهه في اللحظة الحاضرة. وكذلك أي جهة أخرى ستقف عاجزة عن ذلك. وسينتهي نهاية لا يريدها الجميع. الشيء نفسه نقوله عن المعركة الدائرة اليوم بين الشيعة بقيادة المالكي، والسنة بقيادة الأنبار.

_________________________________________________________________________________

  1. – يتبين بالاستقراء التام للقرآن الكريم أن المنهج الرباني للدعوة والتغيير يقوم على خمسة أركان هي:

    – ذكر الباطل بتفاصيله، وإنكاره بحذافيره، ولعن ظلامه والتنديد به وبأصحابه وإن كرهوا.. وإن نفروا.

    – الدعوة إلى الالتزام بالحق.

    – مدح المتبوع الصالح بما فيه دون إفراط أو تفريط.

    – الدعوة إلى اتباع منهجه دون الاكتفاء بمدحه، أو الاعتراف بالحب والانتساب المجرد عن الاتّـباع.

    – قطع الصلة بين التابع والمتبوع، وتجريد التابع من كل دعاواه التي تربطه بالمتبوع.

  2. – معادلة توحيد القوى المتكافئة: النواة الصلبة ثم البؤرة الجاذبة ثم الكتلة الغالبة.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: