مقالات

أخطر عوامل الهدم الداخلي للمؤسسات شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (4)

د. طه حامد الدليمي

الحسد والكبر والعجب

ستة أمراض بارزة في شخصية إبليس أفصحت عنها نصوص القرآن: ثلاثة منها أساسية هي (الحسد والكبر والعجب)، وثلاثة توابع نتجت عن الأولى هي (الجدل بالباطل وتبرئة الذات والمكر للإيقاع بالمحسود).

ولإبليس ورثة يتمثلون خصاله ويقومون بتمثيل دوره مع ورثة آدم، لا يخلو قبيل أو مؤسسة منهم قط؛ لهذا كان الاهتمام بهذا الموضوع، وكانت قصة آدم عليه السلام زاخرة بالدروس التي تتكرر في كل زمان ومكان. فهي قصة نموذجية بحق؛ ولعل هذا سبب تقدم ورودها على جميع القصص في المصحف الشريف.

إن أكبر ما يهدد المؤسسات ويفني الجماعات ليس الخطر القادم من الخارج؛ فهذا عادة ما يكون كالمطرقة لا تزيد المسمار إلا انغراساً وثباتاً. الخطر المنبثق من الداخل هو الأخطر، وهو الذي يفجر الكيان من لبابه ويفقده تماسكه. ولا تزال المؤسسة في تماسك وسلام ما لم تبدأ سوسة التحاسد بين أعضائها بالنخر. من هنا يبدأ كيان المؤسسة بالاهتزاز وتشيع فيه عوامل الضعف. فإذا أهمل المرض فلم يعالج تعاظم وانتشر وبلغ مبلغه ففقدت التماسك وانهارت وآلت إلى زوال.

كثير من العاملين تراهم يعملون متعاونين، متفاهمين متطاوعين. وهذه الحالة الصحية عادة ما تعم الوسط العامل عند التأسيس وتقديم التضحيات. فإذا تطورت الأمور صارت المؤسسة أمام عدة تحديات وأهمها أمران:

  1. ضرورة إيجاد هيكلية تراتبية يتوزع العاملون فيها المناصب والمهام القيادية. وهو ما يعبر عنه بـ(الجاه أو الشرف).
  2. طروء مورد مالي تستدعيه حاجاتها. وقد ينمو ويتسع فتنفتح الدنيا وزهرتها في وجه العاملين. وهو ما يعبر عنه بـ(الدنيا أو المال).

يقول النبي : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)([1]). ويقول: (ما الفقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ! وَلكنّي أَخْشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُم كما بُسطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا؛ فَتَهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)([2])!

هنا يتبين العامل المخلص الذي علم حق العلم ما يراد بقوله سبحانه: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3) فعالج قلبه من شوائب الدنيا فغلبت عليه الصحة، من العامل المِخلَط الذي يعمل مرة لله ومرة لهواه، أو يخلط هذا بهذا ولا يبالي حتى يغلب عليه المرض. فإذا حرم من منصب برزت لديه حالة العُجب فقال: أنا وأنا، وعملت كذا يوم كذا، وسبقتُ إلى هاتيك وماتيك. وإذا نظر إلى أخ له حاز منصباً أو شيئاً من مال أو عرَض من الدنيا قال: أنا خير منه فكيف يعطى وأُحرم، ويقدَّم وأؤخَّر؟ وقد لا يتوقف عند هذا الحد فيتجاوزه إلى حسده وبغضه ثم السعي في أذاه وضره.

متى تبرز آثار المرض

تبرز هذه الحالة الإبليسية عادة عندما ينتمي إلى المؤسسة وافد جديد له نشاط متميز وخبرة وإبداع، فترى القيادة توليته منصباً وتوكل إليه مهام تتناسب وخبرته وتميزه. فينتفض البعض متحججين بقدمهم وحداثته. كما انتفض إبليس متضايقاً من وجود آدم عليه السلام بعد إذ لم يكن وقدمه الله سبحانه على الجميع. وقد يتوقف الأمر عند هذا الحد إذا كان المرض بسيطاً لم يتمكن من صاحبه. وإلا حصل التمادي؛ فإن منهم أناساً طال عليهم الأمد فتثاقلوا، وقست قلوبهم فتخلفوا، وربما عبثوا وأفسدوا. ومن هؤلاء تنبعث الفتنة وتبدأ المشاكل ويتبدى العصيان!

  • ويتدخل المصلحون فتظهر علامات الكبر (بطر الحق وغمط الناس)، فلا ينتفع مفتون ببيان ولا موعظة مهما كان مصدرها، وتكثر التهم وتوجه بلا حساب، لا يستثنى منها أحد. ويقع طالبو الإصلاح في حيرة لا يدرون كيف يعالجون المشكلة وبأي حجة يقتنع صاحبها! فكل من لا يقف في صفه فهو متحيز ضده. وليس لديه من كبير يطاع ولو كان طرفاً ثالثاً أو هو رئيس المؤسسة. ولا من قاعدة يحتكم إليها. وينصحه الرئيس: إن لك علينا حق الشورى، فإذا اختلفنا أنا وأنت رأيين وليس من مرجح فمن يطيع من؟ أليس الواجب في هذه الحال أن تسلِّم وتطيع؟ فيتهمه هنا بالاستبداد بالرأي لأنه لم يأخذ برأيه في مسألة غايتها أن تكون ظنية، ولا يتهم نفسه بذلك – وهو أولى – مع أنه لم يأخذ برأي رئيسه. ويشرح له الأمر أكثر: إذا كان رئيسك في نظرك مستبداً إن لم يأخذ برأيك مع أنه ليس لك عليه حق الطاعة، فما عسى أن يكون حكمك في نفسك إن لم تأخذ برأيه مع أن له عليك حق الطاعة؟ لكنه يتظاهر بالصمم. ويتهمه هنا بأنه السبب الكامن وراء المشكلة، وأنه لم يعدل بينهم. كما قال إبليس متهماً البارئ سبحانه: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر:39)!

إن هذه الحالة الإبليسية التي تبدأ بالحسد والكبر وتنتهي بالسعي في التخريب والإفساد ظاهرة عامة متكررة عانينا منها الكثير، وتبرز أمام وجوهنا في كل مرحلة وعند كل محطة.

العلاج

إن هذا يرشدنا إلى أمرين جوهريين في وصفة العلاج الفردي والمؤسسي:

  1. المبادرة إلى علاج مرض الحسد والكبر والعجب، قبل أن نصل إلى مرحلة نكون فيها وجهاً لوجه أمام التحدي فتظهر آثارها من الجدال بالباطل، وتبرئة الذات وإلقاء المسؤولية على الغير، والسعي في أذى الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى تميزهم وتفوقهم. ولم أجد مثل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) دواء ناجعاً لهذه الأمراض الثلاثة! كيف يحسد من كان يعلم أن المعبود هو المنعم لا هو! وكيف يتكبر عابد على عبد مثله! وكيف يعجب بعمله من كان يعلم أنه لولا إعانة الله له وتوفيقه ما عمل شيئاً ولا كان منه من شيء!
  2. المبادرة – بعد إقامة الحجة وتبين المحجة – إلى طرد هذه الأصناف من المؤسسة قبل أن يمر زمن يتمكنون فيه من تخريبها والإيقاع بأفرادها.

لقد طلب إبليس الإمهال؛ لا للتوبة ومراجعة الذات، وإنما إمعاناً في الفساد والانتقام من آدم وذريته: (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف:14-17). فحذار من التماهل في قرار الطرد؛ فإن هذا يمكنهم منها أكثر، ويمنحهم فرصة أخرى للخداع والإفساد وإزلال مزيد من الأتباع. وحالة الإمهال جربناها فما أجدت، بل أضرت. وورثة إبليس لا يستحقون مصيراً خيراً من مصيره: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأعراف:18).

وفي قصة قابيل وريث إبليس الأول عبرة؛ فقد أعاد سيده معه الكرة بعد أن انكشف أمره لأبيه فلم يجد فيه مجالاً لمزيد من الانخداع والإيقاع. وأثار فيه مكامن سلاحه الذي لا يخيب: الحسد، فنفس على أخيه هابيل زوجته المرتقبة بعد أن زينها إبليس في نظره. ثم تكبر على نصيحة أبيه آدم الذي أمره وأخاه أن يقدم كل منهما قرباناً لبيان المحق المقبول عند الله من سواه. فلما تقبل الله من هابيل ولم يتقبل منه واجهه بكل صلافة قائلاً: (لأقتلنك) فأي تكبر! وأي عتو! كما أخبر عنه سبحانه بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27).

والحسد والكبر مع العجب هي أدواء اليهود التي منعتهم من قبول الحق. وقد جاءت قصتهم في سورة (البقرة) بعد قصة إبليس مع آدم مباشرة بلا فصل. والأدواء نفسها تتبدى في المنافقين، وتتكرر في البشرية أبد الآبدين. فمقل ومكثر. والسعيد من شفاه الله ووفقه لهداه.

_________________________________________________________________________________

  1. – رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
  2. – متفق عليه.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: