مقالات

الأخطار التي تهدد الخلافة والمؤسسات المشابهة شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (3)

د. طه حامد الدليمي

إعداد الخليفة

لكي يكون المرء قادراً على القيام بأعباء عمارة الأرض فإنه في حاجة إلى أمرين أفصحت عنهما قصة آدم u:

  1. تجربة تهيئه لذلك وتجنبه مزالق الطريق
  2. ومحفز دائم – وهو العدو – يوقظ عقله ويشحذ طاقته ويستثير مكامن قوته ويجعله متحفزاً على الدوام

فكانت تجربة آدم u مع إبليس اللعين بمثابة (ورشة) تدريب وإعداد لتحقيق هذه المقاصد. حتى إذا نزل إلى ميدان العمل وهو الأرض نزل مزوداً بتجربة قاسية، ومعه عدوه الذي رأى عداوته بعينه ولمسها بيده، وها هو يتجرع عواقبها وآثار الانخداع بصاحبها عندما لم يستفد – أول مرة – من تحذير العليم الخبير منه.

وجود العدو إذن ضرورة، وفي خلقه حكمة، فليكن مع آدم وذريته ما داموا على الأرض: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة:36).

 

الأخطار التي تهدد الخلافة

من خلال استعراض آيات القرآن الكريم تبرز لنا ست خصال اتصف بها إبليس: ثلاث منها أصلية، وثلاث مشتقة منها. كانت تلك الخصال وراء عداوة إبليس لآدم وبلوغ آثارها غاياتِها فيه، فحرمته العيش والبقاء في الجنة، وأخرجته منها بعد أن كان هو وزوجه يأكلان منها رغداً حيث شاءا ساكنَـين آمنين مطمئنين!

فما تلك الخصال التي شكلت شخصية إبليس، ويمكن أن تتشكل في شخصية أتباعه وورثته؟ وما صفاتهم التي تظهر آثارها عليهم؟ كي نحذرها فلا نتصف بها، ونعالجها إن كانت فينا، هذا أولاً. ثم نحذر المصابين بها المصرين عليها وعلى العمل بمقتضاها ثانياً؛ فإن هؤلاء هم سَوَس كل جماعة عاملة ومؤسسة قائمة، الذي لا صلاح لها إلا بمعالجته وإبعاده عن كيانها. هذه الخصال الست هي:

  1. الحسد
  2. الكبر عن سماع الحق والانقياد له
  3. العجب بالنفس
  4. الجدل بالباطل
  5. تبرئة الذات من التقصير وإلقاء التبعة على الغير
  6. ممارسة المكر والخداع للإيقاع بالمحسود

وفيما يلي بيان مختصر بذلك كما جاء في القرآن العظيم:

– رأى إبليس إكرام الله تعالى لآدم ورفع منزلته عليه، فتمنى زوال هذه الكرامة وتحولها إليه، وهذا هو الحسد. الذي ظهر أثره أول ما ظهر بالامتناع عن السجود له: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:34).

– وأبى طاعة الله بالسجود لآدم واستكبر على نفسه أن يفعله تجاه من يراه دونه منزلة. وهذا هو الكبر؛ يقول النبي e: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)([1]). وبطر الحق: رده ودفعه في وجه صاحبه. وغمط الناس: ازدراؤهم وبخسهم حقهم ومنزلتهم. “فالكبر نوعان: كبر على الحق، وكبر على الخلق”([2]). (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (الأعراف:13).

– وأعجب بنفسه نظراً إلى عنصر خلقه، وسابق علمه وطاعته: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (الأعراف:12).

– وجادل بالباطل ولو كان الذي يجادله ربه نفسه! كما في الآية السابقة، وكما أخبر تعالى عنه فقال: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (الحجر:33،32).

– وبرأ ذاته من أي قصور، وألقى بمسؤولية الذنب وتبعة العصيان على الله سبحانه فقال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر:39)!

– ومارس الكيد المكر والخداع سعياً للإيقاع بآدم u حسداً وحقداً لا لشيء سوى أن الله سبحانه فضله عليه لما منحه من مزايا استدعت هذا التفضيل: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) (البقرة:36). ولم يكتف بالانتقام من آدم بل تابعه في ذريته من بعده: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف:17،16).

 

سلوك الملئكة

يمثل سلوك الملئكة عليهم السلام تجاه خلق آدم وتفضيله عليهم معلماً جوهرياً من معالم السلوك الصائب إزاء الإشكالات الفكرية التي تعترض المرء وتكون صادرة من جهة موثوقة في إخلاصها وصدقها، وفي علمها وحكمتها.

الاستفهام والنقاش المؤدب هو الوسيلة المثلى في هذه الحالة. وهي حق لكل من حاك في صدره شيء، له أن يمارسه دون حرج. وقد مارس الملئكة هذا الحق ومع من؟ مع الله جل في علاه! فليس لأحد كائناً من كان أن يصادر هذا الحق من أي أحد كائناً من كان. فلما علموا سلّموا، ولما أُمروا أطاعوا. هذا مع تقدم خَلقهم وسمو عنصرهم وسابق عبادتهم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:30-34). وهذا التسليم والطاعة ناتج طبيعي وسمة راسخة لكل مؤسسة تمارس الشورى مع أفرادها فلا تتخذ قراراً بمعزل عنهم؛ وهذا يؤدي إلى شعورهم بالاحترام ويدفعهم ذاتياً للالتزام وتحمل المسؤولية من داخل أنفسهم.

لقد كان في وسع إبليس أن يصنع كما صنعت الملئكة، فيحسم الأمر بالاستفهام ثم التسليم لعلم الحكيم، وتنفيذ أمره بطاعته فيه، لو كان خالص النية سليم الصدر.

إن ظاهرة الملئكة وإبليس تجاه مواطن الإشكال تتكرر في كل مؤسسة وجيل. روى الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب t قال: قسم رسول الله e قَسْماً. فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم. قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخّلوني. فلست بباخل).

هذا فعل من تخلق بأخلاق الملئكة. فماذا صنع من تخلق بخلق إبليس؟ روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري t قال: بينما نحن عند رسول الله e وهو يَقْسِم قَسْماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل). وفي رواية: قال: فنزلت فيه: (ومنهم من يلمزك في الصدقات).

وقد واجهنا من هذين الصنفين: الملئكي والإبليسي الكثير.

 

سلوك آدم

تعلمنا قصة أدم u جملة أمور:

  1. إن الموقف الصحيح من الذنب هو الاعتراف بالمسؤولية الذاتية والندم والاستغفار: (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف:23،22).
  2. إمكانية انخداع المؤمن بمن يزين له سبيل المعصية واردة، لا سيما إذا لبس له لبوس الناصح، ووثّق ذلك بالقسم وغيره من أنواع التوثيق: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (الأعراف:21،20).
  3. توبة الرب قد تصحبها العقوبة في الدنيا: (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه:121-123). وقد يكون ذلك بسبب التحذير المسبق من الانخداع بعدو ثبتت عداوته: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (طه:117،116).

ذنب واستغفار أو خطيئة وإصرار. الأول سلوك آدم وأبنائه الصالحين، والثاني سلوك إبليس وورثته المفسدين. هذه هي قصة الخليقة باختصار. ولو خرجنا بهذه الخلاصة من قصة آدم وإبليس لكفت، فكيف وهي ملأى بالفوائد والأسرار؟!

________________________________________________________________________________

[1] – رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود t.

[2] – قاله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في (شرح رياض الصالحين).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: