مقالات

مؤتمر عمان

د. طه حامد الدليمي

دلالات ومآلات

10499

يوم الأربعاء الماضي 18 رمضان 1435/16 تموز 2014 انعقد في العاصمة الأردنية عمّان مؤتمر لسنة العراق، استغرق يوماً واحداً صدر في نهايته بيان ختامي لم يحمل اسم السنة، بل كتب بصورة ما زال كاتبوها يعيشون في عالم ما قبل 2003 وكأن أحداث (11) سنة لم تمر عليهم ولم يمروا بها. شيزوفرينيا واضحة لا تحتاج إلى فحص ولا تحاليل.

لا أريد التوقف عند لغة البيان صياغة ومضموناً، وكيف كتب بلغة إنشائية فضفاضة وبسيطة، بعيداً عن لغة السياسة والقانون، وفي عزلة عن الواقع البئيس. ولا عند الجهة المجهولة التي خاطبها البيان: هل هي العراقيون؟ فمن منهم؟ أم العالم العربي والإسلامي؟ فهل هناك حقاً عالم عربي وإسلامي يمكن أن يوجه إليه خطاب منتج؟ أم العالم الخارجي؟ ومن هو العدو الذي ينبغي أن يقف المؤتمرون ضده ويقفونه عند حده؟ ولا عن الوجوه التي احتشدت حول قارئ البيان الختامي: من هؤلاء؟ وماذا يمثلون؟ أين الوجوه المعروفة؟ أين قادة المقاومة؟ إلى متى يتكلمون من وراء حجاب؟ وأين قادة الحراك؟ لم نر منهم أحداً!

أمور كثيرة في حاجة للبحث والحديث لكنني سأتوقف عند أربعة منها فقط.. وهي:

المخذول لا يستحق شرف الهوية السنية

كنا نتوقع – بعد كل سياط القدر التي صبت علينا صباً – أن يكون اسم (السنة) في غرة عنوان المؤتمر، فيكون بداية رفع الغضب الإلهي عن السنة؛ فلا أرى شيئاً استدعى هذا الغضب وهذا العذاب مثل خلط خبيث الشيعة بطيّب السنة ومن قِبـَل أكابر العمائم على منصات المنابر! أليس هذا مخالفاً للإرادة الإلهية في قوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال:37)؟ لكن يبدو أن عمائم السنة – فضلاً عن بقية مجانين الوطنية – في حاجة إلى مزيد من السياط على رؤوسها الخاوية، مع احترامنا للقلة منهم.

قال لي أحدهم: شفت هيئة الضاري والبعث وآل السعدي هذا الثلاثي كيف استمات في سبيل أن لا يتضمن البيان الختامي رائحة لاسم (السنة): لا في العنوان ولا في المضمون؟! ابتسمت وقلت: هذا أفضل؛ لقد سقط هؤلاء إلى الأبد. أما في الأرض فقد نبذهم جمهور السنة بعد أن ظهروا على حقيقتهم بكامل عريها. وأما في السماء فلا أرى هذا إلا عقوبة لهم؛ فالسنة شرف لا يتوج به من لا يستحقه، فكيف بمن يستنكف منه! وقال آخر: لا بد أن تنزل بهؤلاء عقوبة الله. وابتسمت أيضاً وقلت: اطمئن؛ هم في عين العقوبة! وهل هناك أشد عقوبة من أن يسلب الله منهم اسم (السنة)؟ وبيدهم هم لا غيرهم؟! لقد هدد عبد الحكيم السعدي قائلاً: إن ذكرتم اسم (السنة) في البيان فسأغادر المؤتمر فوراً! وصدق الله ففي هذا وأمثاله قال سبحانه: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:41). ولا أرى بغض عامة السنة لهؤلاء اليوم إلا علامة على بغض أهل السماء لهم؛ وإني لأستحضر هنا ما رواه الإمام مسلم عن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنه قال: (وإِنَّ اللَّه تعالى إِذا أَبْغَضَ عَبداً دَعا جِبْريلَ فَيَقولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلاناً فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْريلُ. ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللَّه يُبْغِضُ فُلاناً فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُهُ أَهْلُ السَّماءِ ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضَاءُ في الأَرْضِ).

ورأيت كثيراً من الأطراف التي كانت حريصة على اسم (السنة)، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة عنونة المؤتمر به فما أفلحت، فتنازلت إلى متنه فما قدرت. واستبشرت حين هاتفني صديق من داخل المؤتمر أن د. أحمد الدباش غادر القاعة محتجاً على عدم ذكر (السنة)، وقلت: موقف جيد. لكنني فوجئت به على التلفاز يقرأ البيان، وكنت أسمع وأعجب من خواء عنوانه وسماجة مضمونه، فكله وطنيات في وطنيات! ووجدت نفسي أتلو قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:73-75). هذا نبي هو خيرة الأنبياء عليهم السلام؛ فكيف بسواه: ماذا ستكون عقوبته وعقباه! وقلتها له اعتماداً على حسن خلقه عندما رأيته بعد أيام. لكن له مبرراته التي تقنعه.. ولا تقنعني.

وتبين أن كلمة (السنة) الوحيدة التي تلفظ بها عند تلاوة البيان إنما أقحمت إقحاماً فيه أضافها أحدهم بخط يده خفياً من الآخرين وأوصى قارئ البيان بأن يتلوها ففعل، فتعالى نكير الوطنيين هنا وهناك في أرجاء القاعة وكأنه كفر بالله وملئكته وكتبه ورسله!

فقدان المشروع المدني .. هنا العلة

لم أترك أحداً من الذين التقيتهم من المؤتمرين إلا وقلت لهم: الهيئة ظاهرة صوتية؛ اسحب منها قناة الرافدين ستجدها لا شيء، والبعث هيكل فارغ سوى أنه منظم، والسعدي ليس أكثر من عنوان. ومجموع الثلاثة في النهاية لا يساوي أكثر من صفر؛ لأنهم جميعاً بلا جمهور منظم. أليس الأمر كذلك؟ فيأتي الجواب بالإيجاب. فأقول: لكن هذا الصفر الثلاثي فرض رأيه عليكم فمحى اسم السنة والإقليم السني من المؤتمر، وعجزتم جميعاً عن أن تفرضوا العكس. أليس كذلك؟ فالذي يغلبه الصفر هل يساوي أكثر من صفر؟ فينظر بعضهم لبعض، ومنهم من يعترف صراحة بالحقيقة المرة. فأسألهم: هل فكر أحد منكم لماذا؟ وأتوجه إلى فصائل المقاومة: ألستم أنتم الذين انتصرتم على أقوى قوى الأرض؟ فكيف سلمتم الأرض للشيعة ولم تقدروا على الاحتفاظ بها؟ ولماذا أنتم اليوم أعجز من أن تفرضوا اسم السنة والإقليم على هؤلاء الأصفار؟ وأسمع عجباً من الأجوبة تدل على أن معظم القوم ما زالوا يفكرون بعقل سنة 2003، لم يتغير وإن تغير فلم يتطور. قوة البعث والهيئة وآل السعدي ليس في ذاتها إنما بضعفكم.. بعدم وجود جمهور لكم يحتضنكم. وهم وإن كانوا مثلكم بلا جمهور لكن يتفوق البعث عليكم بتنظيمه والهيئة بإعلامها والسعدي بعنوانه حتى وإن كان التنظيم والإعلام والعنوان مجرد هياكل فارغة.

الجميع عملوا بلا مشروع منتج. ومن عمل بمشروع فإما عسكري أو سياسي، وبصورة منفصلة. والعسكري لا يرى غير القوة حلاً، فيكون الطغيان. والسياسي مرشح للانزلاق فيكون الفساد. فنحن في دورة لا تنتهي حتى تبدأ. وغاب عن الجميع (اللبنة) الأساسية للتكوين الرصين وهي المشروع المدني الذي يعتمد على الحاضنة الجماهيرية المنظمة. لقد قاتلت المقاومة لكن من وراء لثام؛ فليس لديها من جمهور يعرفها فضلاً عن أن يلتف حولها. ولما جلا المحتل ادعى الجميع أنهم هم الذين أخرجوه واختلط الكاذب بالصادق فما عاد أحد يميز بينهما إلا القلة التي تعرف الحقيقة لأنها عاشتها أو شهدتها، لكنها لا تمثل في نسبتها شيئاً. ولو كان للمقاومة جهد مدني لقادت الجمهور اليوم ولتوارت الأصفار خلف الجدار. وهكذا قل في بقية العناوين.

ولكي نعرف قيمة الحاضنة المدنية في تحقيق الغلَب، انظر إلى إيران وتركيا وقارن بينهما: ما الذي جعل من إيران القوة الكبرى في المنطقة؟ وما الذي حصر تركيا في زاوية لا تخرج عنها؟ إيران تمتلك حاضنة جماهيرية شيعية هي يدها الضاربة في مشروعها، بينما تركيا لا تملك مثل هذه الحاضنة من جماهير السنة.

لقد أكد المؤتمر الحقيقة الغائبة التي تقول: إن القوة هي القوة المدنية قبل كل شيء، التي تكوّن جمهوراً منظماً مرتبطاً، تقوده منظومة عقول تفكر بهدوء بعيداً عن تشنجات العسكرية ومزالق السياسة. فتنتج الفكر، وتضع المناهج، وترسم الخطط، وتحدد الأهداف، وتصنع المجتمع المدني الذي يبني الحضارة، ويقدم النموذج الرباني الصالح للاقتداء.

ومع ذلك .. فالمؤتمر خطوة إلى الأمام بشرط …

ومع كل هذا فالمؤتمر يمثل سابقة ينبغي استثمارها. فبعد إحدى عشرة سنة ينتبه العرب أول مرة إلى ما يجري لسنة العراق! فما دلالة هذا بصرف النظر عن كل التفاصيل؟

إن هذا يعني أول ما يعني أن لهذا الحدث ما بعده!

  • لقد تغير العالم من حولنا، وهو دليل يضاف إلى الأدلة التي تشير إلى أن صفحة الشيعة قد طويت، وأن الرهان العالمي عليهم إلى اضمحلال، وأنهم مقبلون على ما يسوءهم، وأقل ما يسوء أن وراءهم ألف طالب بحقه وطالب، ويا ويلهم يوم يفلت زمام المنتقمين من يد المنصفين!
  • كما يعني أن الآخرين أدركوا – ولو متأخرين – أن سنة العراق هم طوق النجاة الذي لا طوق لهم سواه. لقد بدأ منسوب القوة السنية بالصعود وأصبح موضع تنافس بين الفرقاء؛ فعلى السنة استثمار هذا التحول بحكمة ودقة، وأن ينسلخوا من شعورهم المخيم بالضعف والقلة، ويتعاملوا مع الآخرين على أنهم رقم لا يمكن تجاهله في معادلة السياسة العالمية فضلاً عن المحلية، وأن مستقبل المنطقة وأمنها معقود بسنة العراق.
  • ليس هذا فحسب وإنما عليهم أن ينظروا إلى مشروعهم فيحرروه بحيث تحدد النقاط التي لا يمكن التنازل عنها من النقاط التي يمكن المساومة عليها، قبل النظر في مشاريع الآخرين، ثم بعد ذلك يتم التفاوض على أساس المصالح المشتركة ومراعاتها مثلاً بمثل.

احذروا التقاتل السني – السني ..!

ومن أهم الأمور التي على السنة أن يحذروها أشد ما يكون تضمن أي مشروع ينبثق عن المؤتمر فقرة أو جملة يمكن تؤدي إلى التقاتل الداخلي (السني – السني) إشارة أو عبارة، حالاً أو مآلاً؛ فإن هذا في الشرع حرام لا يفوقه في الحرمة غير الكفر. وفي السياسة حمق لا يدانيه حمق. إلا اضطراراً تستنفد أمامه كل الجهود والحلول والمحاولات. ولقد شبع العراقيون من الحروب والدماء حد التقيؤ؛ فمن كان من الآخرين مفتوح الشهية للحرب فليتقدم هو إلى الميدان. ويومها سنعطر له أجواءه بالهتاف، ونشنف آذانه بالتصفيق.

22/7/2014

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: