مقالات

ما جريمة السنة العرب حتى يعاقبوا هذه العقوبة ؟!

د. طه حامد الدليمي

واقع لا ينكر.. وسؤالان غائبان.

الشيعة ينعمون بالسلطة والمال، وهم أكثر من السنة شعوراً بالأمن والاستقرار. والكرد أكثر تنعماً بالمال والأمان، ولديهم من السلطة والقوة ما قد يفوقون به الشيعة. أما السنة فلا إطعام من جوع ولا أمن من خوف، ولا سلطة ولا اعتبار. سلط الله عليهم أراذل الناس يسومونهم سوء العذاب يذبّحون أبناءهم ويستحيون نسائهم، ويشردون بهم في الأرض، ويرجمونهم من فوقهم ومن تحتهم بالمتفجرات، ويهدمون بيوتهم على رؤوسهم. وها هي السنة الثانية عشرة تكاد تنتصف ولم يرفع عنهم سوط العذاب، بل يزداد أضعافاً. لم يرتكب السنة العرب من الفساد أكثر من الشيعة أو الكرد حتى يكون نصيبهم من العذاب أكثر.

هذا واقع لا ينكر. فهل سألوا أنفسهم: لماذا؟

لماذا يكون الأقل فساداً أكثر بلاءً؟ ما الذي جناه؟ ما الذنب الذي ارتكبه، والجريمة التي اجترحها دون الطرفين الآخرين؟ سؤال على كل سني ينبض عرق له بالإيمان أن يسأله، وأن يبحث له عن جواب.

يا أهل السنة! يقول تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء:16). وإن الذي يجري علينا لهو الهلاك عينه، وهو الدمار نفسه! فماذا جنينا؟

ويقول تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة:66). ونحن نأكل من فوقنا براميل متفجرات ومن تحتنا عبوات ناسفات!

ويقول: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112). ولقد كنا نعيش آمنين مطمئنين يأتينا رزقنا رغداً من كل مكان، فماذا صنعنا ليذيقنا الله لباس الجوع والخوف؟

والآيات في هذا كثيرة يصعب حصرها. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يهلك الناس أو يعذروا من أنفسهم) [قال ابن مفلح المقدسي (الأداب الشرعية ص172): إسناده جيد رواه أحمد وأبو داود]. ومعنى أو يعذروا: حتى يعذروا. قال ابن مفلح: “يقال أعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها. يعني أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبون العقوبة ويكون لمن يعذبهم عذراً”.

فهل وجّه السنة هذه الأسئلة إلى أنفسهم؟ لا بالمعنى الفردي، إنما بالمعنى الجمعي، أي يتداعون علناً وجمعاً للسؤال والإجابة؛ فالعقوبة عامة لا ترفع إلا بتوبة عامة.

لا يعني هذا أن الشيعة يعيشون آمنين مطمئنين دون عذاب وحساب. ولكن شتان شتان.

والسؤال الآخر: لقد قاتل السنة العرب المحتل وحدهم تسع سنين حتى أجلوه، فلماذا استطاعوا أن يجلوا أقوى عدو في العالم عن أرضهم لكنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بشبر من هذه الأرض؟ وسلموها رخاء سخاء للشيعة يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم!

هل سألت المقاومة نفسها هذا السؤال؟ هل بحثت في الأسباب حتى يعالجوها، وحتى لا يقعوا فيها مستقبلاً فالمعركة ما زالت في أولها، بل هذا أوانها، وكل ما خاضته من معارك قبلها لم تكن هي المعارك الأَولى بالتقديم؟ هل عقدت مؤتمراً لهذا الأمر الجلل؟

لماذا ؟

عندما تكلف أمة برسالة وتتخلى عنها تكون العقوبة الربانية أسرع إليهم من غيرها ممن لم يكلف أصلاً، أو لم يكن تكليفه بتلك الدرجة التي عليها تكليفها. والتكليف ذو شقين، ليس من السهل الفصل بينهما بخطوط حادة، أحدهما ديني بحت يتعلق بذات الله جل وعلا كالصلاة والصيام، والثاني دنيوي يتعلق بالخلق كإقامة العدل وإعداد العدة وأسباب القوة. وكلاهما في النهاية من الدين الذي أمر الله تعالى بإقامته. والتقصير في أي جانب يجلب العقوبة، وقد تكون تسليط الكفار على ديار المسلمين.

ومن التكليف الرسالي التمييز بين الخبيث والطيب، وأعظمهما الإيمان والكفر. ولا أخبث ولا أكفر من دين الشيعة: عقيدة وعبادة وسلوكاً. فدينهم أشد كفراً من دين قريش الذي قال الله فيه وفي حملته: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال:37،36).

السنة العرب، وعلى لسان مفتيهم ورؤساء هيئاتهم الدينية وجماعاتهم الإسلامية جميعاً، يقولون: الشيعة إخواننا: دينهم ديننا ولا فرق بينهم وبيننا. وأولهم الشيخ عبد الملك السعدي، والشيخ رافع الرفاعي والشيخ حارث الضاري وجماعة الإخوان المسلمون وجناحها السياسي الحزب الإسلامي. وقد شهد الجميع الشيخ عبد الملك يقف على منصة الحراك في الرمادي ويقول: “السنة شيعة والشيعة سنة”، فلم يردها أحد عليه! وتبعه عامة شيوخ الدين الذين تقدموا منصات الحراك في المحافظات السنية طوال سنة كاملة ونيف. نعم تكلم بعضهم بأخرة فتلفظ بالسنة، ولكن لم يرتق خطابه إلى مستوى (ليميز الله الخبيث من الطيب). وسألناهم مرات من شاشة قناة (وصال) و(موقع القادسية) وغيرها من المنابر الإعلامية: هل الشيعة مسلمون؟ فلم يجب منهم أحد. وسألناهم: هل يجوز للسنة أن يحكمهم شيعي؟ ولو بقوا ساكتين لكان أهون، ولكنهم قالوا صراحة أو ضمناً بجواز تولي حكمهم من قبل شيعي عادل، إضافة إلى مطالبتهم بذلك. فجمعوا بين السيئتين: الإفتاء بالباطل والمطالبة به. ولو اقتصروا على المطالبة لقلنا: هذا من باب تحمل أدنى الضررين. وانتهى الحراك فلم يتجرأوا على تسميته بـ(الحراك السني)، وبقي اسمه (الحراك الشعبي)، والمحافظات السنية لم يسموها سنية وإنما (المحافظات الست المنتفضة).

فأين تمييز خبيث دين الباطل من طيب دين الحق؟ وكيف يستبين سبيل المجرمين الوارد أمره بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55)؟ وهل هناك أكثر إجراماً من الشيعة؟ فهل بيّن علماء السنة لجمهورهم الفرق بين سبيل المؤمنين السنة وسبيل المجرمين الشيعة؟ وهل هذا التكليف أمر هين لا يحاسبهم الله عليه؟ وهل إذا ضل هؤلاء العلماء حتى قال أحدهم وهو الشيخ أحمد الكبيسي: إن أهل الأنبار جميعهم نواصب؛ فحلل للشيعة قتلهم، وسكت الجمهور فلم يرده لا يحاسبهم الله فلا يعاقبهم؟ ولقد قال جل جلاله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال:25). وعن أبي بكر الصديق قال: يا أيها الناس تقرءون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله تعالى بعذاب منه) إسناد صحيح رواه جماعة منهم أبو داود والترمذي والنسائي، قاله ابن مفلح/المصدر السابق/172.

أوَ أنزل الله سبحانه أوامره لتعطل، وكلماته لتبدل؟ لو كان ذلك كذلك لكان ما أنزل لعباً وهزلاً، وحاشى لله! (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) (الطارق:11-14).

قد يقول قائل: وهذا ما عليه السنة الكرد فلماذا لم يُعاقبوا كعقوبة السنة العرب؟ والجواب: لأن تكليف العربي بالرسالة أشد من تكليف غيره، فتضعف عليه العقوبة. هذا من ناحية الدين. وأما من ناحية الدنيا فقد عملوا بجد وذكاء لبناء كيانهم، ولم يسمحوا للشيعة أن يحكموهم كما فعل العرب.

ما العمل ؟

على السنة العرب أن يتوبوا إلى الله من هذا الذنب العظيم.. عدم التفريق بين دين السنة ودين الشيعة. وعدم تبيين سبيل المجرمين. وأن يتبرأوا جميعاً وعلناً من أي عالم أو جهة دينية أو سياسية أو ثقافية مقيمة على ضلالها القديم. ثم يرفعوا شعار الهوية السنية مشفوعاً بالبراءة من الشيعة والإشارة إليهم بالتهمة الشنيعة، وينحازوا إلى إقليم يحفظ دينهم ومصالحهم. ولا يخافن الوطني ولا الإسلامي فالإقليم تنظيم لا تقسيم.

ونصيحتي أيضاً للسني الكردي أن لا يتوهمن أنه بمنأى عن غضب الله. وكذلك العرب الذين من غير العراقيين. وإن كنا لا نتمنى لهم ذلك، ونحذرهم من أن يحملهم ما هم فيه من نعمة الأمن والرزق على التمادي، فيعتقدوا أنهم لم يرتكبوا ما يستدعي العقوبة، بل هم بفضل الله ينعمون. وقد لا تطول النعمة. فيحل بهم ما حل في سوريا ولبنان، وما أمر اليمن منهم ببعيد.

2/9/2014

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى