مقالات

أمام شاشة التلفاز

د. طه حامد الدليمي

تنازعتني أفكار شتى وأنا أخط هذه السطور في موضوع خاص بعنوان (الطابور التاسع) أمام شاشة التلفاز أستمع إلى نشرة الأخبار.

امتلأ الصدر بالأسى فما عاد يستقبل المزيد. وسرح الخيال إلى بداية التسعينيات من قرن مضى.

ربع قرن من التحذير وأصوات النذير وكأنها صرخات في جوف جب بعيد المنتأى.

أمة نائمة عن أخطر عدو.. عدو يريد محوها – إن استطاع – من الوجود. لا تسمع ولا تريد أن تسمع من يحذرها وينذرها.. أو تضحك منه وتهزأ، أو تشي به إلى (من يهمه الأمر).

كم يبذل العامل في سبيل إنقاذ سفينة تتدهور إلى الهاوية، ركابها بين نائم لا يريد الاستيقاظ، وساهر يرقص على عزف الطبول؟ وبين هذا وهذا أشخاص ومجاميع، طوابير تعددت أشكالها وتلونت غاياتها تترصدك لتعرقل عملك أو تأتمر بك لتجتثك: سراً وعلانية.

هل تعرف الأجيال القادمة ماذا عانى العاملون في هذا المحيط كي يشقوا طريق الخلاص فضلاً عن إقناع الآخرين بالسير فيه؟

هل يدرك أهل السنة حجم الكيد المدبر، وعِظَم المؤامرة التي تحاك لهم؟!

حشرجات استغاثة وأصوات تحذير تنطلق من هنا وهناك أشبه بفحيح النائم تتلاشى في أمواج من الصخب والهدير.

وتمر السنين عجلى فإذا الرحى تدور برؤوس السنة في العراق. ثم بعد ثماني سنين في سوريا. ومن قبل دارت قليلاً في لبنان. واليمن على الأبواب. وليست دول الخليج من الرحى ببعيد. وإن كان كثير من أهلها ما زالوا يغطون في نوم كنومنا (أيام زمان)، بل أشد؛ فالترف يلقي بظلاله فيزيد لذة النوم على ما هي عليه فتطيب أوقاته وتطول ساعاته. لكن مأساة سنة العراق لها لون خاص. إنها الأكثر نسياناً بين المآسي طراً، رغم أنها الأقسى من بينها ألماً والأشد دماراً والأكثر خراباً!

بشرية فاقدة لمعنى الإنسانية

يوم أمس عند الظهر كنت أستمع إلى نشرة الأخبار من إحدى شاشات الفضاء العراقية. لم أتحمل المسموع ولا المنظور، أطفأت التلفاز وغرقت في بحر من الحزن والأسى. واختنقت الأنفاس ودار الرأس بكل فكرة كأنها كابوس. وقاومت عيوني كثيراً؛ فالمكان محضور. والله يعلم لمن كانت الغلبة أخيراً.

يا الله! ليس لها من دونك كاشفة.

أحسست أن المأساة تضحك من حروفي. وحاجة شديدة للتوقف عن الكتابة.

اشتهيت الصمت والانكفاء على الذات؛ فالمشهد أكبر من الكلام. وفي لحظات سهو راودتني فكرة الإضراب الشامل عن الكتابة. وقلت: سأهجر إلى الأبد الظهور من أي نافذة إعلامية في هذا العالم الكنود الجحود احتجاجاً على البشرية التي فقدت معنى الإنسانية.

مجزرة في (الحويجة) بقنابل تلقيها طائرة على مستشفى يذهب ضحيتها مجموعة من الأطفال الخدّج، آه لو رأيت منظرهم! ودعك مما ترى من آثار الدمار وبقية الضحايا.

مجزرة في (جرف الصخر) والناس تنوح “أين نذهب؟ ماذا نفعل؟”.. أسئلة يائسة تنطلق من خلال حشرجات حناجر شققها الصياح والنواح، ولا من مغيث!

… … …

لا تظنوها مجزرة أو مجزرتين أو ثلاثاً أو عشراً أو مئة أو مئتين. لقد أمست حياة أهل السنة، ليس في العراق وحده، سلسلة من المجازر! فسوريا تحولت إلى (معرض دولي) للمجازر تعرض صورها على شاشات الفضاء! وتصل آهات من لبنان، ومثلها من الأحواز وبلوشستان. ويمتد شريان الألم ويتطاير شرار النار إلى إفريقيا الوسطى وميانمار.

وتعجب من حروفي مأساة أهلي سنة العراق تقول: وهل أبقت مأساة أهلك في قلبك من مساحة لمأساة الآخرين؟

وهل رأيتم خيام المهجرين على أطراف (كبيسة) غربي الأنبار؟ خيام صغيرة لا تتسع الواحدة منها لأكثر من بضعة أنفار! حين تنقسم عدد الخيام على عدد ساكنيها تكون حصة كل خيمة (21) واحداً وعشرين. ولا ماء ولا كهرباء ولا مرتفق في بحيرة من الرمال، ولا معيل لهم سوى ما يجود به الناس في تلك المدينة المنقطعة وسط الصحراء. وترى المشاهد وتسمع الكلام فيخرق الألم آخر ذرة في كيانك فتذوب، ويصفع نبض القلب فيضطرب، وتغزو أشواكه اللسان فتعقله عن الكلام. وأهم أن أقول فتأبى كرامتي أن أقول: أين علماء الأمة من هذه المأساة؟ أين منظمات الإغاثة؟ أين الأغنياء والأثرياء؟ أين من يحس فتثور غيرته وتتحرك نخوته؟ أين من ينادي: يا قوم! استيقظوا قبل أن توقظكم الدريلات وبراميل المتفجرات وزعيق الطائرات!

وتكثر مناظر الدماء والأشلاء.. وأقفل التلفاز!

ويسرح الفكر عبر المجازر والخرائب والحرائق إلى مستشفى الفلوجة؛ لو كانت مرة واحدة لقلت: خطأ غير مقصود. ولو مرتين لبحثت عن زاوية للغباء أختبئ فيها وأكرر تلك العبارة على استحياء. لكنها المرة السادسة والعشرون التي يقصف فيها المستشفى حتى الآن!

أيها العالم المتمدن! هذه حرب إبادة جماعية مقصودة مع سبق الإصرار. وما زلت تبحث عن (الإرهاب والإرهابيين)؟ ماذا تسمي هذا إذن؟!

وتأتي الجريح، الذي تنز جروحه من كل مكان، ويستجدي الهواء ولو من بين أجساد الموتى، ركلة على حلقومه فيزداد نفسه اختناقاً، ولكنها هذه المرة من (الأمم المتحدة) قبل أربعة أيام.. قررت (تشكيل لجنة لتقصي الجرائم التي ترتكبها داعش في العراق)! طيب.. وهذه الأعمال الوحشية التي ترتكبها الحكومة علناً وعمداً بحق المدنيين الأبرياء.. أليست جرائم تستحق تشكيل لجان؟ هل البراميل المتفجرة التي تلقيها على المنازل والمدارس والمستفيات تتفجر عليها وروداً وعطوراً؟ أم إنكم كما قال ربنا جل في علاه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179)؟ لا أقول هذا استجداء لعطف أو طلباً لمعونة، ولكن بياناً لحق مغيب وتنديداً بباطل مستهتر حد المجون. وأما تلك (الجامعة العربية) فلا أقول فيها إلا كلمة واحدة: “إما أننا لسنا عرباً أو أن الجامعة العربية ليست عربية”! وحتى هذه الكلمة أقولها وهاجس من داخلي يقول: لا لا؛ هي أهون من أن يقال فيها شيء!

من قال : ” أنا لها ” نالها

هذه تهويمة قلم مثقل بالألم لم تكن في باله عندما افتتح مضمار الكتابة في ذلك الموضوع الخاص (الطابور التاسع). لكنها الأحداث الكارثية تأبى إلا أن تعبّر عن نفسها ولو ببعض نبضات من حروف. ونفسي من بين الحرائق تقول: هل تعلم الأجيال القادمة أي مصاب أصابنا؟ وأي جو نرسل من دخانه رسائلنا إليهم؟

وانتبهت لنفسي، لأتذكر قصة سيدنا (ذا النون) فخشيت إن هربت أو قنطت أن يتلقفني الحوت فألبث في بطنه إلى يوم يبعثون.

وقلت في هذا الجو الضاغط المكهرب: لا بد من مواصلة المسير تحت راية القضية حتى النهاية! وشعارنا الواثق الجميل يرفرف معها “من قال: أنا لها نالها”.

الإثنين

8/9/2014

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: