التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

من يصنع الإرهاب ؟ (1)

د. طه حامد الدليمي

وصل وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية جون كيري إلى جدة ظهر أمس سعياً لحشد الدعم العربي والتركي لإنشاء تحالف دولي ضد تنظيم “داعش”. هكذا تناقلت الخبر وكالات الأنباء. ولتاريخ الزيارة (11 سبتمبر) إيحاؤه الذي لا يخفى.

للمشهد زوايا نظر كثيرة أتركها جميعاً وأعرض لاثنتين منهما فقط:

  1. السنية شرط ( الإرهاب ) عند العالم

بقطع النظر عن تعريف (الإرهاب) الذي ترك سائباً حتى يفسره الأقوياء كما يشاءون، أرى العالم – كالمسيح الدجال – أعور العين؛ فالإرهاب عنده هو ما يصدر عن السنة فقط. كما أن كل ما يصدر بحق السنة من جرائم وإبادات ليس (إرهاباً). فالجريمة في عرف العالم وقوانينه الدولية غير المكتوبة، لا تكتسب صفة (الإرهاب) مهما بلغت من البشاعة ما دامت ترتكب بحق السنة! وقد أباح هذا العالم لنفسه على تعدد قومياته وأديانه أن يعمل كل أنواع الجرائم ضد أهل السنة وهو آمن من أن يدان، أو تصدر بحقه تهمة (الإرهاب).

فإبادة المسلمين الروهنج وحرقهم جماعياً بالنار، وكذلك المسلمين في إفريقيا الوسطى لا يسمى (إرهاباً). وإبادة ما لا يقل عن مليون سني عربي في العراق وخمس هذا العدد من سنة سوريا بشتى الطرق ليس (إرهاباً). والمليشيات تملأ الشوارع وتغير على البيوت تخطف وتقتل بالجملة لا يسمى فعلها (إرهاباً)، ولا الحكومة التي تدعمها علانية بالقرار السياسي، ولا المرجعية الدينية التي تفتي وتشرعن لها القتل.. كلتاهما ليستا إرهابيتين. وحصد أرواح ألفَي طفل ورجل وامرأة بالمبيد الكيمياوي في غوطة دمشق ليس (إرهاباً). والبراميل المتفجرة تلقى على البيوت والمدارس والمستشفيات عدا المجازر التي ترتكب بوتيرة شبه يومية. وغزو أمريكا العراق بكذبة اسمها (أسلحة الدمار الشامل) وتداعياته الملحمية.. هذا كله في عرف العالم وقوانينه غير المكتوبة ليس (إرهاباً)؛ لسبب واحد هو أنه ضد السنة. وإذا وجد أحد من بني آدم صفة مؤثرة غير (السنية) تجعل العالم يصم أذنيه عن هذا الإجرام فلا يسميه (إرهاباً) فليخبرني.

لكن اعتقال عدة أشخاص في البحرين، وآخر يُقتل في مظاهرة تتجاوز كل الممنوعات، وثالث يَقتل شرطياً بطريقة بشعة مصورة ومنشورة فيحاكم ويصدر في حقه حكم بالإعدام.. تُستنفَر له كل قوى هذا العالم ومنظماته؛ وأفتش فلا أجد من سبب سوى أنهم شيعة والمتهم جهة سنية. وكذلك الأمر مع اليزيدية والنصارى؛ لأنهم ليسوا بسنة.

إذن أنا سني فعليّ أن أخير بين ثلاث لا يمكن تحمل واحدة منها: الإبادة، أو تهمة (الإرهاب)، أو التسليم فأقتل على الهوية؟ سوى منفذ واحد هو أن أكون خائناً عميلاً: أوالي عدوي وأعادي أهلي على لعاعة من الدنيا، وأنفاس أتجرعها من بين الجثث والدماء وأنين الضحايا وصرخات الثكالى؛ فأخسر ديني وشرفي أبد الآبدين!

فما الحل وما المخرج الحر الكريم الذي تركه العالم أمام السني الضائع المشرد؟

من يصنع الإرهاب إذن؟

علاج الأزمة بعلاج أسبابها

يقولون: “داعش” إرهابية. طيب.. فأجيبوا الجمهور السني عن أمرين، وأنا لإخواني من العرب والمسلمين والمسالمين ناصح، وعلى أهلي وأبناء جلدتي مشفق. ولا تُصموا أسماعكم وتغمضوا أبصاركم؛ فالجمهور ليس بأصم ولا أكمه ولا أبكم. ولا هو حفنة من المنبوذين في زاوية من العالم منسية يمكن رشها بـ(طارد الحشرات) للقضاء عليها. إنه ملايين وملايين، وقد جربتموه قبل عشر سنين في العراق فأثبت لكم ما أثبت:

الأمر الأول: أثبتوا لهذا الجمهور الملاييني العريض حسن نيتكم وبراءة قصدكم، وأنكم لا تبيتون له شيئاً سوى أنكم تريدون دفع الخطر عن أنفسكم. وهذا لا يثبت ما لم تكونوا حياديين بأن توجهوا بنادقكم ضد مليشيات الشيعة وقوى الأمن الحكومية ومن يقودها ويشجعها من السياسيين وشيوخ الدين؛ فليس هناك (إرهاب) فوق إرهابها.

أزيحوا هذه الأنظمة الشيعية الطائفية (الإرهابية) عن العراق وسوريا، وقدموا قادتها للمحاكم الدولية كي يلقَوا جزاءهم. ولن يكون حل لهذه الأزمة الكارثية دون ذلك؛ فهذا أول خطواته. احترموا السنة واتركوا مهزلة تبديل الوجوه بالوجوه نفسها مع تغيير العناوين، والمجيء ببعض المعوقين ممن لا يملكون لأنفسهم شيئاً كممثلين للسنة؛ فليس السنة مجموعة أطفال، ولا قطيع مهابيل. واعلموا أنه لن يستقر الوضع في العراق أو سوريا – ولا العالم – ما دام أنكم تصرون على توفير التربة الخصبة لـ(الإرهاب).

الأمر الثاني: منذ إحدى عشرة سنة والأيام لا تزيد (الإرهاب) الشيعي إلا ضراوة. وهو يتعمق ويتمدد كلما طال به الزمن. ولم يجد الجمهور السني العريض جهة تمكنت من دفعه وتطهير دياره منه غير (الدولة الإسلامية). فمن يحمي السنة من الشيعة إذا أزحتم هذه (الدولة)؟ فإنكم ما لم تعالجوا المشكلة من جذورها فلا تطمعوا أن تعيشوا بسلام.

فمن يصنع (الإرهاب) إذن؟

ألم تروا كيف أزحتم القاعدة قبل سنوات فإذا هي تتحول إلى دولة، بل دولة خلافة تنجذب نحوها القلوب وتهوي إليها الأفئدة؟ أفي كل موطن لا تعقلون؟ وصدق الله تعالى إذ يقول: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) (التوبة:126). وسوف ترون – إن أزحتم (داعش) – كيف تُخرج لكم الأيام ألف داعش وداعش. والأيام بيننا؛ فلا تكونوا ممن لا يتعلم بالأسباب فيؤدبه (الإرهاب).

الجمعة

12/9/2014

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: