مقالات

الخلافة أم الحاكمية ؟

د. طه حامد الدليمي

قد يبدو العنوان مشكلاً بعض الشيء؛ فأوضح المقصود به قبل الدخول في الموضوع. وهو: هل أوجب الله تعالى إطلاق اسم (الخلافة) على الدولة المسلمة؟ واسم (الخليفة) على حاكم دولة الإسلام؟ أم إن الواجب هو إقامة الحكم بالشريعة في الدولة المنشودة بقطع النظر عن الاسم الذي تسمى به؟ وهنا يكون هذا الاسم (الخلافة والخليفة) مشروعاً لا على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الإباحة حاله حال أسماء أُخرى تطلق على النظام الذي يحكم بشرع الله: سلطنة، مملكة، إمارة، رئاسة.. وهكذا.

وقد تناولت هذا الموضوع في أحاديثي قبل سنين، وبسبب الفهوم المتباينة ولخطورة الموضوع وجدته يستحق مؤلَّــفاً خاصاً؛ ولذلك أسبابه الموضوعية المهمة جداً؛ فباشرت بكتابة هذا المؤلف تحت عنوان (الملك الراشد خلافة على منهاج النبوة) قبل ما يقرب من سنتين، وكتبت في أوله: “ألفت هذا الكتاب لأسباب واقعية لا بد من الاستجابة لها، والإجابة على ما تطرحه من تساؤلات بدلاً من عبورها، يأتي على رأسها أمران…”.

وكان الأمر الثاني: “وضع أسس فكرية وقائية بين يدي التحولات القائمة والقادمة الممهدة لعودة الإسلام إلى قيادة الحياة، التي بدأت إرهاصاتها بالظهور. فإن أول ما يمكن أن يعترض بناء الدولة الموعودة هو السؤال عن شكل نظام الحكم المطلوب: خلافة أم ملك أم إمارة أم رئاسة أم شيء آخر؟ وهذا الكتاب يجيب بصورة علمية تأصيلية، شرعية وعقلية عن هذا السؤال، الذي أرى أنه لو ترك دون جواب فإنه سيقود إلى خلافات ومنازعات لا أستبعد أن تؤدي إلى صراعات مسلحة، نتيجتها التجزؤ والتشرذم والانكفاء قبل الوصول إلى الهدف. وإذا كان الحكماء قد قالوا قُدماً: “درهم وقاية خير من قنطار علاج” فالكتاب يجمع بين الوقاية والعلاج كليهما كل في موضعه وحالته التي تستدعيه”.

وقد أثبت البحث مسائل مهمة بعضها جديدة كل الجدة. ومن أهم ما ثبت لدي فيه أن الإسلام لا يهمه شكل الحكم ولا اسمه، إنما حقيقته ومضمونه، وهو الحكم بالتنزيل بما فيه ركناه العظيمان: العدل والشورى. ثم أطلقْ عليه – بعد ذلك – ما شئت من أسماء: خلافة، مُلك، رئاسة، إمارة. وليكن شكله وزارياً أو رئاسياً أو وسطاً بين هذا وذاك. كل هذه وغيرها تفاصيل وكَلها الله تعالى إلى البشر، وليس لأحد أن يجبر أحداً على اتباع اسم أو شكل باسم الشرع. والحكم من جنس السياسة، وهي من أبواب (العاديات) وليست (العقائد أو العبادات)؛ والأصل في (العاديات) الجواز ما لم يرد دليل بالمنع. وقد استمر الحكم الإسلامي قرابة ثلاثة عشر قرناً، وكان يسمى (خلافة) مع أن غالبه كان ملكاً، ويسمى ملوكه خلفاء.

 

الخلافة في القرآن والسنة

في الوقت الذي ورد لفظ (المُلك والمَلك) في القرآن الكريم (30) ثلاثين مرة – عدا ما تعلق من ذلك بجناب الله تعالى – لم يرد فيه منصب ديني سياسي باسم (الخلافة)، ولا حاكم شرعي باسم (الخليفة). فـ(الخلافة) لم تذكر في كتاب الله قط. و(الخليفة) ورد مرتين فقط: مرة بمعنى جنس الإنسان الذي يخلف بعضه بعضاً في عمارة الأرض في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة:30). وليس لهذا علاقة بالحكم والحاكم؛ فهو خارج نطاق بحثنا. ومرة عن نبي الله داود عليه السلام في قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (ص:26). وداود كان ملكاً، وسمي ملكاً، وورَّث المُلكَ ولدَه سليمان عليه السلام فكان خليفته من بعده كما قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) (النمل:16) قال ابن كثير: أي في الملك والنبوة.إ.هـ. وهذا يعني أن القرآن لا يأبه بالتفريق بين الملك والخليفة، إذ المهم فيه هو حقيقة الحكم لا اسمه أو شكله.

لهذا جاء  التأكيد على مضمون الحاكمية لا على شكل الحكم، كما في قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65). وجاء البيان فيه عن واجبات الحاكم وصفاته لا اسمه ولقبه، كما في قوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41). وهكذا خلا القرآن العظيم من ذكر (الخلافة): لفظاً ومعنى. وأما (الخليفة) فورد مرتين، ولكن بالمعنى الموضوعي اللغوي لا بالمعنى السياسي الاصطلاحي.

وعلى هذا يدور كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى:المجلد 35) ففي معرض كلامه عن آية آدم وآية داود عليهما السلام السابقتين يقول رحمه الله: وقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) يعم آدم وبنيـه… والخليفة هو من كان خلفًا عن غيره. فعيلة بمعني فاعلة. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)… والمراد بالخليفة: أنه خلف من كان قبله من الخلق. والخلف فيه مناسبة، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خلفه على أمته بعد موته.إ.هـ.

أما السنة فقد وردت فيه عدة أحاديث تضمنت لفظ (الخلافة والخليفة). لكن ليس فيها دليل على إيجاب إطلاق هذا الاسم على الحاكم المسلم. ومن فهم ذلك منها فليس معه أكثر من الظن. ويكفي في رده، بعد خلو القرآن من دليل عليه، بل الدليل في ضده فقد أثنى الله تعالى فيه على ملوك كطالوت وبلقيس، أن الصحابة الذين سمعوها – بغض النظر عما فيها من مقال – لم يفهموا منها أن حاكم المسلمين أو خليفتهم يجب أن يسمى أو يلقب بـ(الخليفة) مطلقاً أو (خليفة رسول الله) أو (خليفة المسلمين). وما أطلق من ذلك فإنما أطلق عفواً حسب ما اقتضته طبيعة الأمور، كما سمي أبو بكر الصديق رضي الله عنه (خليفة رسول الله). فلما استخلف الفاروق رضي الله عنه ناداه البعض بـ(يا خليفة خليفة رسول الله) فقال: هذا أمر يطول، وتلقب بـ(أمير المؤمنين). وهو لقب سياسي كان يمكن أن يختار غيره من الألقاب المناسبة، وليس ملزماً شرعاً. ولم ينه المنادي بأن قال: بل أنا (الخليفة) أو (خليفة المسلمين)، ونصص على وجوبه لقباً اصطلاحياً شرعياً. ولا بأس أن يطلق عليه لقب (الخليفة أو خليفة المسلمين) كلفظ لغوي مناسب للحال. وإنما كلامنا في إيجابه حصراً.

 

كيف تلقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بـ( أمير المؤمنين )

تتفق الروايات كلها على أنه لم يكن في بداية دولة الإسلام من لقب خاص لرئيس الدولة. فسواء سمي أميراً أو خليفة أو غيره فهذه أسماء اصطلح عليها بعد انقطاع الوحي؛ فهي ليست بلفظها ملزمة شرعاً. وإنما لك أن تسمي رئيس الدولة بأمير المؤمنين أو خليفة المسلمين، أو رئيس الدولة، أو غيرها. ولكن دون إلزام شرعي باسم أو مصطلح بعينه.

روى الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح عن الشفاء بنت عبد الله أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما المدينة فأتيا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا: يا ابن العاص استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال: أنتما والله أصبتما اسمه فهو الأمير ونحن المؤمنون. فدخل عمرو على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون. فجرى الكتاب من يومئذ.

وفي (السيرة الحلبية) لعلي بن برهان الدين الحلبي قال: جاء أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكتب أولاً: من خليفة أبي بكر. فاتفق أن عمر أرسل إلى عامل العراق أن يبعث إليه برجلين جلدين يسألهما عن أهل العراق. فبعث إليه بعبد بن ربيعة وعدي بن حاتم الطائي… [وساق القصة ثم قال] وحينئذ صار يكتب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين.

ونقل ابن كثير (البداية والنهاية/7:150) عن الطبري قال: عن أم عمرو بنت حسان عن أبيها قال: لما ولي أبو بكر قالوا: يا خليفة رسول الله. فلما ولي عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله، فقال عمر: هذا أمر يطول، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم. فسمي أمير االمؤمنين.

وذكر ابن شبة في (تاريخ المدينة/2:677) بسنده (حدثنا محمد بن يحيى عن عبدالعزيز بن عمران عن أبيه عن جده) قصة تحير عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتفكره في اللقب المناسب الذي ينبغي أن يطلق عليه، وأنه جلس يوماً فقال: والله ما ندري ما نقول؟ أبوبكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل من اسم؟ قالوا: الأمير. قال: كلهم أمير. فقال المغيرة بن شعبة: نحن المؤمنون وأنت أميرنا، فأنت أمير المؤمنين. قال: فأنا أمير المؤمنين.

والروايات في هذا كثيرة متضافرة. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم علّم الصحابة أن الحاكم الذي يخلفه يجب أن يسمى (خليفة)، أو فهموا عنه هذا الأمر، لما تحيروا في ذلك، ولما عدلوا عن هذا اللقب إلى سواه.

والله أعلم.

الأحد

28/9/2014

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: