مقالات

لماذا لم يقتل عليٌّ بن أبي طالب قاتل الزبير بن العوام

د. طه حامد الدليمي

يشكل التاريخ مصدراً رئيساً من مصادر ثقافة الشعوب.

ودور الثقافة معروف في توجيه الفكر، ثم اتخاذ الموقف وبنائه عليه.

والغريب أن تاريخنا كتب بيد سنية لكن برواية شيعية.

وهذا سبب أصيل من أسباب سوء نظرة الجمهور إلى الأمويين. كما أنه سبب أصيل من أسباب تشوه ثقافتنا، وكونها ثقافة تميل إلى التشيع، وتشكل تربة خصبة لإنباته، وليونة الموقف من الشيعة؛ ما سهل تغلغلهم بيننا وغزوهم لنا حاملين في بطونهم وعلى ظهورهم إيران ذلك العدو الفارسي الخطير. وهذا هو الدافع وراء حرصي على التأكيد على التاريخ وإعادة كتابته، ومبادرتي لتأليف مجموعة كتب تؤرخ للمرحلة الحاضرة في مشروع كبير تحت عنوان (إلى متى نحن نصنع التاريخ وهم يكتبونه؟ نحن نصنع التاريخ.. نحن نكتبه).

وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري شاهدان على ما أقول. فراوي الأولى ابن إسحاق، وهو شيعي قدري مدلس([1]). وراوي الثاني – فيما يتعلق بالخلاف أو القتال الذي حصل في صدر الدولة الإسلامية وما بعده، مثل السقيفة ومقتل عثمان، وحرب الجمل وصفين ومقتل الحسين – أبو مخنف لوط بن يحيى وهو شيعي محترق كذاب أجمع على تسقيطه علماء الجرح والتعديل. وقد بدأ التشيع انحرافاً خفيفاً ثم اتسع الخرق مع الزمن؛ لهذا قل الدغل والتشيع في سيرة ابن هشام (ت 218هـ)، وكثر في تاريخ الطبري (ت 310هـ). علماً أن عبد الملك بن هشام حرص على تهذيب سيرته وتحري الدقة والموضوعية واختصر ما رواه محمد بن إسحاق (ت 151هـ)؛ لهذا جاءت سيرته بعيدة كثيراً عن التشيع. لكن يبقى الراوي ونفَسه حاضراً في بعض ما ورد في السيرة، مثل نسبته قتل نصف عدد قتلى بدر من المشركين لعلي بن أبي طالب t، واشترك جميع الصحابة في قتل النصف الآخر! بينما كتب الطبري كل ما سمع، وترك لغيره مهمة التحقيق فكان تاريخه مصدراً لكل من هب ودب يكرع منه بلا تحقيق ناسباً للطبري ناسياً أو متناسياً أبا مخنف وأمثاله.

هذه المقدمات يجهلها الجمهور، الذي لا يعرف عن التاريخ سوى ما يلقى إليه من حكايات كثير منها لا خطم لها ولا زمام، وليس بمستغرب على الخبير أن يعلم أنها عبرت حتى على أفهام كثير من جهابذة العلماء ممن لم يتهيأ لهم تحقيق الحادثة المعينة، فقالوا بها تأثراً بالدعاية والإعلام. ومن ذلك ما روي عن يزيد رحمه الله وقيل في حقه من أكاذيب مثل ما سمي بـ(استباحة المدينة)، ومثل أكذوبة السبي وحمل رأس الحسين t إليه ونكته بالقضيب على أسنانه، وغيرها من الخزعبلات التي غصت بها كتب التاريخ والأدب والنوادر، ولم يسلم من أمثالها بعض دواوين الحديث.

 

ازدواجية المعايير

ومن أسباب تشوه صورة أمير المؤمنين يزيد رحمه الله ازدواجية المعايير. وهي متنوعة، منها تطبيق منهج المحدثين على ما يروى في حق الصحابة y وإهماله في حق يزيد، وأحياناً في حق أبيه معاوية، بل الأمويين جميعاً. ومنها محاسبته على أمر فعله من هو أفضل منه لكن يغض الطرف عن الأفضل مع أنه أولى بالاعتراض لو صح! مثل عدم معاقبته لقتلة الحسين، مع أن علياً لم يعاقب قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ولا من قتل طلحة والزبير، وهم أفضل من الحسين y أجمعين! ولنتوقف عند قاتل حواري النبي e الزبير بن العوام t. ونترك بقية الشواهد إلى موضع آخر.

أسباب عدم معاقبة علي لقاتل الزبير

عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ جَالِسًا، فَجَاءَ الْمُسْتَأْذِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: قَاتِلُ الزُّبَيْرِ بِالْبَابِ، قَالَ: (بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ)([2]) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيِّ وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ”. وكان عمير بن جرموز قاتل الزبير بن العوام قد قتله غيلة وغدراً، تتبعه بعد أن ترك أرض المعركة حتى إذا نزل مكاناً يقال له (وادي السباع) وأخذ بالصلاة غافله وقتله وهو على ذلك! وكل من ذهب إلى مدينة الزبير في البصرة يجد أن بين مرقد الزبير ومرقد طلحة بن عبيد الله – الذي يفترض أنه دفن حيث قتل من أرض المعركة – مسافة بضعة كيلومترات. وقتل المسلم المدبر في القتال لا يجوز، فكيف بمن ترك أرض المعركة من نفسه! فلماذا لم يعاقب عليٌّ قاتلَ الزبير؟

إن جميع المعترضين على عدم معاقبة يزيد لقتلة الحسين يشيحون بأنظارهم عن عدم معاقبة علي لقاتل الزبير. واعتراضهم دليل على عدم تفريقهم بين القتل الجنائي والقتل السياسي. فلو أن عمير قتل الزبير خارج ملابسات المعركة مثل أن يسطو عليه في داره أو يقتله في مشاجرة  وقعت في الشارع أو في السوق، فهذا قتل جنائي يستوجب القصاص. أما قتل الزبير فكان في معركة عسكرية حصلت لملابسات سياسية أساسها خلافات شرعية. وهذا يحكمه قول الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10،9). وليس قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) (البقرة:178).

وما يقال في مقتل الزبير وموقف علي كحاكم سياسي منه، يقال في مقتل الحسين وموقف يزيد كحاكم سياسي منه. ولا يقال هنا: كيف قتل علي الزبير حواري رسول الله؟! فالقتل تم في حالة حرب وليس في حالة سلم. وكذلك لا يقال مثله في قضية يزيد والحسين. وإنما هذا قول من ينظر إلى الحدث نظرة عاطفية قاصرة فيقول: كيف يقتل يزيد الحسين ريحانة النبي e وابن بنته؟! فالقتل تم في حالة حرب وليس في حالة سلم. وإنها لنظرة غير شرعية أو علمية؛ تركز على المنزلة لا على النازلة. ولو كانت الحقوق والعقوبات تبنى على المنازل بين الخصوم لا النوازل الواقعة بينهم، لما ترافع عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أمام القاضي مع يهودي!

والأمر في أساسه يخضع إلى قواعد وأصول ومقتضيات (السياسة الشرعية)، التي تتعلق هنا باستقرار الدولة وحمايتها من الفتن. فلا يمكن لحاكم أن يعاقب والياً له بسبب قتله لمن خرج على الدولة؛ إنه لو فعل ذلك فلن يجرؤ أحد من ولاته بعدها على الدفاع عنها في وجه أي خارج عليها بقوة السلاح؛ خوفاً من أن يكون مصيره مصير من فعل ذلك من قبل؛ فيكون الحاكم ساعياً في تهديم ملكه بنفسه! وهذا لا يفعله عاقل: لا يزيد ولا علي ولا من هو أفضل أو أدنى منهما. (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10).

13/11/2014

_________________________________________________________________________________

[1]– ابن إسحاق هو أبو بكر محمد بن اسحاق بن يسار المدني. كان جده يسار من سبي عين التمر حين افتتحها المسلمون في خلافة أبي بكر الصديق سنة 12هـ. وجده خالد بن الوليد في كنيسة عين التمر من بين الغلمان الذين كانوا رهناً في يد كسرى فأخذه إلى المدينة. ولد محمد في المدينة سنة 85ه، وبها نشأ، وقرأ على علمائها ومحدثيها. خرج من المدينة إلى الإسكندرية ثم إلى الكوفة والحيرة ليستقر في بغداد حيث وفر له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور كل الدعم الممكن لأن يكتب عن تاريخ الرسول e. وهذا – إضافة إلى تشيعه – يلقي الضوء على سبب ميله عن الأمويين وروايته بعض الموضوعات غير المنصفة لهم. فقد كتب معظمها في عهد الخلفاء العباسيين، الأعداء الألداء للأمويين، وبإشراف أبي جعفر المنصور نفسه، الذي أطاح بهم، ورعايته وتشجيعه.

اختلف العلماء في ابن إسحاق. فوثقه جمهورهم، وطعن فيه الإمام مالك بن أنس طعناً شديداً بسبب عقيدته الفاسدة في القدر ونفيه له. وجلد على ذلك بالمدينة. وأخرجه علماؤها منها؛ لهذا ولمنهجه في الرواية. قال الإمام مالك: نحن أخرجناه من المدينة، دجال من الدجاجلة. واتهمه بالقدر والزندقة. واتهمه الإمام هشام بن عروة بن الزبير بالكذب. وكذلك يحيى بن سعيد القطان. والله أعلم بالحقيقة.

[2]– قال العلامة المؤرخ الدكتور أكرم ضياء العمري في (عصر الخلافة الراشدة:1/458) عن قول علي: (بشروا قاتل ابن صفية بالنار): ابن سعد: الطبقات 3: 105، والطيالسي: المسند 24، وأحمد: المسند 1: 102، وفضائل الصحابة 2: 737، وابن أبي عاصم: السنة 2: 737 بإسناد حسن مداره على أبي عاصم بن بهدلة صدوق له أوهام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: