التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الخائن ذلك الشيطان الرجيم

د. طه حامد الدليمي

الاحتلال حالة فظيعة، بت – من فظاعتها – لا أتمناها ولو لعدوي! ربما هي حالة غير سوية، لكنها تراود نفسي في بعض الأحيان فأشعر بالشفقة على كل شعب محتل ولو كان عدواً لي، ثم أنتبه فأعود للتوازن السوي.

شيء يطعن في رجولتك.. في شخصيتك.. في مصداقيتك أمام نفسك وأمام الناس.. في وجودك وكينونتك؛ يقول لك: أنت لا شيء، لا قيمة لك، غير موجود! يدفعك دفعاً لإثبات هذا الوجود.. أن تتحداه لتقول له، بل تصرخ في وجهه: “أنا موجود أيها اللاشيء!”. يفجر مشاعر العداوة فيك والبغضاء أبداً حتى يزول من أمام عينك، من أرضك التي لا تشعر أنها لك ما دام فيها من يقيد حريتك وحق تصرفك فيها. وتسأل من أنا؟ ما هويتي؟ من معي؟ من ضدي؟ وتسأل: كيف يخون الخائن؟ أيعقل هذا؟ ما نفسيته التي تتقبل الخيانة؟ ثم تقول: إن الخائن لا يستحق العيش.. لا يستحق الوجود.

 

دخيلة الخائن

وعند البحث تصل إلى نتيجة غريبة تفسيراً لظاهرة الخيانة.. إنها – في جانب عريض منها – تعبير معكوس لإثبات الوجود. وتخلصاً من الإحساس العميق بالمهانة أمام المحتل المغتصب!

انشطار وتلاشي للنفس أمام قناعة قديمة أصيلة، ثم جمع وتكوين جديد بقناعة جديدة دخيلة. تقف ذات الخائن أمامه متحدية لائمة جالدة، ويقف الخوف والشعور بالعجز عن المواجهة في الجهة المقابلة شيئاً بغيضاً مقرفاً كريه الوجه، كريه اللغة قاسي الكلم. وبين الذات والخوف يتمزق المرء.. ينشطر.. ينسحق.. يتحول كيانه ذرات هشيم، وهباء تذروه الرياح. وحيث لا يحتمل الإنسان حالة انعدام الوزن؛ فإما أن يواجه وإما أن يختفي ويذوب في عالم العدم الرعيب، يبدأ دور الحيل النفسية دفاعاً عن الكينونة المتلاشية. فيطفق باحثاً عن مظاهر الخير وجوانب الصواب في المحتل الذي بها يكون على حق في وجوده هنا. ومعها يكون البحث عن جوانب الشر والخطأ والخطيئة فيمن يقاوم المحتل وما يجلبه على نفسه وأهله ووطنه من تبعات وأذى. هذه هي الحكمة المفقودة عند المتهورين؛ أنا حكيم إذن! وهنا تبدأ ذراته وهباءاته المتلاشية بالتجمع ثانية، لكن تحت مفعول هذه القناعة، الذي يفوق مفعول أقوى مسكر ومخدر. يعود ولكن بشخصية أَخرى.. (شخصية الخائن)!

 

أدوار استحالة الشيطنة

ثم لا يقف عند هذا الحد، إنما يتقدم خطوة كي يثبت لنفسه أنه صادق ويعني ما يقول، وأنه حكيم فعلاً، وخطواته تمضي على سواء السبيل؛ فيبدأ عنده دور ممارسة القناعة الجديدة وتجريبها. فيضع يده بيد المحتل وينقلب شيئاً فشيئاً عوناً له على أبناء جلدته. ما ألذ وأروح للنفس وأكثر شعوراً بالأمان والاطمئنان من أن يكون في صف القوي يحتمي به فيشعر بالأمان، ويحميه فيشعر بالقوة والقيمة.. من أن يكون جزءاً منه.. من أن يكون مثله.. من أن يكون هو هو!

وهنا يبدأ طور (التماهي بالمعتدي) أو (التماهي بالمحتل). فيكون هو المحتل بكل عدوانه وعنفوانه. وفي هذا الطور يضاف إلى المعادلة النفسية عامل (الشعور بالدخالة). فهو ليس من جنس المحتل، وقد يشك فيه وفي إخلاصه؛ فماذا يفعل؟ يضاعف عدوانه على أبناء بلده زائداً على ما يوقعه المحتل، الذي هو المحتل، بهم. ويسعى إلى التشبه به في مظهره وحركاته وسكناته ولسانه، ثم ينتقل السعار إلى داخل النفس يغزوها ويزيدها خراباً على خراب.

في هذا الطور تولد (السادية) من (الماسوشية). الخوف من العدو هو الذي دفع الخائن للانبطاح له، والتعاون معه بل للتماهي به، وتصبح حالة الذل والهوان أمامه مفردة يومية كالطعام والشراب، بل كالنفَس. وحتى يتخلص من حالة الشعور بالمهانة يبدأ بتبريرها، ثم تقبلها، ثم استمرائها، ثم التلذذ بها وتطلبها. ها قد صار الخائن (ماسوشياً). هذا إن لم يكون هو كذلك منذ البديئة.

وتبقى الحالة الشاذة تنخس الخائن في (اللاشعور). فماذا يفعل؟

ها هو يبحث عن ضحية يوقع عليها عدوانه ليثبت من خلاله أنه قادر على إيقاع الأذى بالآخر.. على إخافته.. هناك من يخاف منه؛ إذن هو ليس بمهين. بل هو قوي مقتدر! أليس هناك من يخاف منه، يرتعب، يرتعد؟ وتنشأ لديه حالة “أنت تتألم.. إذن أنا موجود”.

لا بد أن يترافق ذلك بمبررات واعية ولا واعية باستحقاق الضحية للعدوان المسلط عليها من قبل الخائن. فيرميها بكل نقص وشين. ويقلب كل صفات الفضيلة لديها إلى صفات رذيلة عليها. ومن هنا نشأت تسمية (المقاومة) بـ(الإرهاب). إنه اسم مذهل وساحر لنفس الخائن؛ لقد قدم إليه المبرر الذي يبحث عنه. وتضاف كل صفات النقص إلى (الإرهاب) و(الإرهابي)… وتبدأ عملية نفسيه في هذا الاتجاه تسمى (التشييء) يصل الخائن بها إلى أن يعتبر الضحية مجرد شيء لا قيمة له ولا شعور؛ فيصب عليه أقسى وأقصى أنواع العذاب دون أن تطرف له عين أو يرف له جفن أو يدور في نفسه لحظة أن الذي أمامه إنسان بلحم ودم وعصب وشعور؛ كيف؟ وهل للحجر شيء من ذلك!

لقد وصل الخائن إلى مرحلة الانمساخ فيتحول إلى (شيطان) ولكن في صورة إنسان!

هذا إذا كان الخائن في بداية أمره إنساناً عادياً، ليس فيه من عيب سوى الخوف الذي يحمله على النكول عن متطلبات مواجهة المحتل. أو الطمع بما عنده. ثم تتطور الحالة من هناك، كالخائن السني، الذي ليس بينه وبين الشخص المجاهد أو المقاوم في البدء مشكلة أو ضغينة، سوى الشعور أمامه بالنقص. أما إذا كان بين الخائن وبين الضحية مشاعر متأزمة تصل إلى حد (العقدة) المتأصلة: من الشعور بالنقص والظلم والاضطهاد والحقد والعداوة والرغبة بالثأر والانتقام، كما هو الحال لدى الخائن الشيعي تجاه السني لا سيما الذي يقاوم المحتل، فعملية (الشيطنة) للوصول إلى حالة (الشيطان) في الخيانة لا تحتاج إلى زمن طويل للتخليق سوى المرور السريع لأخذ الطمغات والتواقيع؛ لأن الشيعي مهيأ ذاتياً للعب دور الشيطان تجاه السني منذ أمد بعيد.

15/12/2014

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: