مقالات

إقامة الدين أم إقامة المذهب ؟

تغطية وجه المرأة شاهداً

د. طه حامد الدليمي

ليس مقصودي بيان الحكم الفقهي لهذه المسألة.. تغطية وجه المرأة، وأي الرأيين هو الصواب: حرمة كشف الوجه أم جوازه؟ وإلى أي الرأيين أميل؟ فذلك له موضع آخر. وإنما هو الاستشهاد بها على توضيح المسألة الأُخرى موضع السؤال. واخترت هذا الشاهد لعلاقته بالواقع من جهة، وعلاقته بالتمكين بناءً على مفاهيم الأمة لا مفاهيم الدولة المجردة.

وإذا كان الله تعالى قد أوصى في كتابه: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13)، فهل المقصود بإقامة الدين: الأصول التي يبنى عليها، والتي لا ينبغي الاختلاف فيها؟ أم الفروع التي تقبل الاختلاف داخل الدين في إطار تلك الأصول؟ وهل إقامة الدين وإقامة المذهب مدعاة للتفرق أم للتوحد؟ أم يختلفان في هذا: فأحدهما يوحد والآخر يفرق؟

إن قراءة الآية كاملة تجيب عن أكثر هذه الأسئلة.

يقول تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ). فالذي تشترك فيه الأديان أصولها لا فروعها، كما أن الذي دعا الرسول e المشركين إليه هو أصول الإيمان لا فروعه. ويمكنك اكتشاف المزيد من الأدلة على هذا من خلال الآيات التالية.

وعند استقراء أصول الدين: عقيدة وشريعة تجد المسلمين يجتمعون عليها ولا يختلفون: لا علماً ولا عملاً. مثل الألوهية والنبوة والمعاد وعدالة الصحابة والصلاة والزكاة وبر الوالدين وحرمة الكذب والزنا والفواحش والخمر([1]). والسبب في اجتماع المسلمين على أصول الدين أن أدلتها قطعية الثبوت قطعية الدلالة. ولهذا لا يعذر المخالف في خلافها. لذا أمر الله بإقامتها، وكان ذلك شرطاً في إسلام المسلم. فما يقوم به الدين – في طبيعته – يجمع ولا يفرق. أي ليس من شأنه ولا نتيجته التفريق، إلا عند من كان كافراً مشركاً؛ لهذا قال سبحانه: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)، وجعل خلافهم هدراً لا اعتبار له. وفي نهاية الآية إشارة واضحة إلى ذلك.

 

لا إنكار في مسائل الاختلاف أو الاجتهاد ( السائغ )

على هذا الأساس لا تدخل في حكم الآية عامة المسائل الفقهية التي تقبل الاختلاف بين المذاهب لظنية أدلتها. لهذا وضع الأصوليون قاعدة عظيمة تنص على أنه (لا إنكار في مسائل الاختلاف أو الاجتهاد) أي السائغ. وقد تكلم العلماء عن الاختلاف غير السائغ مثل ما كان في خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم من المعارض الراجح. فهذا ينكر على قائله أو فاعله. كما تكلموا عن الاختلاف السائغ الذي لا ينكر فيه أحد الفريقين على الآخر. مثل الاختلاف فيما لم يجمع على تحريمه، مما يقع بين المذاهب لاختلاف الأدلة، فلا يجب إنكار المختلف فيه؛ لأنه يقوم على دليل. وإنما يجب إنكار فعل يخالف المجمع عليه لأنه لا دليل عليه. وأما ما اختلف في تحريمه فلا يجب إنكاره على الفاعل لأن نسبة المختلف فيه إلى المحرم ليست بأولى من نسبته إلى المحلل.

ومن الاختلاف السائغ الذي لا يصح فيه الإنكار ما كان دليله ظنياً يقبل التفسير على كلا الوجهين. ومثّــل العلماء على ذلك بما رواه البخاري عن ابن عمر قال: (قال النبي e يوم الأحزاب: “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي e فلم يعنف واحداً منهم). وما رواه أبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري t قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصليا. ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر. ثم أتيا رسول الله e فذكرا ذلك له. فقال للذي لم يعد: “أصبت السنة وأجزأتك صلاتك”. وقال للآخر: “لك الأجر مرتين”). ومجمل القول هو ما كان منه للمخالف عليه دليل، أو تعارضت فيه الأدلة فاختلف فيه العلماء.

وليس معنى ذلك عدم جواز التعليم والدعوة إلى الرأي الآخر ومناقشته. وإنما معناه عدم جواز تعنيف المخالف أو إجباره على تركه إلى ما يخالفه، أو عقوبته عليه. فهذا كله مما لا يجوز ولا يحل فيه أكثر من إبداء الرأي والدعوة إليه بالحسنى حسب الضوابط الشرعية. وقد اختلف أئمة المذاهب وعلماؤها فلم ينكر بعضهم على بعض خارج الإطار الذي بينته.

إن الاختلاف في مثل هذه المسائل لا يتناقض مع إقامة الدين؛ فهي ليست مما يقام الدين على رأي بعينه منها، ويهدم على الرأي الآخر. وإن إلزام الناس برأي واحد في مثلها من شأنه وطبيعته التفرق، وليس هذا من شأن ولا طبيعة الدين الذي أُمر بإقامته. فهي ليست داخلة فيما أوصى الله به الرسل من قبل وعلى رأسهم أولو العزم عليهم السلام الذين خصتهم الآية الشريفة بالذكر.

 

إكراه النساء على تغطية الوجه وآثاره الاجتماعية

لا نناقش في الرأي الملزم للمرأة بتغطية وجهها؛ فهو رأي معتبر وعليه أدلته. ويجوز الأمر به والدعوة إليه والترغيب فيه. وإنما في إكراه النساء على الالتزام به، وإيقاع العقوبة بمن خالفته منهن. فهذا لا يصح لا تأصيلاً ولا تطبيقاً؛ فللعلماء في المسألة رأيان مختلفان: رأي يوجب التغطية وله أدلته المعتبرة، ورأي يجيز كشف الوجه وله أدلته المعتبرة. فهو من الاختلاف السائغ، الداخل تحت قاعدة (لا إنكار في مسائل الاختلاف). والإكراه على أحد الرأيين مخالف لهذه القاعدة الشرعية. كما أنه مفضٍ إلى النزاع والخصومة والتفرق في الدين. وهو مما نهت عنه آية (الشورى)، وغيرها من الأدلة. خصوصاً في بلد مثل العراق، السفور الكامل فيه شائع، ومعظم المحجبات تسفر عن وجهها. فإلزام النساء بالحجاب التام مرة واحدة – إضافة إلى مخالفته للقواعد الشرعية – مدعاة لنفرة الناس، وتفلتهم من الالتزام بالأمر، ويكون فعله مظهرياً  بحتاً لا عن إيمان، تجنباً للحرج أو العقوبة. وربما تطور الأمر فتولدت ردة فعل نفسية ضد الحجاب من الأصل؛ وعندها ستخلع النساء الحجاب عند أول فرصة، وتكون نهايته كنهاية الحجاب في إيران.

ما مطلوب هو الأمر بإقامة الحجاب المتفق عليه فهو من الدين الذي أمر الله تعالى بإقامته في كتابه العظيم وعلى لسان رسوله الكريم. وأما ما زاد عن ذلك فيترك لاختيار الناس، ولا بأس بالدعوة إلى الرأي الخاص والالتزام به دون إلزام.

القول نفسه نقوله في جميع المسائل الشرعية المختلف فيها اختلافاً سائغاً. فإن الله تعالى أمر بإقامة الدين لا إقامة المذهب؛ فهذا شأن شخصي لا حق لأحد أن ينتهك حق الخصوصية الشخصية فيه.

والله أعلم.

21/12/2014

_______________________________________________________________________________

[1]– لا اتكلم عن الأصول بمفهوم المتكلمين، وإنما بمفهوم القرآن الكريم، الذي لا يفرق بين الأصول العلمية العقائدية والعملية الشرائعية. وتعريف الأصل عندي كمفهوم ذهني: هو ما لزم من عدمه عدم الدين. وأما كمفهوم عيني فهو ما بني على وجوده مصالح كبيرة وعلى عدمه مفاسد كبيرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: