مقالات

سايكولوجيا الانحراف السياسي البعض هو الكل في ميزان السياسة (2)

د. طه حامد الدليمي

صعوبة الانشطار ورحلة التحول

فكرت عميقاً في ظاهرة انحراف السياسي الإسلامي فوجدت أن سبب الانحراف هو عدم قابلية الإنسان على الاستمرار طويلاً بالانشطار بين ظاهره وباطنه، وكرهه الفطري لأن يبدو أمام الآخرين متلوناً أو ذا وجوه متعددة. فحين يعلن السياسي موقفاً لا يؤمن به في دخيلة نفسه وخاصة صحبه، وإنما يبرره بحجج تدور حول تحصيل منفعة ما أو دفع مفسدة.. يجد نفسه غير قادر على التنصل منه في العلن خصوصاً إذا كان ثابتاً عنه بخط يد أو تسجيل صوت أو صورة: متحركة أو جامدة. فإذا استمرت الحالة على ما هي عليه يكون أمامه طريقان ليس له إلا أن يسلك أحدهما: فإما أن ينزع إلى الحق وينتهي عما أعلن عنه من قبل، وإما – وهو الغالب – أن يستمرئ ما هو عليه في العلن رغبة أو رهبة، فيبدأ رحلة يمكن أن نسميها (رحلة التحول)، وهي رحلة خطيرة لأنها تمثل عملية تغيير كلي في شخصية السياسي. تظهر أوائلها بالبحث عن مبررات تسوغ له موقفه المعلن للعامة ليكون هو نفسه ما يبديه للخاصة؛ حتى لا يبدو أمام نفسه وخاصته متناقضاً. وشيئاً فشيئاً، وخطوة فخطوة تتم عملية (التحول) العكسي؛ فبدلاً من أن يخضع الظاهر لحركة الباطن يكون التغيير منصباً على الباطن لكي يوافق الظاهر. وهكذا حتى يتبنى في خاصه ما كان مقتصراً عليه في عامه. لهذا حذرنا سبحانه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:21). وقال: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة:49). وأرى أن هذه الآيات العظيمة تنطبق على الأحكام السياسية أكثر مما تنطبق على الأحكام العادية. فالبعض في البداية يجر الكل النهاية.

ولا يقتصر الأمر على السياسي، بل هو ظاهرة اجتماعية؛ فالسني الذي يعيش في بيئة شيعية فيزور المراقد مع جيرانه الشيعة في موسم الزيارات؛ بقصد الحفاظ على نفسه في البداية سينتهي – إن لم يكن هو فولده وذريته من بعده – بـ(التحول) التدريجي إلى شيعي ينافح عن الشيعة، ويعادي السنة ربما أكثر من الشيعي الأصلي! لهذا أمر الله تعالى عباده بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان فقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97).

أسلوب الالتزام والانسجام([1])

يسمى الأسلوب الذي تتم به ظاهرة (التحول) هذه في الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة بـ(أسلوب الالتزام والتوافق) أو (الالتزام والانسجام). التفت الصينيون إلى هذه الظاهرة ودرسوها وطبقوا نتائج دراستهم على الأسرى الأمريكان في الحرب الكورية في خمسينيات القرن العشرين. وفيما كتبه البروفيسور الأمريكي روبرت جالديني في كتابه (التأثير وسيكولوجيا الإقناع) شيء يدعو للتوقف تجاهه كمَعْلَم من معالم سر الانحراف عن المبادئ الأولى الذي يصيب السياسيين عندما يدخلون عالم السياسة مجردين من القوة التي تصون لهم مبادئهم. يتناول الكتاب أسلوب (الالتزام والانسجام commitment & consistency)، ذلك الأسلوب الذي استعمله الصينيون مع الأسرى المذكورين. ويبدأ الأمر بقاعدة تبدو يسيرة لكنها خطيرة: (انتزع من الخصم تنازلاً صغيراً مهما كان ثم ابن عليه). من هنا يبدأ الانحراف.. (تنازل صغير) (بعض.. شيء قليل)!

بعد 1. خطوة التنازل القليل تأتي 2. خطوة توثيق التنازل، ثم 3. خطوة استدراج الأسير للاعتراف بتبعات ولوازم هذا التنازل… إلى أن يجد نفسه قد تغيرت نفسيته ليصبح منسجماً مع موقفه الجديد. ثم 4. تتفاقم هذه التنازلات إلى أن يصبح في النهاية عميلاً من حيث لا يشعر. انظر إنها (خطوات): خطوة بعد خطوة، بطريقة هادئة لا تثير انتباه الشخص نفسه إلى ما يجري داخل نفسه! وكل خطوة يحتف بها مبرر أو جملة مبررات. ويبدأ التوثيق من طلب إلى الأسير أن يدلي بتصريحات تبدو في غاية البساطة وبدون أي تبعات تذكر مثل “أمريكا ليست كاملة”، أو “لا توجد مشكلة بطالة في الدولة الشيوعية”. تأمل كم هو يسير!

ثم يطالبونه باتخاذ موقف آخر يبدو تلقائياً نتيجة للتصريح الأول، لكنه يمثل تنازلاً أكثر وتلبية أقرب لمطالب العدو. فمثلاً يطلب من الأسير كتابة قائمة بالمشاكل التي تعني أن أمريكا ليست كاملة، ثم يوقع باسمه على القائمة.

ثم يخطون بالأسير الخطوة التالية: يطلب منه بعد فترة قراءة هذه القائمة في جِلسة نقاش مع الأسرى الآخرين. ثم يطلب منه بعد فترة كتابة مقال يتوسع فيه بشرح تفصيلي عن تلك النِّقاط التي كتبها في قائمته وجوانب تلك المشاكل. ثم يقال له: أليس هذا ما تعتقده أنت بنفسك دون إجبار أحد؟ والآن لا نطالبك بأكثر مما تصرح بمعتقدك؛ فإن كنت واثقاً من معتقدك فأنت على استعداد أن تلتزم به ألست كذلك؟ وهذا ما يعنى به من كلمة (الالتزام).

وهكذا تتتابع الخطوات.

بعدها يجرون مسابقة بين الأسرى لكتابة أحسن مقال في المقارنة بين أمريكا والشيوعية. وقد يفوز مقال يمدح في العموم أمريكا لكنه يلين لوجهة النظر الصينية الشيوعية في موضع أو موضعين. المهم انتزاع أي تنازل مهما كان بسيطاً. ثم إذا الصينيون يبثون مقال الأسير مع اسمه على الراديو الموجه للقوات الأمريكية المقاتلة وكذلك في كل معسكرات الاعتقال بحيث يسمعها الأسير نفسه، فيجد الأسير نفسه قد قام بتصريحات تخدم العدو؛ فصار بطريقة أو بأُخرى متعاوناً مع العدو.

المهم في الأمر أن يدرك الأسير أن ما قام به من تصريحات وكتابات قام به طواعية دون إكراه أحد. لأنه لو تم الأمر بالإكراه لوجد الأسير لنفسه وكذلك الناسُ حوله عذراً لمواقفه هذه، يمكنه به من التنصل عنها لاحقاً. ولأدى ذلك إلى نفوره منها ورفضها وتبرئه الداخلي منها. لكنه فعل ما فعل طبقاً إلى قناعة ذاتية داخلية دون إكراه؛ وهذا ينتهي بالأسير إلى تغيير نظرته إلى نفسه حتى يصبح متوافقاً ومنسجماً (consistent) مع الفعل الذي قام به، ومع التعريف الجديد لنفسه كمتعاون مع العدو.

بدأ الأمر بتصريحات تافهة وعديمة القيمة، لكن الأسير التزم بهذه التصريحات. ثم استدرج إلى خطوات أخرى غيرت من نفسيته فانسجم معها. وهذا التغيير بدوره سمح له بتقديم تنازلات أكبر، وهكذا دواليك.. إلى أن يكتب مقالاً موسعاً ينتقد فيه نظام الدولة التي كان يحارب من أجلها، بل ويتعاون مع عدوها.

العوامل الأربعة في سايكولوجيا الانحراف السياسي

لاحظ الخبراء وجود عوامل أربعة مهمة للغاية لضمان فعالية هذا الأسلوب:

  1. التوثيق: ويعني ضرورة أن يوثق الأسير تصريحاته؛ فهذا أقوى في تغيير انطباعه عن نفسه وانطباع زملائه عنه. فالشخص الذي يوثق ما يقول يستحضر لا شعورياً مواقفه السابقة وخاصة الموثقة منها وكأنها المصدر الرئيس لمعلوماته عن نفسه وتحديد شخصيته. وهكذا فإن الصينيين كانوا حريصين على انتزاع موقف موثق منسجم مع رغباتهم إلى درجة أن الأسير إذا رفض أن يكتب العبارات المذكورة مثل “أمريكا ليست كاملة” فإنه كان يطلب منه نسخ سؤال وجواب مكتوبين له مسبقاً فيهما هذه المعاني. فهذه الكتابة بخط يده كدليل ملموس تستدرج الأسير إلى التغيير النفسي ولو بدأ فكان (شيئاً قليلاً). كما أنهم كانوا يطلعون الأسرى الآخرين عليها لتغيير نظرتهم إلى زميلهم. وهذا يجعل زملاءه وإن علموا بأن الكاتب لم يختر كتابة تلك السطور وبدافعية ذاتية، إلا أنهم سيشعرون بأن هذه الكتابات تمثل حقيقة اعتقاد الأسير وإحساسه طالما أن صياغتها لا تشعر بأنه كتبها مكرهاً. وهذا يعني نفسياً أن (تغير نظرة الآخرين لك تجعلك تغير نظرتك إلى نفسك).
  2. الالتزام العلني: فالذي يتخذ موقفاً معلناً يكون أكثر التزاماً به ودفاعاً عنه ممن لا يعلن موقفه. لذلك كان الصينيون يعلقون مقال الأسير على الجدران ويبثونه في الراديو ليجد الأسير نفسه مدفوعاً إلى المحافظة على موقف اتخذه مبرراً للتصريح الذي أعلن به؛ وذلك لكي يبدو إنساناً لديه موقف ثابت، إنساناً منسجماً مع ذاته، متوافقاً مع أفعاله. فالمتناقض يبدو للناس متقلباً غير واثق، مشتت الفكر، غير جدير بالثقة. وهذه الخصائص مكروهة من المجتمع ومن الشخص نفسه. على العكس من الشخص المتوافق مع نفسه الثابت في موقفه.
  3. الجهد الإضافي المبذول: فهذا يؤدي إلى التزام أعلى. فالشخص الذي يعاني ألماً ويخوض عناء في سبيل الحصول على شيء وتنميته ورعايته؛ يعطيه أهمية أكبر بكثير ممن يحصل على الشيء نفسه بجهد أقل. فكتابة مقال موسع للفوز بالمسابقة ليست أمراً سهلاً([2]).
  4. الاختيار الذاتي: وهو العامل الأكثر أهمية. لم تكن جوائز الفوز عن المقال ذات قيمة عالية (قلماً، سجائر، “شيئاً قليلاً” من الفواكه الطازجة). ولا ترقى إلى الملابس الجيدة أو تسهيل الاتصال بالعالم الخارجي. إن علة حجب الجوائز الكبيرة هو من أجل أن يحس الأسير أن كتاباته هي ملكه، نابعة من ذاته دون أن ينظر لنفسه أنه كتب ما كتب طمعاً في جائزة كبيرة. أي يتحمل الأسير أمام نفسه مسؤولية ما كتب، فلا يشعر أنه غيّر مبادئه من أجل جائزة؛ فهذا ذنب معلوم يجعل نفسه تؤنبه فتمنحه فرصة للتراجع. القناعة الذاتية ضرورة لا غنى عنها([3]).

وبين قصة الراهب والشيطان وحيل الصينيين مع الأسرى، ودراسة الأمريكان النفسية وخروجهم بمصطلح (الالتزام والانسجام commitment & consistency) تكمن الحقيقة، التي لا ينبغي للسياسي الرباني أن يغفل عنها، وإلا فقد يكون مصيره مصير الراهب الذي مات كافراً، أو راكب الفرس الذي تدهدهت به من شاهق فما عاد قادراً على لجمها وإيقافها.

_________________________________________________________________________________

  1. – اعتمدت في هذا الموضوع على مادة مرئية بعنوان (سايكولوجيا الانحراف) للدكتور إياد القنيبي، على الرابط التالي:

    https://www.youtube.com/watch?v=u6sNOPhjvJc

  2. – تذكّر قاعدة (الولاء للإعطاء لا للأخذ). وهي قاعدة في غاية الأهمية في السياسة المالية.
  3. – تأمل الفرق بين البدعة والمعصية! وقول السلف: “البدعة أحب إلى إبليس من المعصية”. وفسروه بأن المعصية يمكن أن يتاب منها، على العكس من البدعة. لأنها داخلة في القناعة الذاتية للعامل بها.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: