التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

مجانين العقلاء وكارثة القيادة

د. طه حامد الدليمي

أرجو منك أيها القارئ الكريم قبل أن تقرأ المقال أن تسأل نفسك: هل أنت من ذوي العقول التقبلية التي تجتاف الأفكار لأنها مكررة مألوفة، فتقبل ما هو مألوف وترفض ما هو غير مألوف؟ فإن كنت كذلك فأنصحك بعدم قراءته. أم أنت صاحب عقل لا يقبل ولا يرفض إلا بعد تفكر وتدبر؟ فإن كنت كذلك فأنت جدير بقراءته، ثم لا يهمني بعد ذلك موقفك مما قرأت؛ فأنت حر، والحرية حق من حقوقك.

عقلاء المجانين حالة تلاحظها عندما ترى شخصاً غير متوازن في ظاهره وسمته، لكنه هادئ ينطق أحياناً بكلمات عاقلة، قد تبلغ عمقاً لا يبلغه بعض العقلاء بعقولهم! لا أدري إن كان علم النفس قد درس شخصية (عقلاء المجانين)، لكن هناك ما هو أهم وأخطر حري بعلم النفس والاجتماع أن يدرسه دراسة مستفيضة هو شخصية (مجانين العقلاء)!

أما أنا فمن خلال الملاحظة والتأمل أستطيع أن أقول: الناس صنفان: عقلاء ومجانين. والمجانين صنفان:

  1. صنف مجانين في ثوب مجانين. لكن الجنون يأتيهم على شكل نوبات تقصر أو تطول، يعقبها فترة هدوء تطول أو تقصر. في فترة الهدوء تبدر منهم كلمات، يرقى بعضها إلى مستوى الحكمة. يطلق على هؤلاء اسم (عقلاء المجانين). وهؤلاء قلة في المجتمع.
  2. صنف مجانين في ثوب عقلاء، وهؤلاء يمثلون معظم المجتمع! وإليكم الدليل:

المجانين أكثر من العقلاء .. هل تعلم !

للجنون في علم النفس تعريفات تتفق مع تعريفات علماء الأصول يلزم منها أن جمهور الناس من صنف (مجانين العقلاء)! فالجنون طبقاً لـ(علم النفس) يدور حول (عدم القدرة على السيطرة على العقل)، بل (هو المفهوم الوحيد للجنون عند مناقشة الأمراض النفسية بشكل عام)([1]). و(الجنون عند الأصوليين اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا يظهر آثارها ويتعطّل أفعالها، إما لنقصان جُبل عليه الدماغ في أصل الخلقة وإمّا لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلط وآفة، وإمّا لاستيلاء الشيطان عليه وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه)([2]). ويؤيد هذا ما اشتهر عن ألبرت آينشتاين في تعريف الجنون بقوله: (الجنون هو أن تفعل الشيء مرةً بعد مرةٍ وتتوقع نتيجةً مختلفةً). وهذا ديدن معظم الناس. واستناداً إلى ما سبق يكون معظم المجتمع أو جمهور الناس مجانين في ثياب عقلاء.

وفي القرآن الكريم ما يؤيد ما قلت آنفاً؛ فالله تعالى يقول: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179). ليس هؤلاء عقلاء في حقيقة الأمر. وسيعترف بهذه الحقيقة هؤلاء المجانين أنفسهم حيث لا ينفع الاعتراف: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك:12،11). وإذا عرفت أن أهل النار أكثر من أهل الجنة تبين لك ضخامة نسبة المجانين في الناس مقارنة بالعقلاء. على أنني لا أقصد مجانين المجتمعات الكافرة فحسب، إنما أتعداه إلى المسلمين.

المشكلة أن هذا التصنيف ربما يرفضه أكثر القراء؛ لأنه لا أحد يرضى أن يصنف نفسه أو يصنفه غيره ضمن زمرة المجانين حتى وإن وصفوا بالعقلاء. حتى المجنون يرى نفسه يتربع على قمة العقل، ولو وصفته بالجنون لربما هاجمك فقتلك. فالقضية نفسية لا علمية. وهنا مكمن الصعوبة.

الحد الفاصل بين مجانين العقلاء وعقلاء المجانين

الحد الفاصل بين (عقلاء المجانين) و(مجانين العقلاء) هو الثوب أو الإطار الذي يغلف كلاً منهما. فـ(عقلاء المجانين) عقلاء في إطار مجانين: واضح من اضطراب هيئتهم وقيافتهم وتصرفهم وكلامهم أنهم يعانون من خلل عقلي، لكن لهم عبارات وأقوالاً مقبولة، وربما تجاوزت القبول إلى الإعجاب. كما روي عن البهلول أنه قيل له: عظنا يابهلول؟ فقال: بم أعظكم؟ هذه قصوركم وهذه قبوركم. أما (مجانين العقلاء) فهم مجانين في إطار عقلاء. هيئتهم، قيافتهم، تصرفهم، كلامهم، كل ذلك وغيره يجري على سَنَن العقل، مؤطر بالمعقول والمقبول والمدلل عليه إن احتاج إلى دليل. ومن هذا الصنف أساتذة جامعات، ورؤساء وملوك وأمراء وشيوخ دين ووجهاء وتجار وغيرهم. لكن الجنون يكمن في المضمون. عقلاء بمضامين مجنونة، على العكس من الأوائل: مجانين بمضامين معقولة.

متى يصبح مجانين العقلاء خطراً على المجتمع ؟

عقلاء المجانين لا يخشى منهم البتة؛ لأنه لا أحد يلتزم بكلامهم، حتى المعقول منه يسمعه الناس وهم يبتسمون، ويروونه وهم يعجبون كيف يصدر مثله من مثلهم! ثم هم قلة ضعيفة لا تمتلك القدرة على التفكير والتخطيط، فضلاً عن القيادة.

إنما الخطر في مجانين العقلاء؛ فهم جمهور المجتمع. ويبدأ الخطر بالتجسد حين يقفز من هذا الجمهور أفراد يتصدرون المشهد الاجتماعي سيما إذا صاروا قادة أو زعماء. هنا تتفجر طاقة الجنون التي كانت متوارية في داخلهم خطباً حماسية تثير النفوس، ومواعظ رقيقة تستدر الدموع، وكلاماً محكماً يقيد العقول، ومشاريع تحشد لها الألوف، ومعارك تجند لها الزحوف. كل ذلك يتم في إطار دعوى الحق والحقيقة. وربما جرى تغليفه بالمصلحة الشرعية والعزة القومية والوحدة الوطنية! والجمهور من ورائهم يهتف ويصفق ويسير.

وإذا تبين للزعيم المجنون خطأُه أصر عليه بسبب موقعه وعنوانه الاجتماعي، في مفارقة قاتلة تدفع الشعوب لها أثماناً باهضة؛ لأن عنوانه يدفعه إلى الاعتزاز بالإثم. عكس الجمهور، فإنه إذا اكتشف الحقيقة المؤذية صرح بذمها وتنصل منها. لهذا عادة ما يتعلم الجمهور بالحدث، لكن الزعيم المجنون لا يتعلم لا قبل الحدث ولا بالحدث ولا بعده. إلا حين يجد الجمهور قد انفض عنه. هنا يبدأ بتبني ما مال إليه الجمهور شيئاً فشيئاً من أجل العودة إلى ركوب ظهره. ولكن بعد فوات الأوان. أرأيت كيف بدأ كثير من (الوطنيين) منذ أواخر العام الماضي ينطقون على استحياء بلفظ (السنة) أو يتكلمون باسمها! وكنا قبل ذلك بسنين نتحداهم، ونتحدى قنوات الوطنية العراقية مثل الرافدين (هيئة علماء المسلمين) وبغداد (إخوان مسلمون) والشرقية (لا دينية)، ومثل قناة (الجزيرة والعربية) أن يظلوا على (وطنيتهم) ثابتين ويصمدوا أمام الظروف فلا يقولوها حتى لا يصبحوا مثلنا (طائفيين). وقلنا لهم: ستجبركم الأيام على تقيؤِها لأن الاستمرار في مكابرة الحقيقة مخالف للحقيقة. وها هم يقولونها ولكن تقيؤاً مثيراً للغثيان ومتخلفاً عن الأوان.

من جملة المفارقات القاتلة أن الوقائع إذا وقعت، والحقائق إذا تكشفت وتبين للجمهور حجم الخديعة، لا يحسن الجمهور المسكين غير تبديل زعيم مجنون بزعيم مجنون.

دعوتُ على نوري فماتَ فسرَّني
فلما قضى المجنونُ وانثلَّ عرشُهُ
فلما أتى المجنونُ([3]) نحتُ على نوري
بكيتُ على المجنونِ ثمَّ على نوري

أمثلة لمجانين العقلاء

إن أمثلة كثيرة كنيرون وهانيبعل ونابليون وهتلر وموسوليني وستالين وفيدل كاسترو وشاوشيسكو وكيم إيل سونغ وتوني بلير وجورج بوش، وغيرها من الأمثلة التي أمست في ذمة التاريخ قد لا نختلف فيها كثيراً. لكنني أريد أن أشير بيدي إلى مجانين في واقعنا المر يصعب الإشارة إليهم دون إثارة إشكالات فكرية وفئوية أقلها أن يقال: فماذا أبقيت؟! ولبعضهم حسنات تستغرق نظر البعض فلا يرى غيرها، منهم:

  • عبد الناصر وأبو رقيبة والشاه والخميني وصدام والقذافي وبشار وصالح والمالكي. وكل عقيد قوم يشبه هؤلاء وأولئك الذين يصدق عليهم قوله تعالى: (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم:28) من ذوي الأهواء والأدواء والأفكار الخيالية التي بذلوا في سبيل إنباتها في الهواء أنهاراً من الدماء، وحولوا بلدانهم إلى أطلال وأشلاء.
  • الأحزاب الدينية كجماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها، والقاعدة وأخواتها. ومعظم فصائل المقاومة الفاقدة للمشروع، إن لم تكن جميعاً، والأحزاب القومية والليبرالية والعنصرية والإلحادية مثل البعث والشيوعية.
  • كل من يقفز إلى الحل العسكري أو السياسي قبل أن يُحْكِم المشروع المدني. بغض النظر عن أحقيته وغيرته ونخوته. فالجنون لا يلغي الحق ولا الحقوق.
  • جميع فقهاء الفروع، الذين لا يعلمون كثيراً عن فقه النوازل ولا معنى الفقه الشرعي، ولا من هو الفقيه الحقيقي.
  • معظم شيوخ العشائر والوجهاء والأثرياء الذين لا يهمهم سوى وجاهتهم ونفوذهم وأموالهم وشهواتهم.

قبل سبع سنين جمعني مجلس بالشيح حارث الضاري فكان يتحدث بحماس عن الأخوة السنية الشيعية، والشيعة العرب ولا فرق بين سني وشيعي، والبلد الواحد، والوشائج والمصاهرات والدين الذي يشد الجميع بحبله المتين. فقلت له: يذكر المؤرخون أن بغداد تعرضت منذ تأسيسها على يد المنصور حتى الآن إلى (16) احتلالاً، أي بمعدل احتلال واحد كل (80) سنة. وإذا كانت معركة الشيعة معنا في الاحتلال الأخير دارت في العاصمة بغداد، ووصلت أطرافها إلى الفلوجة، وطال بعض شرارها الرمادي: فإننا – إذا بقينا على هذا التثقيف – سنصحو على الشيعة عند الاحتلال القادم، أو قبله بعد أقل من خمسين سنة – لا سمح الله – وهم يقاتلوننا في الفلوجة والأنبار.

يبدو أنني يومذاك كنت متفائلاً كثيراً؛ فبعد سبع سنين فقط – لا خمسين – ها هو قاسم سليماني يتجول في تكريت ويقود المعركة من عقر دار المجنون. ولم يتمكن التكارتة ولا غيرهم حتى من الحفاظ على قبر صدام حسين([4])!

5/3/2015

_________________________________________________________________________________

  1. – انظر الرابط التالي (http://ar.wikipedia.org/wiki) على موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة محيلاً إلى: An interview with Dr. Joseph Merlino, David Shankbone, Wikinews, October 5, 2007.
  2. – المصدر نفسه محيلاً إلى: محمد علي التهانوي، كشف اصطلاحات الفنون ص640.
  3. – المجنون لقب أطلقه العراقيون على عبد الكريم قاسم الذي أنهى الحكم الملكي في العراق سنة 1958.
  4. – لا يعني ذلك نفي ما عند بعض هؤلاء من نوايا صالحة، وأفعال خيرة، وإنجازات قيمة. فالرئيس صدام حسين – مثلاً – حارب إيران ثماني سنين. لكنه فعل ذلك بعقلية مجنون. ولو كان عاقلاً ما كانت نهايته ونهايتنا ما تعلمون! وقس على ذلك.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: