مقالات

المشروع المدني

د. طه حامد الدليمي

أساس الحاضنة الاجتماعية 

إن الذي عليه العمل منذ أكثر من مئة عام، هو القفز إلى القتال أو السياسة دون إعداد الحاضنة الاجتماعية، أي “المجتمع الذي نعيش ونتحرك فيه”، سوى تجارب محدودة هنا وهناك.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نُعِـد هذا المجتمع الذي نعيش فيه؟ أو كيف نهيئ “الحاضنة الاجتماعية”؟ والجواب المباشر بلا تأخير: (المشروع المدني) هو الذي يحقق هذا الإنجاز العظيم، الذي هو المستند الوحيد لقيام “دولة بمفاهيم أمة”.

في (المشروع المدني) فقط يتم تهيئة الإنسان من ناحية الفكر وناحية العمل.

الفكر المرن القادر على التجدد ومواجهة تحديات الحياة بالثوابت والمتغيرات، وتصحيح المفاهيم، والتخلص من الفكر العقيم، أو القديم الذي ما عاد صالحاً أو أمسى ضرراً معوقاً. ثم تحويل الفكر المنضبط بالخلق الشرعي وقواعد السلوك الإنساني إلى برامج عمل ذات هدف منشود وخطة مناسبة تأخذ في اعتبارها القدرات والمعوقات والظرف المحيط: داخلياً وخارجياً. هذا مع المراجعة والتغيير كحق والتطوير كواجب، ثم ترك النهايات مفتوحة لذلك.

بهذا يتم تحويل الشخص العادي إلى إحدى مراتب التأثير الإيجابي الثلاث: قائد أو مدير أو منفذ لبرنامج تجمع بين الواقعية والطموح. وفيه يتحول  الشخص من فرد الى منظومة قيادية. علماً أن كل مرتبة من هذه المراتب عبارة عن فكر وجهد ومال وعناء وزمن، وليست مجرد أسماء وعناوين. فحين نقول “قائد” فهذا يعني عملية استحالة معقدة مجهدة.

 

الخطيب القائد مثالاً

خذ مثالاً على ذلك كيف يتم تحويل الخطيب من خطيب تقليدي قائل إلى خطيب تجديدي قائد، وذلك على وجه الاختصار بما يتلاءم وطبيعة المقال:

الخطيب التقليدي له وظيفتان اثنتان، فإذا زاد فثالثة: إمامة الناس في الصلاة وخطبة الجمعة. والبعض يرتقي فيؤدي محاضرة في بعض الأحيان، أو يقيم احتفالاً في بعض المناسبات. ثم لا شيء بعد ذلك. الخطيب القائد له شأن آخر. شخص علم أن الدين إيمان ونصرة. وكلاهما يستلزم وجود برنامج متعدد النشاطات لتحقيقهما. خذ هذا البرنامج مثالاً:

  • المسجد هو أقوى منظمة مدنية؛ فللمسجد، بالإضافة إلى توفر العنصر البشري ذي الخبرات المتعددة فيه، قدسية تفتقر إليها كل المنظمات المدنية في المجتمع. وللخطيب صفة دينية تضفي عليه هيبة وتأثيراً يفتقر إليه أي مدير لمنظمة أو وحدة اجتماعية.

والسؤال: كيف نستثمر هذه القوة الاجتماعية المتميزة؟

  • يحتاج الخطيب إلى برنامج إعداد مكثف يمَكّـنه من اكتساب المهارات القيادية التي تجعله قادراً على التعامل مع ذوي الخبرات من مصلي مسجده وتحريكهم في شرائح المجتمع.
  • يقسم الخطيب أولئك المصلين حسب تخصصاتهم: فهؤلاء مدرسون وهؤلاء محامون، وهؤلاء أدباء، وأثرياء، ورياضيون، وأطباء… وغير ذلك من الأصناف. علماً أن كل صنف متعدد التخصصات، فمدرس لغة عربية، ومدرس رياضيات، وآخر كيمياء، وغيرها… وهكذا بقية الأصناف.
  • يشكّل من كل صنف منظومة تؤدي نشاطاً اجتماعياً تطوعياً يلبي حاجات المجتمع المحيط. فالمدرس، مثلاً، بدل أن يذهب ويجيء ويتحرك كالبندول، يوجَّه لأن يقوم بتقديم دروس خصوصية مجانية لأبناء الحي سيما الفقراء منهم. والطبيب يعمل منظمة صحية – مهما صغرت – تعالج المرضى وتسعى في حل مشاكلهم الصحية. والمحامي يكوّن منظمة حقوقية تجمع ملفات المظلومين للدفاع عنهم واستحصال حقوقهم. والأديب يؤسس منتدى ثقافياً، ولو بأبسط صوره: كأن يكون قاعة في المسجد، يستقطب فيه ذوي الميول الأدبية من شعر ونثر وخطابة وغيرها. ويلتفت الخطيب إلى صنف آخر يتعاون معه على إنشاء منظمة خيرية تعنى – مثلاً – بتزويج الأرامل والعوانس والعزاب، ورعاية الأيتام. ويستعين بالأثرياء لتمويل المشاريع والأنشطة. بالطريقة نفسها يتم استثمار جهد الرياضي وغيره وغيره.
  • مع تقديم الخدمات يبث العاملون رسالتهم في أوساط من يخدمونهم، ويدعونهم إليها، وينتقون من بينهم من يصلح لضمه إلى مؤسستهم القائدة على اختلاف خبراتهم ومراتبهم ليضيفوهم إليها، مع التربية والتطوير والتنمية.

ولك هنا أن تدرك حجم الكسب الذي يحظى به الخطيب القائد بهذه الطريقة من عوائل وأفراد الحي أو المدينة. وطبيعة ونوع العلاقة الناشئة بينه وبينهم ورقيها وقوة أواصرها!

أين هذا من الخطيب القائل بل القاعد؟

  • إن هذا يفيد الخطيب والمؤسسة التي ينتمي إليها وتشرف على (المشروع المدني)، كتحصيل حاصل، ثلاثة أمور جوهرية تؤسس لقيام دولة قوية مستقرة قائمة على مفاهيم أمة:

الأول: التعرف على الناس الذين في محيطه ومعرفتهم معرفة قائمة على الاختلاط والتجربة والمعايشة المباشرة، بما فيهم من خير فينميه وشر فيعالجه أو يحذره فجتنبه. وهذا يساعده مستقبلاً حين يكون رجل دولة على أن تكون العلاقة البينية مبنية على أساس بيانات علمية صحيحة تمنع الاختراق والتشكيك من طرف جاهل أو مغرض، كما هو شأن الدول التي تتأسس بفعل القوة العسكرية وحدها، فتكون دولاً بوليسية أمنية استبدادية، مهما حاولت أن لا تكون، ومهما رفعت من شعارات: دينية أو علمانية.

والثاني: التفاف الناس حول الخطيب أولاً وحول المؤسسة ثم الدولة المتحولة عنها؛ لأنهم خبروهم وجربوهم فوجدوهم ساعين في علاج مشاكلهم وجلب الخير إليهم. فتكون القيادة قائمة على أساس وثيق من الحب والثقة المتبادلة. فيعطونهم أصواتهم ويبذلون لهم من أموالهم ومهجهم طواعية لا كراهية.

والثالث: إيجاد خبرات مدنية اجتماعية جاهزة تجنباً للوقوع في مطب العجز عن إدارة مؤسسات الدولة حين استلام السلطة في جانبها المدني والأمني والخدمي، أو الحاجة إلى استيراد تلك الخبرات أو إيجادها بطريقة تعسفية.

 

 

قيام الدولة على جمهورها

أرأيتم الفرق بين الخطيب القائل الذي هو نتاج العمل العشوائي، والخطيب القائد الذي هو نتاج (المشروع المدني)؟ هكذا يكون الفرق بين المدرس والمدرس القائد، والطبيب والطبيب القائد، والمحامي والمحامي القائد، والغني القائد، والأديب القائد، والرياضي القائد، وكل صنف من الأصناف الاجتماعية في حالتيه الفردية والقيادية.

بهذه الطريقة الحضارية نصنع مجتمعاً مدنياً وجمهوراً موحداً واعياً ملتفاً حول قيادته، يستعصي على الهزيمة والاختراق ومحاولات التطويع من الأعداء، في غير ما حاجة للعسف والعنف لقيادته وضمان طاعته؛ لأن الدولة قد صنعت مسبقاً جمهورها.

في هذا الجمهور المهيَّــأ مدنياً ينبت الجناح السياسي والجناح العسكري ومنه يخرجان وينموان. فيكون وجودهما ونموهما أمراً طبيعياً قوياً لأنه مستند إلى أساس مكين، ونابع من جذر ضارب عميقاً في تربة المجتمع، ليس من السهل على أي قوة أن تقتلعه وتنهيه.

 

جيل الهزيمة

في غياب المشروع المدني يكون مصيرنا – وقد كان – كمصير بني إسرائيل يوم تاهوا في الأرض أربعين سنة، ولم ينتفعوا بوجود قائد هو من أعظم القادة بين الأنبياء عليهم السلام، الذي جازاه شعبه أذى وعصياناً وعقوقاً.

لقد كان التيه ورشة عمل كبيرة تم فيها تهيئة بني إسرائيل مدنياً وصناعة جيل جديد قادر على تحقيق الهدف. هكذا ظهر طالوت وداود والثلة المؤمنة التي أقامت دولة بمفاهيم أمة. وقد سجل القرآن العظيم ذلك لنستفيد منه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) (الأحزاب:69)، وذلك في سياق تهيئة هذه الأمة لتسلم الأمانة الربانية واستلام زمام قيادة البشرية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:70-72).

ومثل بني إسرائيل مع موسى u كان شيعة الكوفة مع علي t. لم يكن جمهور الكوفة مهيَّــأً كجيل الشام للقيام بأعباء الدولة. لهذا انتصر معاوية على علي رغم أن الأخير أفضل من الأول؛ وذلك بسبب الفرق بين المشروعين. فصاحب المشروع الأفضل يغلب صاحب المشروع المفضول بصرف النظر عن أفضلية الصاحب. ومن لم يكن له مشروع كان ضحية لمشروع الآخرين. وما يغني القائد عن المشروع إن كان ضعيفاً والجمهور إذا كان متخلفاً (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:101-103). وفي ذلك درس عظيم، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

 

جيل النصر

يوم يتم تفعيل عناصر (المشروع المدني)، ويتكامل الربط بين أجزائه جميعاً، يكون قد ولد فينا (جيل النصر)، الذي يستعصي على القوى الخارجية، والداخلية أيضاً، أن تمنعه من الوصول إلى هدفه، أو أن يقطف ثمار جهده بنفسه لنفسه. أو أن يضطر قادته لأن يكونوا عملاء أو أجراء عند غيرهم. وعندها لن يقاتلوا بعد اليوم بالنيابة عن الأعداء – كما هو الحال التي وجدنا عليها أمتنا منذ مئة عام – ولن يكونوا ضحية لمشاريع الآخرين. وهذا بعد عناية الله تعالى ورعايته. وما ذلك على العاملين المخلصين ببعيد.

12/3/2015

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: