مقالات

الانحيازية في كتابة التاريخ (2) منهجية أحادية وأدلة واهية

د. طه حامد الدليمي

مخالفة المنهج القرآني في عرض التاريخ

إن الطريقة (الوعظية) التي اتبعها د. علي الصلابي في عرض التاريخ – إضافة إلى ما سبق – طريقة ذات نظرة أحادية تقتصر على جانب الإيجاب ثم تضخمه وتضيف إليه مع حذف ما يتعارض معه من سيرة المترجم له. وهذه منهجية مخالفة تماماً لمنهجية القرآن الكريم المتكاملة في عرض سيرة العظماء من الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام وغيرهم. القرآن يعرض الصورة كاملة بما فيها من إيجاب وسلب. القرآن جاء لبشر على الأرض، يعرض لسيرة بشر كانوا على الأرض، ولم ينزل لملائكة في السماء حتى يطرح عليهم صورة ملائكية لسيرة ملائكة. هذا مع دعوى د. الصلابي (ص8) بقوله: (إن المنهج الذي سرت عليه في الدراسات التاريخية هو المنهج القرآني في عرض القصص، ولذلك اهتممت بإبراز صفات القادة والمسائل العقدية والأصول التي تقوم عليها الدول وتحيى بها الشعوب، ولنضرب على ذلك مثالاً في ذكر نبي الله داود u). وتكلم عن النبي داود u. لكنه اجتزأ المنهج القرآني في ذكره لسير الأنبياء، فلم يعرض إلا ما يتطابق مع منهجيته الأحادية، لا المنهجية المتكاملة للقرآن الكريم. والعجيب أنه احتج بما هو حجة عليه في اختلال منهجيته الأحادية؛ إذ ذكر الآيات التي قصت موقف نبينا داود u مع الخصم إذ تسوروا المحراب، ولم يبرز الغاية الأساسية من القصة، وهي تعليم سيدنا داود u البعد عن التسرع في الحكم الذي بدر منه حين سمع حجة أحد الخصمين فأجابه من فَوره قائلاً: (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)، وذلك قبل أن يستمع إلى حجة خصمه. وهي التي بسببها قال تعالى: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ) (ص:24). هذه هي طريقة القرآن الكريم تتناول الأمرين حتى يمكن للإنسان العادي الاقتداء به في الحالتين. وقد خالفها د. الصلابي تمام المخالفة في عرضه لتاريخ العثمانيين في كتابه عن (محمد الفاتح). وتزداد صورة الاختلال وضوحاً حين تقارنها بما كتبه عن تاريخ الأمويين في كتابه عن (عمر بن عبد العزيز)!

 

اعتماد وصايا الأموات والأدعية والمنامات

اعتمد د. الصلابي في تمجيد سلاطين بني عثمان منهجية غير علمية؛ لأن مبناها على أدلة في غاية الوهي مثل الوصايا التي ذكرت عن كل واحد منهم عند موته، وقد ركز عليها كثيراً وأسرف في شرحها واتخاذها قاعدة يستند إليها في بيان وإثبات أن ما مذكور في الوصية كان هو منهاج حياة الخليفة الموصي ودستوره الرسمي وسلوكه العملي في حكمه وإدارة شؤون الدولة طيلة حياته. واعتماد وصايا الموتى على أنها تمثل حياة الميت، لا سيما إن كان حاكماً، شيء يثير الاستغراب؛ فالمعروف عن الإنسان أنه حين تدنو منيته يتخير في تلك الحال أفضل الكلمات وأرق العبارات توسلاً إلى الله، ويعلن توبته وأوبته إليه. ويوصي بأفضل ما يمكن تقرباً إلى من سيكون بعد ساعة بين يديه، ويحمّل خلفه من أحمال وأثقال الوصايا ما لم يكن هو عاملاً – ربما – بعشر معشارها أثناء حياته! ثم نحن لا ندري ما مدى موثوقية هذه الوصايا، سيما وأنها رويت بصيغ مختلفة. وإليك بعض الشواهد على هذه المنهجية غير العلمية:

في (ص20) تحت عنوان (ثانياً: الدستور الذي سار عليه العثمانيون) رسم لنا صورة زاهية حالمة لذلك الدستور، لا يمكن لأرقى خيال يريد وصف أعظم وأعدل وأحكم وأرحم وأشمل دستور أن يتمكن من رسمه على هذه الصيغة! قد يتصور القارئ أن الكاتب استند في ذلك إلى ملفات وزارة العدلية، أو ما شابهها من الوثائق. أبداً، إنما هي (وصية  عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت)، ومنها أخرج ذلك الدستور! عقب عليها قائلاً: (ونستطيع أن نستخرج الدعائم والقواعد والأسس التي قامت عليها الدولة العثمانية من خلال تلك الوصية). واستمر يشرحها ويستخلص منها تلك “القواعد الدستورية” في  اثنتين وعشرين (22) صفحة، من ص20- ص41!

ومن الوصايا التي اعتمدها دليلاً في ذلك وصية السلطان (محمد الفاتح لابنه وهو على فراش الموت) والتي يعقب عليها الدكتور الصلابي بقوله: (تعبر أصدق التعبير عن منهجه في الحياة، وقيمه ومبادئه التي آمن بها والتي يتمنى من خلفائه من بعد أن يسيروا عليها). استغرقت الوصية والتعليق عليها تسع عشرة (19) صفحة، من ص154-172! في مبحث كامل أفرد له عنواناً خاصاً هو (المبحث السابع وصية السلطان محمد الفاتح لابنه).

لا يمكن اعتبار الوصايا – وإن صحت – مصدراً علمياً في التعرف على دساتير الدول؛ إنما تطلب تلك الدساتير في مظانها من ملفات وزارة العدلية وتوابعها من المحاكم وما شابه ذلك. ولا وصايا الأموات المكتوبة مهما كان مصدرها: فرداً عادياً، أو سلطاناً حاكماً، دليل على أن الموصي كان يسير على هدى وصيته في حياته، فضلاً عن دولة بل إمبراطوية.

ثم نجد المؤلف يعتمد – بعد وصايا السلاطين – على الأدعية التي تنسب إليهم أثناء الحروب، وأمثالها من الطرق غير العلمية في الاستدلال على صلاح سلاطين بني عثمان، وأن ما يرد فيها كان منهاجاً للحكم العام والحياة الخاصة. وهذه الأدعية طويلة ولم يكن في زمانهم أجهزة تسجيل حتى تقيد نصوصها، والراجح أن الداعي – وهو السلطان – في تلك الأحوال إنما يرتجل دعاءه ولا يكتبه في ورقة يقرأها. فكيف حفظت أدعيته والأمر على هذه الحال؟ ثم إن تعدد روايات الدعاء الواحد يدل على اضطرابها وذلك دليل ضعفها. كما في دعاء السلطان مراد وشرحه الذي استغرق ما يقرب من أربع  صفحات، من ص52 – ص56! وفي (ص54) ينتهز دعاءً للسلطان مراد في إحدى معاركه ليقول: (إن هذا الدعاء الخاشع دليل على معرفة السلطان مراد الله عز وجل وعلى أنه حقق شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله). ولقد اجتمعت شروطها في سلوكه وحياته…). ثم راح يشرح شروطها من العلم واليقين والقبول والصدق والإخلاص مستشهداً بالآيات والأحاديث! ومضخماً بها من حجم الكتاب.

وفي هذا الإطار الوعظي نجد د. الصلابي يصدق أحلاماً ربما وضعت ورويت لأهداف مقصودة، وهي توضع لكل عظيم حتى جنكيزخان. فالعقلية الشعبية ترى في العظماء أنهم طراز خارق ليس من جنس البشر العاديين، فتروح تنسج حولهم الأقاصيص والأساطير. ففي (ص26) يذكر أن الأمير عثمان كان على صلة متينة مع كبار العلماء والفقهاء وكبار الصالحين، ومنهم المولى (إده بالي) القرماني، (كان في أحد الأيام يبيت عنده، فرأى في المنام قمراً خرج من حضن الشيخ ودخل حضنه، وعند ذلك نبتت شجرة عظيمة سدت أغصانها الآفاق، وتحتها جبال عظيمة تتفجر منها الأنهار… فقص هذه الرؤيا على الشيخ، فقال: لك البشرى، بما نلت من مرتبة السلطنة، وينتفع بك وبأولادك المسلمون، وإني زوجت لك ابنتي هذه). وبدل أن يستطرد الصلابي متمحلاً الأعذار لإثبات صحتها كان الأولى به أن يفهم مثل هذه المرويات على أنها تتساوق مع المنهج الصوفي الذي كان الخط العام لدى علماء الدولة منذ نشأتها. وربما كان من سماهم الصلابي بالعلماء كلهم على شاكلة إده بالي صاحب المنامات. وشبيه بذلك تقريباً ما يروى في إحدى معارك السلطان مراد، إذ يقول الصلابي (ص52): (ومن الموافقات التي تذكر أن وزير السلطان مراد الذي كان يحمل معه مصحفاً فتحه على غير قصد فوقع نظره على هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (الأنفال:65) فاستبشروا بالنصر واستبشر معه المسلمون).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: