مقالات

عاصفة الحزم .. إلى أين ؟

د. طه حامد الدليمي

استيقظ العالم صبيحة يوم أمس على حدث كبير كنا ننتظر مثله منذ سنين متمنين غير جادين؛ لأن العرب عودونا على تلقي الضربات وإطلاق البيانات، وإيران تقضم أقطارهم قطراً بعد قطر منذ أن احتلت الأحواز في 18/4/1924 حتى سقوط صنعاء بيد الحوثيين في 21/9/2014. وبين هذا وذاك جاس أحفاد كورش خلال بيروت وبغداد ودمشق متطلعين إلى مكة والمدينة. لكن الأمنية تحققت لتقود السعودية حلفاً عربياً إسلامياً لقطع يد إيران في اليمن في معركة أسموها (عاصفة الحزم) اشتركت فيها – بالإضافة إليها – تسع دول (الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن والمغرب ومصر والسودان وباكستان). وتساءلت: أين العراق الذي كان على مر التاريخ في مقدمة المتصدين للفرس؟ وثنيت بسوريا. فجاء الجواب: ألا تعلم أنهما تحت المطرقة الشيعية الفارسية؛ فعلام تسأل؟!

 

استشراف الحدث .. ودلالاته

ليس استشراف الحدث رجماً بالغيب، وإنما نظراً في الواقع مع استحضار عناصره ببعديها المادي والمعنوي، ثم إطلاق النظر لتلمس امتداده بخطوطه العامة إلى ما وراء الأفق.

في اليوم التالي لسقوط صنعاء بيد الحوثيين قبل ستة أشهر كتبت في صفحتي على (تويتر) هذا النص: “من بين غبار المعركة يلوح في أفق المستقبل النهاية المخيفة التي تنتظر الشيعة ومن ورائها إيران يوم تبلغ تداعيات التوسع الأفقي آمادها ليتردوا في نفق السقوط العمودي! واليمن ليست صعدة فعمران فصنعاء، إنما دون ذلك بحر من الأرض والبشر. والسنة هم الأمة غير أنها تنظر الآن إلى ما يحدث من تغول الشيعة بتثاؤب، وعقلية تقليدية لا ترى في الكون غير قضية واحدة قيل لها: إنها “القضية المركزية”. فهي في حاجة – لكي تستيقظ وتنتبه وتنتفض – إلى (سياط القدر) عبر دريلات وبراميل الغجر. وها هي قادمة إليهم؛ فويل للعرب – إن لم يثوبوا – من شر قد اقترب!”.

ونفق السقوط العمودي هو الذي ينتظر إيران وشيعتها، ما داموا يتوسعون أفقياً على مساحة هم غير قادرين على تثبيتها عمودياً. فالتوسع لا يعني سوى شيء واحد هو قرب نهايتهم. لكنهم حمقى. ومقتل الشيعة في حماقتهم.

وليست حماقة الشيعة غباء منهم؛ فهم لا يختلفون عنا في أصل الخلقة، بل يزيدون علينا في هذا المجال بتغذية ما في أدمغتهم من ذكاء بالخبث والمكر والحيلة واستحلال ما لا نستحله فطرة وطبيعة وتديناً. الحماقة الذي تميز بها الشيعة تأتي نتيجة تلقائية لطغيان عناصر (الشخصية الفارسية) من حقد وشعور بالاضطهاد والمظلومية ورغبة جامحة بالثأر والانتقام، على نتائج الفكر بما فيه من مكونات أساسية ومضافة. يعرف ذلك كل من درس هذه الشخصية في مظهرها الفردي والجمعي، ومارسها على أرض الواقع. ونتيجة لهذه الشخصية المعبأة بتلك المكونات الشاذة يجد الشيعي نفسه مضطراً للانسياق وراء دوافع النفس أكثر من دواعي الفكر. فتراه فاحشاً في عباراته متوحشاً في تصرفاته. وهذا يؤدي إلى استفزاز الآخر ولا بد، لكنه في البديئة لا يتصور مدى عمق دلالة ما يسمع ويرى فيتأخر في التعبير عن ردة فعله؛ وهذا التأخر يؤدي إلى تمادي الشيعي أكثر في قوله وفعله. وهكذا حتى لا يترك لخصمه من خيار سوى مهاجمته لحماية نفسه؛ فيقع الشيعي في الفخ الذي لا مخرج له منه.

 

توقعات الحدث

أفرزت تلك الشخصية المعقدة نتاجات فكرية غبية.

عقدة النقص الشيعية تجعل الشيعي في حاجة إلى المنقذ السحري، فكان (المهدي) في مخيلته وكان (المرجع) في واقعه تعبيراً عن تلك الحاجة النفسية، كما كان المحتل الذي يستدعيه، وإيران التي تحميه وجهاً آخر لذلك التعبير. وفي كل مرة تخذله إيران، لكنه لا يحس ولا يعتبر، ولا ينتبه إلى أن عامة حروب إيران تخوضها بالمكر والخديعة والنيابة عن طريق الشيعة أو غيرهم من الحمقى كالأمريكان، ما لم تضطر إلى المواجهة. فإن واجهت فالهزيمة عادة ما تكون هي النهاية المحتومة؛ وهذا هو شأن المعقد يفكر بنفسه لا بعقله؛ لذا يتكرر سقوط الشيعي في الفخ وحده، بينما إيران تتفرج عليه.

من إفرازات الاستغباء الشيعي وإسقاطاته توهمه أن كل لين أو إحسان أو تقرب يصدر من الآخر فمبعثه الضعف؛ وهذا يزيده تمادياً.

هكذا تمادى الحوثيون حتى وصلوا بحماقاتهم خليج عدن وباب المندب. وهذا يتجاوز الخطوط الحمر حتى لدى أمريكا. وأخذوا يهددون السعودية ويصرحون بأن غايتهم لن تنتهي دون مكة والمدينة. لقد حصرت السعودية بين شيعة العراق من الشمال، واليمن من الجنوب وإيران من الشرق، وها هو البحر الأحمر يكاد يحصرها من الغرب، ويحاصر مصر وغيرها ويضعف واردات قناة السويس. هذا شيء غير مسموح به البتة؛ فكانت العاصفة ردة فعل متأخرة لا يتوقعها الشيعي بحمقه، لعربي يبقى يتأول ويتباطأ ولا يريد أن يفهم الخطر على حقيقته حتى تصل النار إلى عباءته.

في ضوء ما ذكرناه سابقاً نأتي إلى توقع ردود الفعل الإيرانية، فيمكننا القول: إن إيران لن تفعل شيئاً كثيراً لشيعة اليمن. فإذا وضعت في حسابك كونها مستنزفة اقتصادياً بسبب حماقاتها في (تصدير ثورتها)، صار هذا التوقع في حكم المؤكد. ولنا في البحرين شاهد يوم دخلها (درع الجزيرة)، فلم يجد الشيعة هناك من وعود إيران سوى الصياح والاستنكار. نعم قد تستخدم خلاياها الشيعية في المنطقة، ولكن يبقى ما يمكن أن تفعله تلك الخلايا حوادث جزئية لن تغير من النتيجة شيئاً مذكوراً.

أرجح أن حلم إيران في اليمن في طريقه إلى التبخر، وأن أفعى الحوثيين ستعود إلى كهوف صعدة وتنحصر هناك، كما حصرت إيران اليوم براً وبحراً وجواً. وهنا ينبغي على القوى السنية اليمنية أن تستثمر الحدث لتحقيق ذلك الهدف وتحويله إلى واقع ملموس قبل أن يحدث ما لا نتوقع – وكل شيء وارد – فيقع ما لا نريد. وأن لا يركبهم جنون الوحدة فيتوقفوا عن مشروع الأقلمة الذي شرعوه قريباً؛ فهو خير حل للتناقضات الدينية والعرقية والثقافية ليس لليمن وحدها، وإنما لكل دول العرب.

لا أستبعد أن تمتد المعركة إلى سوريا لإنهاء حكم بشار. لكن ما أخشاه أن تتوقف عند حدود اليمن. ويمكنني أن أتشاءم أكثر فأقول: ما أخشاه أن ينتهي الحدث عند الحوار مع الحوثيين على وضع سياسي يكون هؤلاء المجرمون جزءاً منه. وهذا ما يطبل له المتخلفون والمرتشون وأزلام إيران المتسترون بالوطنية ووحدة التراب وغيرهما من الشعارات الفاقدة للصلاحية مع الشيعة أينما كانوا وحلوا.

 

لا حرج في الأماني

أتمنى أن تتحول المعركة من فعل عسكري مجرد إلى نقطة تحول في وضع العرب السياسي يكونون فيه قطباً مؤثراً يحسب له حسابه في الموازنات الدولية، أو في المنطقة على الأقل. وينتقلون من موقف دفاعي إلى موقف مبادر فيسندون العرب في الأحواز والبلوش في شرق إيران والكرد في غربها لتمزيق هذه الدولة الشريرة وإشغالها بنفسها. وإن كان هذا هو المطلوب أن يكون.

لن أتمادى في الأماني أكثر فأتخيل المعركة قد طالت العراق إنقاذاً لسنته. وإن كان هذا هو الواجب على العرب بحكم العقيدة وحكم المصلحة. فليس باب المندب أغلى من الدين. ثم ماذا يبقى لدى العرب إذا ذهب العراق؟ إن رأس الأفعى في العراق؛ فما لم يضرب الرأس لن تعود المنطقة إلى سابق عهدها من الهدوء والاستقرار.

ولن أحلق في أجواء الأماني أكثر وأكثر فأتصور عرب المشرق اليوم قد اتخذوا من (السنية) هوية لهم، وانتهوا إلى وضع سياسي يعزلون فيه الشيعة بأقاليم، ثم يبدأون بحملة تسنين لهم. إن هذا يحتاج إلى جيل جديد خلصه صوت الشرع وإلا فسوط القدر من ثقافة متخلفة عاث فيها الفكر الإسلاموي والقومي والليبرالي إلى ثقافة ربانية سنية عروبية، يتحقق على يده منصب الشهادة على البشرية مرة ثانية بعد أن فقدتها الأمة منذ زمن طويل تاهت فيه على موائد الأمم كما تاه بنو إسرائيل.

27/3/2015

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: