مقالات

تعالوا بنا نؤمن ساعة .. ما حد الإخلاص وحقيقة الرياء ؟

د. طه حامد الدليمي

“هيا بنا نؤمن ساعة، فإن القلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً”.. كلمات رويت عن شهيد (مؤتة) عبد الله بن رواحة قالها لأخيه أبي الدرداء رضي الله عنهما. وروي مثلها عن معلم اليمن والشام معاذ بن جبل: “اجلس بنا نؤمن ساعة”، مخاطباً صاحباً له.

تعالوا بنا نؤمن ساعة مع أصل الدين ولباب التوحيد وعليه مدار قبول الأعمال. ونجلس قليلاً على مائدة (الإخلاص)، لنتناوله من جوانب جديدة بقيت خفية على جمهور الناس، وتسبب هذا الخفاء بمشاكل إيمانية ونفسية لم تجد لها حلاً لديهم. عسى أن نكون قد وفقنا إلى وضع اليد على العقدة ثم القيام بحلها بالطريقة الصحيحة.

الإخلاص هو إرادة المسلم وجه الله تعالى وحده بعمله. يقول تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3). ويقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110). وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب  قال: سمعت رسول الله  يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

لكن الإخلاص – كما قال العلماء – شاق على النفس؛ لأنه يمنعها نصيبها العاجل من العمل. يقول يوسف بن الحسين: “أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهدُ في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر”. ويقول سفيان الثوري: “ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ”. ويقول يوسف بن أسباط: “تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد”.

وما يهمني هنا أمران: الأول: بيان حد الإخلاص، حتى يستقر قلب المسلم ولا يبقى حائراً مضطرباً تتناوشه الوساوس فلا يدري أمخلص هو في عمله أم لا ؟ والثاني: استحضار عظمة شهادة (لا إله إلا الله) عند المساومة بين ما يرضي الله وما يرضي النفس في سخطه، بطريقة عملية تسهم في تفعيل مبدأ الإخلاص في حياة المسلم.

1. حد الإخلاص وحقيقة الرياء

أما حد الإخلاص فأرى – والله أعلم – أن على العامل أن يسأل نفسه قبل الشروع بأي عمل السؤال التالي: لو لم يطلع أحد على ما عملت هل أعمله أم لا؟ فإن أجاب بالنفي فهو من المرائين؛ وعليه تصحيح النية. وإن أجاب بأنه يقوم بالعمل سواء اطلع عليه الخلق أم لم يطلعوا فهو مخلص، ولا يضره ما بعده من شعور بالارتياح لمدح الناس وشعور بالانزعاج من ذمهم؛ فالامتناع عن هذا الشعور ليس بمستطاع، ولا تكليف بما لا مستطاع. ومن قال بأن حد الإخلاص هو أن لا يفرح بمدح ولا يحزن لذم فقد قال بما لا يتصوره. وهو من شطحات التصوف.

هذا ما انتهى إليه بي التحقيق بالتأمل الطويل في هذا الموضوع الخطير. ودليلي عليه طلب نبينا إبراهيم  الذي جاء في قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ) (الشعراء:84). قال الشوكاني في (فتح القدير): أي اجعل لي ثناءً حسناً في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. وقال الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير): قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله، وهو الثناء الصالح.

وكذلك ما ورد في (الصحيحين) عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : (قال الله تعالى: كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ). زاد مسلم: (يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي). مع أن الصائم قد يتحدث بصيامه ويفرح بمن يمدحه عليه. لكنه إذا خلا بنفسه يمتنع عن إتيان المفطرات وإن لم يره أحد؛ خوفاً من الله وتعظيماً لشأنه وابتغاء ما عنده بصومه. فهو يصوم على الحالتين إن علم به أو لم يعلم. وهذا دليل على أنه ترك شهوته لله لا للناس. ولو كان مثل هذا مرائياً بمجرد إطْلاع الغير على العمل، أو الفرح بثناء الغير عليه بسببه، لم يمتنع عن المفطرات إذا خلا بنفسه. وذلك من معنى قوله تعالى: (يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي). ولا يعارضه ما ورد في صحيح مسلم من قوله: (كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ لَهُ يُضَاعفُ الحَسَنَة بعَشرِ أمثالِها إلى سَبْعِمئِة ضِعْفٍ، قَالَ الله تعالى إِلاَّ الصَومَ فإِنه لِي وأَنَا أجْزي به يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي). فإن زيادة المضاعفة لأجل تميز الصيام عن باقي العمل بالإخلاص المعلوم المجزوم به، وليست تفسيراً لخصوصية نسبة الصيام إلى الله تعالى. على أن المضاعفة بعشر أمثال الصيام وردت في حديث يرويه مسلم وغيره عن أبي أيوب  أن رسول الله  قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر). وجاء مفسراً بقوله : (جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة)( ). وقال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين.

ما معنى ستر الأعمال إذن ؟

وما ورد عن بعض الصالحين من تعمد ستر أعمالهم الصالحة، فهو – والله أعلم – من باب التحوط وتسييج الأعمال وحراستها بالأقفال زيادة اطمئنان على حفظ أجرها، كما يتوثق المرء من باب داره بزيادة باب آخر ووضع أكثر من قفل. وعليه تحمل الروايات في ذلك، إن صحت، وليس ببعيد صحة بعضها: كما روي عن سُرِّيِّة للربيع بن خثيم أنه كان يدخل على الربيع الداخل وفي حِجره المصحف فيغطيه. وجاء عن الأعمش أنه قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل نام على فراشه. وجاء عن سهل بن منصور أنه قال: كان بِشر يصلي، فيطوّل ورَجُل وراءه ينظر، ففطن له، فلما انصرف قال: لا يعجبك ما رأيتَ مني، فإن إبليس قد عَبَدَ الله دهراً مع الملائكة. وروى الإعلامي فهد السنيدي أنه طلب لقاء من الشيخ محمد بن سبيّل ليتكلم عن سيرته فقال: يا فهد، سيرتنا وأعمالنا الظاهرة هذه يعرفها الناس، وأما أعمالي الخفية فلا يمكنني أن أتحدث عنها. ويشير إلى ما قلت ما روي عن عون بن عبد الله في نصيحة للمتصدقين والمنفقين: “إذا أعطيت المسكين فقال لك: بارك الله فيك فقل أنت: بارك الله فيك، حتى تخلص لك صدقتك.

ومن جميل ما ورد في ذلك ما روي عن عبدة بن سليمان المروزي قال: “كنَّا في سَريَّة مع عبد الله بن المبارك في بلاد الرُّوم، فصادفْنا العدوَّ فلما التقى الصفان خرج رجلٌ من العدوِّ فدعا إلى البراز، فخرجَ إليه رجلٌ فقتله ثم آخرُ فقتله. ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعةً فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فكنت فيمن ازدحم إليه؛ فإذا هو يلثم وجهه بكُمِّه! فأخذت بطرف كُمِّه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يا أبا عمرو ممَّن يُشنِّع علينا؟!

2. استحضار عظمة ( لا إله إلا الله ) عند المساومة

روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي  قال: (إن نبي الله نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصٌّ عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين. آمرك بـ( لاإله إلا الله ) فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كِفة ووضعت لا إله إلا الله في كِفة رجحت بهن لا إله إلا الله)( ).

إن هذا الحديث العظيم يرسم للمسلم منهاجاً عملياً لالتزام جناب الله جل شأنه في كل ما يعرض له من فتن تستزله عن طاعة الله إلى اتباع هواه رغبة ورهبة. قد يُعرض عليك منصب كبير: رئاسة أو وزارة أو نيابة وما شابه ذلك، لكن في معصية الله ونسيان حق الناس في هذا المنصب. وقد تضعف وتتردد وتميل. فاصنع ما يلي:

1. تخيل أمامك كفتي ميزان.

2. ضع المنصب في إحدى الكفتين، ثم ضع (لا إله إلا الله) في الكفة الثانية.

3. اسأل نفسك: أي الكفتين أثقل؟ ثم اختر ما شئت منهما.

4. انظر في حقيقة الصفقة: هل هي رابحة أم خاسرة؟ وما مدى الربح أو الخسارة؟

ستجد على الدوام أن الصفقة الرابحة في الكفة التي فيها (لا إله إلا الله). ولا يماري في هذا إلا ملحد. اتبع هذه المنهجية في كل ما يعرض لك أو عليك، ستجد طاقة كبيرة دافعة في الاتجاه الصحيح. وأنت بعد ذلك بالخيار. ولا أرى مسلماً عاقلاً يختار إلا الكفة التي فيها شهادة التوحيد؛ فهي أثقل الكفتين بما لا مجال فيه للمقارنة!

هكذا تثقل كلمة (لا إله إلا الله) في موازين الآخرة، لثقلها في ميزان قوم في الدنيا، وتخف لخفتها في ميزان قوم آخرين. كما جاء في وصية أبي بكر الصديق  عند موته حين قال: (إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فِي الآخِرَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ فِي الدُّنْيَا وَثِقَـلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إِلا حَقٌّ أَنْ يكون ثقيلاً. وإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فِي الآخِرَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي الدُّنْيَا وَخِفَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إِلا بَاطِلٌ أَنْ يكون خفيفاً).

29/4/2015

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: