التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

درة ( النخيب ) والفحام الأعمى

د. طه حامد الدليمي

Untitled

القائد لا يكون قائداً ما لم يكن كلي التفكير، لا تشغله الجزئيات عن نظمها في سياقها الذي انتظمت فيه، وقانونها الذي تمخض عنها، وغايتها التي ترمي إليها. والعامي مقصور النظر في الجزئيات عن الكليات.

فإذا تسنم دفة القيادة أصحاب العقول العامية التجزيئية أمسى من يقودهم صيداً سهلاً للأعداء، الذين يدركون سذاجة تلك (القيادات) فيلوحون لهم بجزئيات تافهة المحتوى توريطاً لهم في مسار خاطئ. وأقول “تافه المحتوى” مراعاة لاحتمال أن يكون الإطار عظيماً أو مقدساً. إيران – مثلاً – ترفع شعار (القدس)، والحوثيون يرفعون شعار (الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل).

الحركة والسياق

الحياة حالة مزدوجة، قوامها حركة وسياق يلتقيان فيكونان معنى واحداً هو محصلة الجمع بينهما. ودون هذا الجمع لا يمكن فهم ما تعنيه حقيقة الحركة. الحركة في سياق تعني شيئاً مختلفاً عنها في سياق آخر. فتفسير أي حركة خارج نطاق سياقها عماء، والبناء عليه تخبط وضلال. الصلاة كحركة، ما لم تكن في سياق الإخلاص ليست بصلاة، ولا تقبل من الله جل في علاه. إنها شبكة لاصطياد المغفلين، أو سحب ألسنة المداحين. وأن تركب قطاراً تريد بغداد ينبغي أن يكون موضوعاً على سكة متجهة إلى بغداد لا إلى طهران.

هكذا خسرت المقاومة العراقية المعركة لأن قاطرتها كانت موضوعة على سكة مقاومة الأمريكان لا مقاومة الشيعة وإيران! حركة صحيحة في سياق خاطئ. بل كانت حرباً بالنيابة عن إيران! وحروب النيابة صورة جلية لمخالفة الحركة للمسار.

وهكذا ربح الشيعة الدولة، والكرد الإقليم في سياقهم إلى الدولة؛ لأن جهود كل منهما كان في سياق الهوية والقضية الخاصة، بينما خسر السنة لأنهم في زمن الطائفية والضعف عملوا في سياق الهوية والقضية العامة. والضعيف لا يمكن أن يقوى وينمو في زمن طائفية القوي ما لم يتمحور حول ذاته وهويته. السنة قاطرة جيدة لكن على سكة خاطئة، بينما الشيعة قاطرة سيئة لكن على سكة صائبة.

عندما خرجت قاطرة السنة عن السياق

قبل خمس سنوات ذهبت إلى الشيخ عبد الملك السعدي أعزيه بوفاة أخيه الشيخ عبد العليم رحمه الله. وكان المتهم بقتله هم الشيعة. قال الشيخ عبد الملك: لماذا يكون مدير شرطة (الرمادي) رجلاً من (العمارة)([1])؛ هل خلت الرمادي من الرجال؟ قلت له: يا شيخ، لو صرحت بكلامك هذا في وسائل الإعلام لكنت في هذه الحال طائفياً يفرق بين ابن العمارة وابن الرمادي والعراق وطن الجميع. لكن لو طالبنا بحقنا الدستوري فأصبحت الأنبار (إقليماً) لما كان من حق الحكومة أن توظف أحداً في الرمادي من خارج (الإقليم). عندها يصبح الاعتراض على تعيين مدير الشرطة المذكور من حقك وحق كل معترض طبقاً للقانون؛ فلن تتهم – والحالة هذه – بالطائفية. ولن يتسلل طائفي باسم الوطن الواحد ليعبث بأمننا باسم الحفاظ على الأمن. لكنكم من جهة ترفضون الفدرالية، ومن جهة تعترضون على أمر لا يصح الاعتراض عليه إلا ضمن تكييف الفدرالية؛ ولا يستقيم هذا مع هذا. ارسوا على بر يرحمكم الله.

واليوم أعزي الشيخ عبد الملك وكل الوطنيين مقدماً بقرب وفاة قضاء (النخيب)، التي يذبحها الشيعة بسكين الوطنية وبسملة الوطنيين!

وإني لأعجب أشد العجب من إصرار الرموز السنية على احتضان جيفة الوطنية حتى امتلأت أجواؤنا وأصقاعنا بوباء الشيعة. وأعجب من هذه الرموز التي ما زالت تنفخ في قربتها المثقوبة، ولا تفقه أن هذه القربة المتفسخة وراء خراب ديارنا واحتلال مدننا. فيخرجون على الشاشات بملابسهم المكوية المهفهفة وغترهم البيضاء المرفرفة وعمائمهم المفوفة، منهم من يهدد بقطع اليد التي تمتد إلى (النخيب). ولا أدري هل ثمت سكينة بهذا الطول الذي يمكّـنها أن تقطع من (أربيل) يداً تمتد إلى أقصى (الأنبار) على تخوم (السعودية)! ومنهم من يتحول إلى واعظ ديني وناصح أخوي، أتدري لمن؟! لمن بحكم الدين يقتلهم ويستبيحهم! ومنهم من يتقمص ثياب خبير القانون ليسرد على مسامعنا (قانون رقم كذا الصادر في سنة كذا). وأنا لا أعلم قانوناً يمنع حكومة من أن ترسل قوة أمنية إلى أي منطقة داخل حدود سيادتها، أو إجراء تغيير إداري فتخرج ناحية من حدود قضاء لتلحقها بقضاء آخر. وقد حدث هذا في العراق مرات. كانت صلاح الدين جزءاً من بغداد فصارت محافظة مستقلة عنها، وكانت دهوك تابعة للموصل ثم استقلت إدارياً عنها.

أمر واحد يجعل الحكومة معتدية، ويسمح لكم أيها الوطنيون بمخالفتها ومحاسبتها وردعها. أتدرون ما هو؟ الفدرالية لا غير! أنتم – أيها الوطنيون! – حركة خارج سياق القانون. وصحة الحركة خارج سياقها الصحيح يحرمها من الصحة؛ صحة الحركة من صحة سياقها. لا بد لكل تصرف من تأطير قانوني. فضمن أي إطار ترعدون وتهددون؟! أما شبعتم من رعود المنصات؟! بينما الحكومة المركزية تتصرف حسب السياق الدستوري؛ وهكذا تنفذ على رؤوسكم كل حركاتها الخاطئة. أنتم خارجون على القانون أيها الوطنيون! كما كنتم خارجين عليه في (حراككم)، لكن لا تفقهون. والأمر يسير لو أردتم ذلك، لكن – كما يبدو – لا تريدون.

الحراك الشعبي = الحشد الشعبي

لقد ضيعتم فرصة تاريخية لن تعود يوم جبنتم فسميتم الحراك بـ(الحراك الشعبي)، ولم تجرؤوا على تسميته بـ(الحراك السني). ولو رفعتم الراية السنية وتكلمتم باسم الهوية السنية لأرضيتم أولاً ربكم، وصنعتم قضيتكم بالتفاف الجمهور السني حولكم، ومن أبى فإلى حيث. ودولتم قضيتكم فكان العالم معكم. ثم تقدمتم طبقاً للدستور فأقمتم إقليمكم وحميتم دينكم وأعراضكم وكرامتكم وأنفسكم وأموالكم. فإن أبت الحكومة إلا الأخرى كنتم قد أعددتم العدة فخضتم حربكم التي لن يلومكم أحد عليها، ومعكم جمهوركم، وقبل ذلك كنتم مع الله تعالى فكان معكم يكلأُكم وينصركم.

لكنكم ظللتم سادرين في غيكم الوطني، وأنتم لا تفقهون أنكم تعملون في سياق عدوكم. الوطنية حركة لكن أصبحت اليوم في سياق مصلحة الشيعة؛ لهذا أسمى الشيعة حشدهم الشيعي الطائفي بـ(الحشد الشعبي)؛ لأنهم يعلمون أن الوطنية حركة في سياق الطائفية الشيعية. هل تذكرون حين أرسل الشيعة إلى منصاتكم بعض ثعالبهم الوطنية على ماذا كانوا يركزون؟ وبم كانوا يهتفون أيها الأغبياء؟! “نعم نعم للعراق.. كلا كلا للفدرالية.. كلا كلا للتقسيم”! هل فقهتم الآن عمق غبائكم أم ما زلتم تكابرون؟!

من كان منكم يريد أن يفقه سيعلم أن (الحراك الشعبي = الحشد الشعبي) في معادلة السياق. فكان الحراك في صالح الشيعة كما هو الحشد. وكانت المقاومة في صالح الشيعة كما هي السياسة. وكان الداخل في العملية السياسية كما هو المقاطع لها سواء بسواء لأن الجميع يتحرك في سياق الوطنية، والوطنية ليست أكثر من حركة في سياق الطائفية الشيعية. هل تأملتم كيف قزمتم سياقكم فتحول إلى حركة في سياق عدوكم!

ثقفغعالدرة والفحام

هل أدركتم الآن لم ضيعتم من قبل ما ضيعتم، ولماذا تضيع (النخيب) اليوم من أيديكم؟ وتحترق (الأعظمية) ووقفها السني بنيران من تسمونهم (إخوانكم). وإذا بقيتم في عمائكم فستضيعون العراق كله. زوار الكاظم يهاجمون دار الوقف السني ويحرقونها، ويمكثون فيها خمس ساعات، ويحرقون عشرات المنازل، أمام أنظار الحكومة. بل قوى الأمن الحكومية تمنع سيارات الإطفاء من الوصول إلى مكان الحريق. وإزاء كل هذا وغيره لا تجد سوى تصريحات لرئيس الوقف السني ورئيس مجلس النواب والمفتي والمجمع الفقهي فتجدها في غاية الذلة والضعة والقلة! والحال أكبر من المقال!

العراق درة، وأنتم – أيها الوطنيون – فحامة أغبياء. ويا أيها السنة هل سمعتم ما يقول الشاعر:

من باع دراً على الفحام ضيعَهُ شروى السراجِ الذي في دار عميانِ

14/5/2015

___________________________________________________________________________________________

  1. – العمارة مدينة شيعية في جنوب العراق.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: