التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

سلفية العراق على خطى الإخوان المسلمين في تسييس الدين نقاط مفصلية في موقفنا من ائتلاف القوى السنية العراقية (2)

د. طه حامد الدليمي

الائتلاف السني

معلوم جداً أن أول واجبات (الإسلامي) العقائدية هو تديين السياسة، والعودة بها إلى حضن الدين، وهو ما أسماها علماء السلف (السياسة الشرعية). وليس تسييس الدين. ومعلوم أن السلفيين هم سادة الإسلامية الملتزمة بالنص، خصوصاً في العقيدة. فهل التزم الإخوة السلفيون في (ائتلاف القوى السنية العراقية) بهذا النهج، فكانوا أوفياء لواجب تديين السياسة؟ أم فعلوا العكس فسيسوا الدين بدل تديين السياسة؟

ما عاد أحد في حاجة إلى شرح لمعرفة أن الوحدة الوطنية عند الشيعي معناها، عند تمكنه، إلغاء الأديان والطوائف الأُخرى والسعي لحذفها من وجه الوطن حتى لا يبقى منهم إلا وجود حقير يعيش على هامش الحياة، كما فعلوا بأهل السنة في إيران عندما تمكن الشيعة (الصفويون) بالأمس، وكما فعلوا بالعراق وسوريا واليمن، ومن قبل في لبنان، عندما تمكن شيعة اليوم. ولـ(فارسيتهم) حقد خاص ضد العرب – و(الفارسية) عقدة وتصرف لا يقتصر على الشيعة الفرس، بل يتمثل بالشيعة العرب بصورة أشد وأوضح – لهذا تضطهد إيران الأحوازيين رغم أن معظمهم شيعة. لكنها تقبل بوجودهم كخدم وعملاء لتنفيذ مشروعها الفارسي، وقناطر للعبور إلى المنطقة. وهذا يفسر دعم إيران للسنة أمثال مشعل وشلح وجبريل (فلسطينيون) والسفياني (قومي مغربي) وخالد الملا (عضروط عراقي. بل الحاجة إلى بيان الدافع لكتابة ونشر هذا المقال أكثر. وأهمه الانحراف العقائدي والشرعي الخطير الذي انجرت إليه رجل السلفية في العراق – على الأقل الذين شاركوا في الائتلاف فمعظمهم سلفية! – بعد أن سبقهم الإخوان المسلمون إلى ذلك.

ولنا أن نضع هنا أمام الإخوة السلفية في (ائتلاف القوى السنية العراقية) هذه النقاط، التي تبين أنهم بدأوا بالانخراط في سلك تسييس الدين لا تديين السياسة، متبعين خطى الإخوان المسلمين، بينما كان الأولى أخذ العبرة من حالهم لا الاقتداء بهم:

علمانية سلفية أم ماذا ؟

  1. فقرات البيان الختامي للمؤتمر تقطر وطنية وشغفاً بوحدة وطن لا وجود للسنة فيه حتى يكونوا على الوضع الذي وصفته آنفاً من الذل والهوان والتلاشي لصالح وخدمة الشيعة! ولا تكاد تعثر فيها على ما يشير إلى سنية المؤتلفين بالمعنى الرباني، أما بالمعنى السياسي فنعم. وفرق بين الأمرين. فمطارق القدر أجبرت العلمانيين على الإفصاح قسراً بإجراء ألفاظ (السنة) على ألسنتهم. ومع ذلك ما تجرأوا عليها حتى وجدوا ساسة أمريكا والاتحاد الأوربي يغردون بها، بل الرئيس الأمريكي باراك أوباما في المقابلة التي أجراها معه الصحفي الأمريكي توماس فريدمان مؤخراً كرر لفظ (السنة العرب) عدة مرات في وصفه لدول الخليج العربي. وكان أكثر قرباً من المعنى الديني للفظ؛ إذ قدم لفظ (السنة) على (العرب)، بينما حرص بيان (الائتلاف السني) على العكس! فهل الإخوة السلفيون جاروا العلمانيين في الداخل العراقي والخارج العربي وجاملوهم في هذا الصنيع؟ أم ماذا؟

وأوجه إلى حضراتهم سؤالاً مباشراً: هل أنتم تؤمنون بها بينكم وبين أنفسكم؟ وصرتم تدينون بها بينكم وبين ربكم؟

إفراغ ( الهوية السنية ) من المفهوم الرباني لصالح المضمون العلماني

  1. البيان أفرغ لفظ (السنة) من محتواه الرباني (أو الديني)، واقتصر به – كما أسلفت – على المضمون السياسي. وهذه علمنة واضحة، وانحراف خطير عن النهج الرباني! فقد ورد في بعض فقرات البيان التي جاءت نصاً على لسان أمين الائتلاف وضاح صديد: “العمل على تحقيق السلام والاستقرار والتوازن بين المكونات وبناء وطن متعايش، ورفض الاضطهاد على أساس الطائفية وعلى أساس الدين أو المذهب أو اللغة أو الجنس أو القومية ونشر ثقافة الاعتدال والوسطية”. هذا روغان لإفراغ الهوية السنية من محتواها الرباني إلى محتوى آخر علماني، مجاملة لهم وللوضع السياسي في المنطقة.

وبعد التفريغ العقائدي للهوية السنية من مضمونها الرباني، انتقلوا إلى تفريغها عملياً من ذلك المضمون في الفقرة التالية: “الانفتاح على العراقيين كافة لترسيخ مفهوم المواطنة والتعايش السلمي والدفاع عن المصالح المشتركة ونشر ثقافة الحوار ونبذ ثقافة العنف وأن تكون المطالبة بالحقوق بالطرق المشروعة”. هل يحتاج هذا النص إلى شرح للتدليل على ما أقول؟ لا أراكم في حاجة لذلك؛ فأنتم سادة مقولة “فهم النصوص بفهم السلف”! فأنتقل للتدليل التطبيقي بعد إذ أراني لست في حاجة إلى النقاش التنظيري أو التقعيدي، فأريد منكم أن تطبقوا هذه الفقرة على “فهم السلف”.

فكيف يكون هذا من سنة إسلاميين فضلاً عن سلفيين؟! ستقولون: هذا هو الممكن، والمصلحة تقتضي الإغضاء.

الإسلاميون عندما يبدأون أولى خطوات الانحراف السياسي

وأقول: من هنا تبدأ أولى خطوات الانحراف في طريق المسيرة الساسية لدى المسلم. وقد بينت ذلك في مقالات ثلاث بعنوان (سيكولوجية الانحراف السياسي).

من هنا انحرف الإخوان.. من المصلحة غير المنضبطة بالشرع. ليس ما تقولونه مجرد كلام، بل ستلتزمون به. وله لوازم أخرى ستجدون أنفسكم مضطرين للتقيد بها. ولوازم تجر لوازم… وهكذا حتى يحكم الانحراف حلقته فلا تستطيعون عنها فكاكاً. بل سيأتي يوم تجدون أنفسكم مؤمنين بها ومن دعاتها، وربما كنتم ترون بعضها أول الأمر من المكفرات. لهذا حذر الله تعالى في كتابه نبيه من أمثال هذا فقال: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:73-75). انظروا كيف يقود الركون إلى الشيء القليل (تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) صاحبه إلى الكل (الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ). فاستحق التهديد لا بمضاعفة العذاب في الدنيا والآخرة فحسب، بل ذهاب كرامة التشريف بحمل الكتاب: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) (الإسراء:86،87). فاحذروا أن يسلبكم الله سبحانه شرف الالتزام بنهج السلف وأنتم لا تعلمون! ولقد كنا نقرأ معاً قبل ثلاثة عقود تفسير قوله تعالى ونخافه أشد الخوف: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (محمد:25) بم كان الارتداد؟ الله جل في علاه يجيب: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) (محمد:26).

الثلاثاء

28/7/2015

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: