مقالات

هجرة العرب .. والعربي الملعون على كل حال

د. طه حامد الدليمي

غرق مجموعة من المهاجرين العرب (السوريين تحديداً) إلى بعض بلدان أوربا.. حدث تكرر عشرات المرات من قبل وعلى مدى سنين، فلم هذه المرة يقابل بهذا الاهتمام المثير من العالم: شرقيه وغربيه!

أشياء عديدة تستلفت النظر في هذا الحدث المؤلم، وتستدعي العديد من الأسئلة.

أولها هذه الحملة الشديدة ضد العرب.. في مقابل حملة شديدة لصالح الغرب!

حتى لكأن العرب شيطان، والغرب ملاك. مع أن هذا (الملاك) هو أحد الأسباب المباشرة في مأساة الشعوب العربية التي وقع على رأسها هذا البلاء.

من وراء هاتين الحملتين المتعاكستين؟ ولماذا؟

سيقول البعض: أين الحكام العرب في موقفهم من هذه المأساة من موقف ميركل مستشارة ألمانيا؟ وأقول: إن الإنصاف يلزمنا برؤية المشهد كله؛ فلا يصح أن تكون المقارنة بإطلاق؛ ففي التفصيل يظهر شيء لصالح هذا الطرف وشيء لصالح الطرف الآخر.

السياسة العربية سياسة مأزومة هاجسها الأمن أولاً وأخيراً، وسياساتها ليست مستقلة القرار كلياً. ولو رحنا نعدد تقصيرها لطالت القائمة، آخرها موقفها المتغافل من سنة العراق حتى وهم يغرقون في البحر، وما يجري لهم، وما مصيرهم الذي سيؤولون إليه؟ مع تعلق الأمن العربي بهم أكثر من غيرهم على صعيد المشرق العربي الآسيوي كله.

دعوا العاطفة جانباً وتأملوا ما قدمه العرب: حكاماً وشعوباً للسوريين في محنتهم كما هو دون زيادة أو نقصان. لكن مع المقارنة مع ما قدموه لسنة العراق، تجدوا أنهم قدموا للسوريين الكثير. لقد رأيت بنفسي في بعض دول الخليج – كالإمارات – لافتات عريضة في الشوارع وعليها دعوات لحملات تبرع للسوريين. وكانت حملات التبرع في السعودية تجري علناً وبأمر الحكومة جمعت لهم فيها مئات الملايين، وكذلك في البحرين وقطر والأردن وغيرها من الدول. لقد بلغ مجموع ما قدمته شعوب الخليج وحدها من تبرعات للسوريين حسب إحصائية منشورة على النت ملياراً وسبعمئة مليون يورو، أي ما يقارب ملياري دولار. عدا الدعم الحكومي: المالي والسياسي والعسكري. هذا في الوقت الذي لو قام عراقي واحد برفع لافتة للتبرع في هذه الدول لصالح مأساة سنة العراق لكان مصيره الاعتقال: هو ومن تبرع له!

تبرع

وفتحت دول فقيرة مثل الأردن والسودان أبوابها للمهجرين السوريين وساوتهم بشعوبها. وفتح السنة العرب في الأنبار بيوتهم للسوريين، واستقبل الكرد في إقليمهم الكثير منهم. كما أشرعت تركيا أبوابها لهم وساوتهم بالأتراك[1].

ثقافة شعوبية جديدة

تقول لي: إن العرب مقصرون تقصيراً فاضحاً. لا أناقشك في هذا؛ لأن الحجج غالبها معك. ولكن ليس هذا هو الموضع الذي أريد تسليط بؤرة الضوء عليه، إنما هو الموجة الجديدة من الثقافة الشعوبية القائمة على ذم العرب.. العرب هكذا بإطلاق وكأنهم شر الناس في هذا العالم إلى حد التصفير.

إن هذا – على ما فيه من الجحود ونكران الجميل وعدم الإنصاف – فيه ما هو أخطر ألا وهو كره العرب الذين يأتون على رأس الأمة التي هي (خير أمة أخرجت للناس). وهذه هي (الشعوبية) البغيضة الممهدة للغزو الشيعي والفارسي.

نعم.. للعرب سيئاتهم، ولكن ما فيهم من سوء إلا وفي الأمم الأخرى ما هو أسوأ منه. وللأمم حسناتها، ولكن ما من حسنة عندهم إلا وفي العرب ما هو أحسن منها. نعم يعطيكم الغرب شيئاً من الدنيا، ولكنه يسلبكم مقابلها الدين كله. والحمد لله ليس في بيئة العرب حتى الساعة ظاهرة الـ(بوي فريند)، التي تسمح للبنت بأن تستضيف عشيقها في بيت أهلها دون نكير، ولا قدرة على الإنكار وإلا سيقع المنكِر تحت طائلة القانون! (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78،79).

لقد بذل العرب الكثير للبنان، ولفلسطين ولغزة خصوصاً، فلم لا يذكرون إلا بالسوء؟ وبذلوا لسوريا ما بذلوا فلم لا يذكرون إلا بالسوء؟ وها هم يبذلون لليمن أموالهم وأرواحهم، ولا أدري بم سيذكرون مستقبلاً؟ فلا أعلق الآن بشيء حتى أرى.

كنت كلما خرجت بعد صلاة الفجر في المسجد القريب تصادفني مجموعة من العرب المقيمين منذ عقود في قطر عربي لا شأن لهم إلا الحديث وبأصوات عالية عن قضيتهم ونسيان العرب لها، وبطريقة توحي بأنهم أصيبوا بعقدة تشبه (عقدة المظلومية) لدى الشيعة. ذات مرة قررت أن أتجنبهم فآخذ عنهم في زقاق آخر حتى لا أسمع هذه (الولولة) السمجة المكرورة عند كل صباح. وعندما قطعت الزقاق إلى نهايته وجدتهم أمامي وجهاً لوجه. وقبل أن أتجاوزهم في الاتجاه المعاكس إذا بي أسمعهم يقولون: “اللهم أهلك العرب، اللهم أهلك العرب”! ومضيت وعبارتهم تلك تملأ أذني، وتتردد أصداؤها فيها حتى اليوم.

نعم لقد تعرض هؤلاء للظلم، ولست أنفي وجود قوانين جائرة بحقهم ولا أنكر تقصير العرب تجاههم، ولكن أمقت من يكره العرب بهذه الطريقة وإلى هذه الدرجة!

تساؤلات سريعة

في الجعبة الكثير والكثير من الأسئلة الصادمة التي يثيرها الحدث! أتركها دون تفصيل، وأكتفي ببعض منها مع تعليقات سريعة، لا يخفى مغزاها عن اللبيب.

  • هل لاحظتم هذه المفارقة: كل شعب عربي يصاب يصرخ حين يصاب: أين العرب؟ ويشتمهم وكأنه ليس هو من العرب! وينحى باللائمة عليهم وكأنه لم يكن هو في يوم من الأيام من العرب الصامتين عن مأساة غيره قبل أن تنتقل المأساة إليه! الكل صامتون بنسبة أو بأخرى حتى إذا ما وصلت المأساة إليه صرخ: “أين العرب؟ تباً لهم!”.

الكل في هذا سواسية فلا يتطاولن أحد على أحد.

  • الهجرة من سوريا والعراق وليبيا والصومال وغيرها من الأقطار العربية، وغرق البعض منهم وبالطريقة والأعداد نفسها يجري منذ سنين، فلماذا لم تنفتح قريحة الرحمة عند الغرب، وميازيب الدموع لدى ميركل إلا هذه المرة؟ وفي هذا الوقت؟ واربطوا بين التركيز على مأساة مهجري سوريا دون مهجري سنة العراق وهم لا يقلون عن الأولين في مصابهم ومأساتهم! لم هذه الانتقائية؟ ولم تتفجر الدموع على طفل سوري ولا تنبجس على طفل عراقي غارق؟ وصدق من قال: “لأمر ما جدع قصير أنفه”!
  • 655300330f014832b6876d7eb02db9edcec6376dfc9a912fcc2355370394
  • هل السوريون في حاجة فعلية ماسة إلى الهجرة إلى أوربا حد الضرورة، بحيث انقطعت بهم السبل فلم يجدوا ملاذاً سواها فيخاطروا بأنفسهم هذه المخاطرة الرعيبة؟! وهل وازنوا بين ما يربحونه من دنيا في ألمانيا مثلاً مقابل خسارة في دينهم في ذلك البلد الأوربي وأمثاله، وبين ما يخسرونه من دنيا يمكن تحمله في بلد مثل تركيا وما يربحونه فيها من الحفاظ على دينهم. وقد فتحت تركيا الباب أمام السوريين وساوتهم في بعض الحقوق المهمة بالأتراك أنفسهم؟ وفيها من حرية الرأي والحركة والعمل ما لا يوجد في غيرها من البلدان العربية. لا أستبعد أن الرغبة في التزيد من متاع الدنيا، كما يصورها الخيال في كثير من الأحيان، هي ما يدفع الكثيرين إلى ذلك دونما اعتبار لما هو أسمى وأغلى.
  • ثم……….

لماذا هذا التجاهل لمأساة سنة العراق وقد مر عليها ثلاث عشرة سنة؟!

وهل ما يجري في العراق من تناقضات كافٍ لوقوف العرب مع الجزار الشيعي دون شروط تفرض على الجزار أن يحفظ حقوق السني البسيط؟ وهل العبادي أقل شراً من بشار وحسن والحوثي؟ أم إنه ومليشياته لا يعدون العدة لغزو السعودية من شمالها عن طريق عرعر والنخيب؟

لقد كانت الخطة وضع السعودية بين فكي كماشة: الشيعة الحوثيون من الجنوب والشيعة الاثناعشرية من الشمال. فإذا تهاوت أقوى دولة خليجية كان ما دونها تحصيل حاصل.

  • أخيراً أسأل: هل ستقع دول الخليج مرة أخرى في مفارقة إزاحة صدام وليأت من بعده الطوفان؟

9/9/2015

___________________________________________________________________________________________

  1. – أما المساواة بالمواطن فقد تأكدت أن الأمر ليس كذلك في جميع الدول المذكورة وغيرها، وأنني أخطأت في هذا.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: