التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الغزو الروسي للمنطقة .. احذروا الفتاوى المسيَّـسة و … القاصرة

د. طه حامد الدليمي

كل حدث له ثلاثة أبعاد: حركة الحدث، دلالاته القريبة، دلالاته البعيدة (الاستراتيجية).

معظم الناس يهتمون بحركة الحدث، والقليل يصوب بصره تجاه دلالالته القريبة. والنادر من يتجاوز النظر القريب إلى ما هو أبعد وأهم أي الدلالة الاستراتيجية للحدث.

الدلالة البعيدة للحدث هي حقيقة الوعي. وما عدا فقشور جنت علينا الويلات منذ زوال الدولة العثمانية قبل مئة عام.

وإذا كانت الدلالات القريبة لا تخرج عن دائرة الظن، فإن جماهير الشعوب العربية ليست أكثر من حقول تجارب تتكسر على رؤوسها السياسات والحروب دون ثمرة يمكن لتلك الجماهير القبض عليها منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم!

 

الحدث

هجوم روسي جوي على سوريا بمباركة الكنيسة الأرثودكسية، سبقه تواجد عسكري. استنكرت بعض الحكومات العربية (التدخل)، وصدرت فتاوى دينية من عدة جهات بوجوب قتال الروس تأسيساً على أن ذلك نوع من الجهاد. بعض المفتين لم يُدن الاحتلال الأمريكي للمنطقة، ولا الاحتلال الإيراني، ولا الشيعي، ولم يصدر فتوى بقتال أي منها.

 

دلالات الحدث القريبة

قبل أيام كان في بيتنا عدة أصدقاء. سألتهم عن دلالات الغزو الروسي لسوريا، والحلف الرباعي الأخير الذي ضم (إيران وروسيا والعراق وسوريا) فكانت الأجوبة التالية:

الأول (طالب ماجستير، وله اهتمام جدي بالسياسة): الحدث يعبر إما عن ضعف في القوة الأمريكية؛ فروسيا تتمدد على حسابها. أو توريط أمريكي لروسيا في حرب بينها وبين الفصائل الموجودة على الأرض السورية والعراقية، والشباب الذي سيتدفق من الدول الأخرى، لتعاد قصة الصراع الأمريكي السوفيتي في أفغانستان في عقد الثمانينيات، وهذا ما أرجحه. وثمت أخبار عن محاولات أمريكية لإخراج تنظيم الدولة الإسلامية من العراق وإزاحته إلى سوريا، وبهذا ستتورط روسيا حقاً.

الثاني (امرأة دكتوراه في السياسة): روسيا خسرت كل حلفائها عدا سوريا. أمريكا ضعفت بعد حرب العراق فاستثمرت روسيا الوضع وتدخلت في أوكرانيا، فغزت سوريا للمساومة حتى تتنازل عن القرم. إيران ستتورط بدفع من روسيا التي ستنسحب أخيراً وتترك الجميع متورطين. ولا ننسى أن بريطانيا خصم قوي وحقيقي لروسيا. وأرى أن أمريكا ومن معها اتفقوا على إقامة فدرالية في العراق.

الثالث (مهندس وماجستير إدارة): للحدث إطار جامع يتمثل في شيئين: الأول: صراع بين القطبين القديمين: الغربي والشرقي. والثاني: هو العقيدة الدينية الصليبية لإعادة مجد الكنيسة. ثم إن نزول اللاعب الرئيس دليل على فشل الوكيل، وأن الأصيل سيمارس دفع فاتورة الخسارة بنفسه. والصين ستدخل مباشرة في المعركة.

الرابع (طالب ماجستير): تاريخ الشيعة مع روسيا معروف منذ احتلال إيران للأحواز، وبنائها البرنامج النووي الإيراني. ويقال إن هدنة ستعقد بين داعش وأمريكا؛ فأوقفت القتال في الأنبار.

الخامس (خريج كلية): لنفكر بماذا سيستفيد السنة من هذه الأحداث والحروب الكارثية لاسيما في العراق؟ أمريكا الآن جادة في تسلح الصحوات تسليحاً متطوراً. إلى متى يستعملنا الأقوياء وقوداً لحروبهم النيابية؟

وسألت: ما موقفنا إزاء الحدث؟ فأجاب الثالث: ما يجري صراع بين القوى الكبرى. وقد وقف المسلمون حياديين بين الروم والفرس على عهد النبي e. وكان شاب في العشرينيات جالساً معنا فسألته عن الحكم الشرعي للقتال ضد روسيا؟ فأجاب: القتال واجب شرعي.

وقال السابع (وهو طبيب): الحروب الدائرة امتداد لتجربة الربيع العربي الفاشلة. نحن ندفع الثمن وغيرنا يقبض السلعة.

الدلالات البعيدة للحدث

جاء في بيان لـ(المجلس الإسلامي السوري) “أن الوجود الروسي قوة احتلال تمارس دور المحتل في العدوان والقتل، جاءت لنصرة طاغية مجرم على شعب مظلوم، وعلى هذا يجب على كل الفصائل قتالها وإخراجها مدحورة من سوريا بكل الوسائل المتاحة، وقتالها من أعظم الجهاد”. وأفتى أكثر من خمسين عالماً سعودياً (من غير الرسميين) بوجوب الجهاد ضد الروس في سوريا. وصدرت فتاوى أخرى من عدة جهات.

ولنا إزاء ذلك ثلاثة أسئلة:

  1. هل الجهات المفتية تتكفل بتكاليف الجهاد من المال والسلاح والإيواء والتطبيب والدعم السياسي والإعلامي؟ أم هي مجرد فتوى لدفع الشباب ثم تركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم مهما كانت النتائج؟
  2. هل تضمن الجهات المفتية سلامة المجاهدين بعد انتهاء المهمة القتالية؟ أم سيكون مصيرهم مصير المجاهدين العرب في أفغانستان، الذين خاضوا حرباً كارثية بالنيابة عن أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي، في أجواء لاهبة من الفتاوى وصيحات الجهاد وحملات التبرع، حتى إذا اندحر السوفيت طورد الشباب فكانوا بين قتيل ومعتقل وشريد، تلاحقهم تهم (الإرهاب) أينما حلوا، ومنهم من كان مصيره النفي والاعتقال في سجن (غوانتنامو)! وسط صمت تلك الجهات، وتنصلٍ مخزٍ عن المسؤوليتين: الدينية والأدبية!
  3. هل هناك فرصة – ولو بنسبة 1% – لأن تكون ثمرة الجهاد في يد المجاهدين؟ أم كالعادة منذ زوال الدولة العثمانية قبل مئة عام، يأتي (طرف ثالث) لحصاد الجهود؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة جادة وإيجابية فحيَّهلا، وإلا فإني أتوجه بهذه الأسئلة إلى من يدفع الثمن من دمه وماله وأمنه وبدنه وأهله، ثم في نهاية المطاف يفتح عينيه فإذا (الطرف الثالث) يظهر مبتسماً على المسرح حاملاً سلته لجني المحصول دونه!

خلاصة القول.. إن الجهد القتالي أو السياسي إن لم يسبقه وجود دولة، أو جسم مدني يستند إلى جمهور واع منظم يتبع قيادة مدركة لقوانين الاجتماع والسياسة ومصادر القوة وموازناتها، يكون مقدمة حقيقية لإقامة الدولة.. فإن ذلك الجهد ليس أكثر من حركة عبثية وقفز في الهواء على المربع نفسه. يدفع أثمانه أقوام ويحصد نتائجه آخرون. والناظر في تاريخ القرن الأخير يجد أن جميع حركات المقاومة والجهاد تبدأ البداية نفسها وتنتهي النهاية عينها.

لقد عمل النبي e على بناء جمهور مدني واع عابد خلوق متكافل، ثم أوجد له الأرض التي يمكنه ضمن موازنات القوى في ذلك العهد أن ينشئ كيانه عليها. ثم باشر بإنشاء القوة العسكرية الحامية لذلك الكيان وبدأ بممارسة العمل السياسي ضمن هذه الحيثيات. لقد استكمل النبي e بناء الكيان المدني قبل القيام بأي نشاط سياسي أو عسكري. هذه هي السنة النبوية في السياسة، وهذا هو الاتباع الشرعي في باب السياسة. والسنة والاتباع ليس في العقيدة والعبادة فحسب، وإنما في السياسة أيضاً. وكذلك الابتداع.

لن تقوم في العراق ولا سوريا في خضم هذه الأوضاع دول أو دولة طبقاً للشعارات المرفوعة التي يتدافع الشباب لدفع أثمانها الباهظة. وإن قامت فهي مثال للحكم الاستبدادي وإن بعنوان إسلامي. ولن تدوم طويلاً والله أعلم. دعوا العالم يصطرع فيما بينه، واتركوه يتحمل مسؤوليته بنفسه، ويدفع ثمن بضاعته من كيسه، كما ترك النبي e عالم زمانه يصطرع فيما بينه. وانصرفوا إلى بناء كيانكم كما انصرف النبي e إلى بناء كيانه. وإلا لم نزد على أن نكون حلقة أخرى في سلسلة الفشل المتكرر منذ مئة عام.

 

7/10/2015

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: