التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

عروبة العلماء (2) سيبويه وفشله أمام لجنة امتحان العربية في بغداد

د. طه حامدل الدليمي

في المقال السابق كان الحديث عن الفراهيدي وكونه إمام العربية بلا منازع. وكان أحد تلاميذه سيبويه، الذي نسبت إليه إمامة اللغة بفعل الدعاية الفارسية. وأما كتابه المعروف بـ(الكتاب) فقد قال ابن النديم فيه: “قرأت بخط أبي العباس ثعلب (أحمد بن يحيى ت 291هـ): اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنساناً، منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل”([1]). وقال المحققون: روى سيبويه عن الفراهيدي في كتابه في (522) موضعاً.

كان سيبويه في أول الطلب يدرس الفقه والحديث، لكن حادثة صغيرة صرفته إلى النحو. قال ابن هشام: إن سيبويه جاء إلى حماد بن سلمة لكتابة الحديث، فاستملى منه قوله e: (ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء)، فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه إنما هذا استثناء، فقال سيبويه: لا جرم؛ لأطلبنّ علماً لا تلحّننى فيه أبداً، فطلب النحو ولم يزل يلازم الخليل([2]).

وفي قدومه إلى بغداد وفشله في مناظرة علمائها يقول ابن النديم: “وقد قدم سيبويه أيام الرشيد إلى العراق وهو بن اثنتين وثلاثين سنة وتوفي وله نيف وأربعون سنة بفارس. وقال غيره كان وروده العراق قاصداً يحيى بن خالد فجمع بينه وبين الكسائي والأخفش فناظراه وخاطباه في مسائل سألاه عنها وحاكماه إلى فصحاء الأعراب، وكانوا قد وفدوا على السلطان، وهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وأبو ثروان، فكان الكسائي على الصواب. وكلم الكسائي يحيى بن خالد فأجازه بعشرة آلاف درهم فأخذها وعاد إلى البصرة ومنها إلى فارس ومات بها سنة سبع وسبعين ومائة”([3]).

 

تفاصيل امتحان علماء بغداد لسيبويه وفشله فيه

قدم سيبويه على البرامكة في بغداد. وكانت بغداد جامعة العلوم في ذلك الزمان، وأئمتها لهم المنتهى في العلوم، ومنهم تؤخذ إجازاتها. فعقد له يحيى البرمكي مجلساً مع الكسائي حضره جمع، منهم الفراء والأحمر (وهما من أئمة العربية) فسألاه عدة أسئلة فشل في الإجابة عليها. فخرج حتى أتى فارس ولم يخرج منها حتى مات. وقد عرفت تلك المسائل بـ(المسألة الزنبورية) لورود الزنبور في بعض أمثلتها، من باب تسمية الكل بالجزء.

قال الزجاجي في (مجالس العلماء): مجلس سيبويه مع الكسائي وأصحابه بحضرة الرشيد: حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى، وأبو العباس محمد بن يزيد وغيرهما قال أحمد: حدثني سلمة قال: قال الفراء: قدم سيبويه على البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوماً، فلما حضر تقدمت والأحمر فدخلنا، فإذا بمثالٍ في صدر المجلس، فقعد عليه يحيى، وقعد إلى جانب المثال جعفرٌ والفضل ومن حضر بحضورهم، وحضر سيبويه.

فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألةٍ أجاب فيها سيبويه، فقال له: أخطأت. ثم سأله عن ثانية فأجابه فيها، فقال له: أخطأت. ثم سأله عن ثالثة فأجابه فيها فقال له: أخطأت. فقال له سيبويه: هذا سوء أدب!

قال: فأقبلت عليه فقلت: إن في هذا الرجل حداً وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبون، ومررت بأبين، كيف تقول مثال ذلك من وأيت أو أويت. قال: فقدر فأخطأ. فقلت: أعد النظر فيه. فقدر فأخطأ. فقلت: أعد النظر، ثلاث مرات، يجيب ولا يصيب. قال: فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره. قال: فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ فقال: لا، بل سلني أنت. فأقبل عليه الكسائي فقال له: ما تقول أو كيف تقول: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي. ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنت.

ثم سأله عن مسائل من هذا النوع: خرجت فإذا عبد الله القائمُ، أو القائمَ؟ فقال سيبويه في كل ذلك بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: ليس هذا كلام العرب، العرب ترفع في ذلك كله وتنصب. فدفع سيبويه قوله.

فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العرب ببابك، قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم، فيحضرون ويسألون. فقال يحيى وجعفر: لقد أنصفت. وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعسٍ، وأبو زياد، وأبو الجراح، وأبو ثروان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه، فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله. قال: فأقبل يحيى على سيبويه فقال له: قد تسمع أيها الرجل. قال: فاستكان سيبويه. وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤمِّلاً، فإن رأيت ألا ترده خائباً. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، فأقام هناك حتى مات ولم يعد إلى البصرة.

قال أبو العباس: وإنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها، لأن (فإذا) مفاجأة، أي فوجدته ورأيته. ووجدت ورأيت تنصب شيئين، ويكون معه خبر، فلذلك نصبت العرب([4]).

والواقعة رواها الخطيب البغدادي بإسناد متصل فقال: أَخْبَرَنَا هلال بْن المحسن، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الجراح الخزاز، حَدَّثَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن القاسم بْن بشار، حدّثنا أبو العبّاس- يعني ثعلباً- حدّثنا سلمة بن عاصم، حدّثنا الفراء- ما لا أحصي- قَالَ: قدم سيبويه إِلَى بَغْدَاد فأتى يَحْيَى بْن خالد… إلى آخر ما جاء في الرواية بما يشبه ما سقناه آنفاً. ورد في تمامها على الخراصين الذين أرادوا إبطالها بادعاءات كاذبة فقال: فقال بعض الجهال: إن الكسائي واطأ الأعراب من الليل حتى تكلموا بالذي أراده. وهذا قول لا يعرج عليه، لأن مثل هذا لا يخفى على الخليفة والوزير وأهل بَغْدَاد أجمعين([5]).

ولا أرى هذا من قول الجهال، وإنما من دس الشعوبيين ليبطلوا حجة الواقعة، ويرفعوا من شأن من يريدون رفعه تعصباً لعنصرهم وحطاً من شأن العرب والعربية. وعلي بن حمزة الكسائي أرفع قدراً وأجل مكانة وأمتن ديناً من أن يفعل بعض ما رواه عنه أولئك الشعوبيون؛ فهو أحد القراء السبعة الذين رووا القرآن الكريم، وقراءته متواترة. وهو من تلاميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي.

والواقعة لا تغض من منزلة سيبويه، ولكنها تقدح في تسنمه مرتبة الإمامة في العربية بحيث يتجاوز منزلة الفراهيدي.

 

9/12/2015

______________________________________________________________________________________

[1]– الفهرست، ص74، ابن النديم أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي الشيعي (ت 438هـ)، تحقيق إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1417هـ – 1997م.

[2]– إنباه الرواة على أنباه النحاة، 2/350، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (ت 646هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي – القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية – بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ – 1982م.

[3]–  المصدر السابق.

[4]– مجالس العلماء، ص9-10، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي الزجاجي، (ت 337هـ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي – القاهرة، دار الرفاعي بالرياض، الطبعة الثانية، 1403هـ – 1983م.

[5]–  تاريخ بغداد، 12/103-104، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (ت: 463هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، 1417هـ.

اظهر المزيد

‫3 تعليقات

  1. سبحان الله، هذا ما يودي التعصب والتحزب بصاحبه إلى انتحال الباطل من بطر الحق وغمط الناس. ما أنصفت سيبويه ودافعك في ذلك لا يخفى على ذي لب. كان يجدر بك – وأنت تدّعي العلم – أن تورد فيه ما ذكره الأئمة الأعلام، منهم – على سبيل الذكر وليس الحصر – من قال:
    وقال عنه أبو عثمان بكر بن محمد المازني: (من أراد أن يؤلف كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي)، وقال ابن كثير: (وقد صنف في النحو كتابا لا يلحق شأوَه وشرحه أئمة النحاة بعده فانغمروا في لجج بحره، واستخرجوا من درره، ولم يبلغوا إلى قعره)·

    1. لا يكون التعصب مع العلم، وإن خالف المألوف.
      إنما ذلك مع الإصرار على المألوف لطول ألفته من قبل من أصر عليه، ولا دليل سوى قول فلان وفلان دون تحقيق.
      حقق – أخي الكريم – تتحقق.
      تحياتي

  2. يكفيني – ويكفي سيبويه – أن يكون “فلان وفلان وفلان” الذين شهدوا له من أمثال أبي عثمان المازني وابن كثير.
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: