مقالات

موقفنا من الكرد والقضية الكردية

د. طه حامد الدليمي

ما زال موقف العرب من الكرد، وموقف الكرد من العرب، قائماً على أفكار حماسية وعاطفية قديمة لم يطرأ عليها تجديد، ومفاهيم مختلطة لم تخضع لتفصيل. ابتعدت عن التأصيل الشرعي الثابت، وتغاضت عن التغيير الواقعي الحادث. واختلط فيها الحق بالباطل. أنتجت مواقف مأزومة يتسيدها التعصب القومي المتبادل الذي يرى كل فريق في أجوائه أن الحق كله معه، وأن الباطل كله مع الآخر. ويريد من المقابل أن ينظر للحالة من منظوره فقط، ويخضعها لقناعاته.

باعتبارنا عرباً نحتاج إلى استعمال المنظور الكردي في النظر إلى الحالة، كي ننصف الآخر فننصف أنفسنا. وفي الوقت نفسه ندعو الكردي إلى استعمال المنظور السني العربي للأهداف السامية نفسها. وذلك على قاعدة (أحب للناس ما تحبه لنفسك، واكره لهم ما تكره لها). فماذا نرى؟

  • ما زال السنة العرب يخلطون بين الهوية والمذهب والدين.
  • ما زال الإسلاميون منهم يستصحبون في الذاكرة الجمعية اللاواعية حالة وجود دولة الخلافة كأنها حقيقة ماثلة يتصرفون دون وعي على أساسها ويطالبون الكرد باستحقاقاتها، رغم زوالها قبل قرابة مئة عام. وما زال القوميون منهم يستصحبون وجود الدولة الوطنية بما يشبه حالة الإسلاميين سواء بسواء.
  • يتوهم الكثير من العرب أن الإحساس بالعروبة لدى الكردي كما هو لدى العربي ما دام أنهم مسلمون. وربما يريدون منهم ذلك. مع أن الإحساس بالعروبة ناتج من نواتج الانتماء أو الشعور القومي، والكرد انتماؤهم القومي كردي لا عربي.
  • القوميون العرب يريدون من الكردي أن يشعر بانتماء وطني لبلد اسمه العراق صفته عربي. بينما الكردي في زمن القوميات لا شك في أن نظره مشدود إلى دولة قومية كردية؛ فيكون العراق العربي خارج نطاق انتمائه.
  • يزداد المنظر تشوشاً عندما يدخل المذهب في بناء المعادلة. ولا أجدني أعدو الحقيقة إن قلت: إن معظم السنة العرب يريدون من الكردي، باعتباره سني المذهب، أن يتبنى قضايا السنة العرب، بينما السنة العرب أنفسهم لم يتبنوا حتى اللحظة قضاياهم باسم (السنة العرب)، ولم يعترفوا هم قبل غيرهم بأنفسهم كـ(سنة عرب)، ولا يدركون حتى الفرق بين مصطلح (السنة العرب) ومصطلح (العرب السنة). أو – ربما – لأنهم يدركون ذلك يتحاشون المصطلح الأول. هذا إذا اضطروا اضطراراً إلى التلفظ – على خجل وشعور بالنقص – بلفظ (السنة). ويرفضون حتى إقامة إقليم سني عربي ولو ضمن العراق الواحد!
  • يتعقد الأمر أكثر حين يريد السنة العرب من الكردي أن يخضع لدين الإسلام لا كدين فقط، وللمذهب السني لا كمذهب فقط، وإنما كسياسة أيضاً، فتكون مواقفه السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها لصالح السنة العرب ما دام أن دين الإسلام والمذهب السني يجمعهما، حتى ولو على حساب مصلحة الكرد. بينما السنة العرب أنفسهم، وفي أولهم رجال الدين، يفرون فراراً من الدين والمذهب عند الخوض في السياسة، وإن تشدقوا بذلك في دروسهم ومجالسهم الخاصة!
  • ما زال كثير من الكرد يعيش في أجواء نفسية جمعية مترشحة عن الفترة الماضية. ويرى في العربي صورة الجندي الذي كان يحاربه من قبل. أو الحزبي وكاتب التقارير والمخبر ورجل الأمن. فتنبعث فيه عواطف الثأر والانتقام تجاه شباب ربما لم يكونوا قد خلقوا في تلك المرحلة، وأشخاص ربما لم يكونوا آنذاك داخل العراق، أو كانوا عرضة للملاحقة في داخله.
  • يرى كثير من الكرد أن الشيعة أصدقاء لهم، وإخوة يمكن التعايش معهم. والحقيقة أن الشيعة يتعاملون مع الكرد مرحلياً ريثما ينتهون من شأن السنة العرب، وتحين الفرصة لضرب الكرد كلياً.

إن كلتا الرؤيتين ليست في صالح أيٍّ منهما على المدى البعيد. والجهة التي تملك القوة اليوم سرعان ما تفقدها غداً، والضعيف لن يبقى ضعيفاً أبد الدهر. فلا بد من إنهاء هذه الحالة الطارئة على تاريخ التعايش بين الشعبين.

نحن بحاجة إلى تفكيك بعض العقد كي نصل إلى معادلة راسخة للتعايش والحل المتوازن السليم.

محورية الهوية .. وهوية الكردي المحورية

خمسة مفاهيم مختلطة في حاجة ماسة إلى تفصيل كي تنتج لدينا معادلة راسخة متوازنة للحل: (الهوية، والدين، والمذهب، والقومية، والوطن). وقد يحتاج بعض القراء الرجوع إلى باب (الهوية) في (منهاجنا) من أجل المتابعة العلمية السلسة لهذا الأمر. فأقول:

دين الكردي: الإسلام. والسنية مذهبه، والكردية هويته، وكذلك الكردية قوميته. أما وطن الكردي فلم يتشكل بعد، لكنه ليس العراق قطعاً، إنما جزء منه يكون في العراق.

ومن بين هذه العناوين الخمسة فإن الصراع السياسي، وجميع أنواع الصراع، مبناه على الهوية. ولا يكون واحد من العناوين الأربعة وغيرها هو الهوية لأي تكوين إلا بشرط أن يكون هو محور الصراع.

فقد يكون الدين هو الهوية عندما يكون هو محور الصراع بين طرفين. وقد يكون المذهب هو الهوية إذا كان محوراً للصراع والتحدي من قبل جهة تستهدف جهة ثانية بناء على مذهبها. وكذلك الأمر بالنسبة للقومية والوطن.

قد تتنازع عشيرتان من دين واحد ومذهب واحد على أسباب عشائرية؛ فهوية النزاع المرفوعة هنا لا يمكن بحال أن تكون مذهبية ولا دينية ولا وطنية أو قومية، إنما عشائرية، كل واحدة من العشيرتين تذكر اسمها الصريح عنواناً لها في حومة النزاع. وقد يكون التنازع بين مذهبين (مثلاً: حنابلة وشافعية) من دين واحد على قضايا تتعلق بالخلاف المذهبي؛ فلا يمكن أن يكون عنوان النزاع عشائرياً ولا دينياً (يرفع فيه اسم الدين عنواناً لكل منهما) ولا قومياً ولا وطنياً. وهكذا حين يكون موضوع النزاع وطنياً (مثلاً: بريطانيا وفرنسا) تكون الهوية وطنية ولا تكون تحت أي عنوان آخر. ولكن حين يكون موضوع النزاع دينياً (مثلاً: نصارى ويهود) هنا تكون الهوية ذات عنوان ديني صريح.

الهوية إذن مفهوم نسبي متغير لا مفهوم مطلق ثابت. الهوية هي العنوان والمحور الذي حوله يدور النزاع بين طرفين، وعليه يكون استحصال المكاسب، وبه يدفع خطر خصم يحمل عنواناً مناظراً.

متى ما وضعت يدك على موضع النزاع فثمت الهوية.

إذا استحضرنا هذا يمكننا أن نفكك بعض العقد ونفض بعض مواضع الاشتباك لنقول:

  • النزاع بين الكرد والعرب ليس محوره أو موضوعه مذهبياً ولا دينياً، إنما هو نزاع قومي الموضوع. نشأ بعد زوال الدولة العثمانية الجامعة، ووجود الموجة القومية المفرقة التي عمت العالم.
  • لقد انفصمت الرابطة الدينية الجامعة بين الكردي والعربي، وتحول العرب إلى دول قومية. فما الذي يجمع الكرد بالعرب والحالة هذه؟ حين يفكر العربي بدولة قومية عربية، فشيء طبيعي أن يفكر الكردي بدولة قومية كردية، وينشأ النزاع فيكون موضوعه قومياً، فتكون هوية الكردي المعبرة عنه هي الهوية القومية الكردية. أما المذهب والدين فليس لدى الكردي مشكلة من ناحيتهما؛ فهو مسلم الديانة سني المذهب. عدا أولئك الذين اشتطوا فألحدوا، وفي العرب مثلهم. ليس الدين والمذهب إذن يمكن أن يمنح الكردي هويته.
  • بالهوية الكردية حافظ الكرد على مصالحهم القومية أن يبتلعها الشيعة، وأنشأوا إقليمهم الحامي لهم. وفي الوقت نفسه ما زال كثير من السنة العرب واهمين يريدون من الكردي التنازل عن هويته الكردية لصالح المذهب أو لصالح الدين، مع أنه ليس لواحد من هذين الأمرين موضع في موضوع النزاع. وفي الوقت نفسه يهرب السني العربي من تبني مذهبه، ويُبعد الدين عن السياسة. ومنهم من يريد من الكردي التنازل عن هويته لصالح الوطن أي العراق، مع أن العراق ليس هو الوطن الذي يشغل ذاكرة الكردي.
  • بجهل (العرب السنة) بمدار الصراع بينهم وبين الشيعة، ومكابرتهم في تجاهل علة العلل في استهدافهم من قبل الشيعة، وهي (سنيتهم) قبل أي عنوان وانتماء آخر. وجهلهم بـ(فقه الهوية).. أضاعوا هويتهم القومية الجامعة وهي (السنية)، وبقوا غارقين في استصحاب وضع وطني قد زال وانتهى، وحل محله وضع تفجر فيه صراع تتسيده هوية شيعية شعوبية. فضاعوا وضيعوا كل شيء، فلا وطن ولا إقليم ولا كيان ولا مذهب ولا مصلحة ولا وجود! إنهم اليوم في حالة تيه شامل.

استغلال الشيعة للوضع المختلط رغم احتقارهم الديني للعنصر الكردي والقومية الكردية

استغل الشيعة هذا الوضع، فتجاوبوا – ولو جزئياً ووقتياً – مع تطلعات الكرد، فكسبوهم إلى جانبهم. وبقي السنة العرب في أحلامهم الدينية وأوهامهم القومية، بعيدين عن سر السياسة، ألا وهو:

  • القدرة على تحقيق مصلحة لمن تريد كسبه إلى جانبك.
  • والقدرة على تحقيق المصلحة لا تتهيأ إلا بكيان سياسي مؤثر قائم ماثل للعيان.
  • والكيان السياسي لا يكون بلا عنوان وهوية صالحة لأن تكون هي الهوية. كل ما عند السنة العرب من بضاعة يقدمونها للكرد هو المذهب السني، الذي هو بالنسبة للكردي مذهب يعترف به، لكنه ليس هوية له.

لقد كسب الشيعة الكرد، وخسرهم السنة؛ رغم أن الشيعة – بحكم دينهم الثابت بالروايات الموجودة في أوثق مصادرهم وفتاوى مراجعهم – يحتقرون الكرد قومياً وعنصرياً. إضافة إلى عدائهم المتأصل ضدهم بسبب سنيتهم.

يروي محمد بن يعقوب الكليني عن أبي عبد الله (ع) قال: (لا تُنكحوا من الأكراد أحداً فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء)([1]).

وروى الشيخ الصدوق عن الربيع بن الشامي قال: سألت أبا عبد الله (ع) فقلت له: إن عندنا قوماً من الأكراد يجيئوننا بالبيع ونبايعهم؟ فقال: يا ربيع لا تخالطهم فإن الأكراد حي من الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطهم([2]).

وتجاوز الأمر الرواية إلى الفتوى. أي إن هذه الروايات جرى العمل بها عند الشيعة. فقد أفتى شيخ الطائفة الطوسي فقال: “لا ينبغي أن يخالط أحداً من الأكراد، ويتجنب مبايعتهم ومشاراتهم ومناكحتهم”. (النهاية- الشيخ الطوسي ص373). وبذلك أفتى علماء كثيرون قدماء ومعاصرون لا يحصون كثرة([3]).

الموقف الذي نتبناه في مؤسسة ( التيار السني ) تجاه الكرد

1. ليس للمسلمين اليوم دولة جامعة. فالحجة الوحيدة التي يمكن الاستناد إليها من قبل الإسلاميين في دعوة الكرد وغيرهم من القوميات إلى التوحد معهم في كيان واحد أمست مفقودة. فيترك الأمر إلى حينه. وحتى في حال قيام كيان رباني جامع، فليس الدمج – في نظرنا – هو الحل الصائب في التعايش بين القوميات المختلفة. إنما (الأقلمة) التي تتيح لكل قومية ممارسة حياتها وتشريعاتها بما يحقق مصالحها في إطار الدين العام، هو الوضع الأنسب للتعايش، واستقرار أي كيان سياسي.

2. ونحن في زمن الدول القومية القطرية؛ فليس للعرب القوميين حجة صالحة لإجبار الكرد على التوحد معهم في دولة قومية جامعة، إلا باختيارهم.

3. إجبار الكرد من قبل الوطنيين العرب للعيش معهم في وطن واحد اسمه العراق دون رغبتهم يفتقر إلى أدنى مقومات الحجة، ويتناقض مع أول مقومات الكرامة الإنسانية وهي الحرية، التي ينتج عنها التراضي شرطاً للعيش المشترك القائم على التعاقد الحر. والسبيل الوحيد لتكوين دولة وطنية مع بقية القوميات هو إيجاد وضع سياسي تلمس فيه هذه القوميات مصلحتها، وتجدها في التعايش الحر في وطن واحد.

10/1/2016

__________________________________________________________________________________________

  1. – فروع الكافي، 5/352.
  2. – علل الشرائع، 2/310، باب العلة التي من أجلها يكره مخالطة الأكراد.
  3. – كذا قال محمد بن إدريس الحلي. واحتج يحيى بن سعيد الحلي بالروايتين السابقتين في كراهة التعامل مع الأكراد ومخالطتهم ويتجنب مبايعتهم ومشاركتهم ومناكحتهم. (منتهى المطلب 2/1003، تذكرة الفقهاء 1/586). وبذلك قال المحقق الأردبيلي (جمع الفائدة 8/129) والحر العاملي (وسائل الشيعة2/84). ومن المتأخرين مرجع الشيعة في بداية القرن الماضي آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي بكراهة تزويج الأكراد (العروة الوثقى، الجزء الثاني، كتاب النكاح). وسئل المرجع الديني المعاصر الملقب عند الشيعة بـ(العلامة المحقق) الشيخ محمد جميل حمود العاملي عن ذلك فأجاب: “لقد أفتى مشهور فقهاء الإمامية بكراهة التعامل التجاري مع الأكراد والزواج منهم تعبداً بالخبرين المتقدمين اللذين رواهما الكليني أعلى الله مقامه في كتابه الجليل الكافي ج5 في باب المعيشة ومناكحة الأكراد والسودان من الزنج والسند وغيرهما ولم يطرحهما أحد من أعلام الإمامية بل كلهم تصافقوا على صحة مضمونهما مع تأويل كل واحد لهما بحسب فهمه للخبرين المذكورين٬ وبعض المحسوبين على الإجتهاد جامل من باب المداراة حرصاً منهم ألا يؤدي الأخذ بظاهرهما إلى عواقب غير محمودة أو تؤدي صراحتهم إلى نفور الناس… ونحن لا نجامل ولا نداهن ولا تأخذنا في الله تعالى لومة فنصرح علناً بكراهة التعامل مع الأكراد بشكل عام….”. انظر: موقع مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث، القسم الرئيسي: الفقه، القسم الفرعي: استفتاءات وأجوبة، الموضوع : علاج الأخبار الواردة في حكم التعامل مع الأكراد والزواج منهم. بتوقيع (العبد محمد جميل حمود العاملي ــ بيروت بتاريخ 9 رجب الأصب 1433هـ). تاريخ الإضافة: 2/6/2012. الرابط:

    http://www.aletra.org/print.php?id=408

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: