مقالات

حديث ( لو كان الإيمان عند الثريا…) ليس على شرط البخاري ومسلم .. عروبة العلماء (6)

د. طه حامد الدليمي

من الأمور التي قررها العلماء وجوب التفريق بين ما يرويه الشيخان في (الصحيحين) احتجاجاً، فهذا هو الذي على شرطهما، وما يرويانه للشواهد والمتابعات لسبب يقتضيه خارج عن أصل الصحيح الذي على شرطهما. وقد يكون بعض أحاديث الشواهد والمتابعات رويت بأسانيد ضعيفة؛ فلا يصح نسبة قسمي أحاديث الصنف الثاني: الصحيح منه والضعيف للصحيحين باعتبار أنها صحيحة كالصنف الأول. وهي صنعة لا يجيدها إلا أهل الشأن. وقد تتحصل بالبحث لمن يحسن البحث في أحاديث بعينها؛ فالعلم يتجزأ. المشكلة أن غير المختص وغير محسن البحث لا يعرف هذه الحقيقة؛ فيذهب إلى هذين المصدرين العظيمين فيستقي منهما دون تفريق. وقد يتهمك إن اعترضت عليه رغم أنك تتكلم بعلم، وبما يقوله المحدثون أنفسهم، لكن الثقافة السائدة تغلب عليه. بل تغلب على طلبة علم وشيوخ دين فتحيلهم مما هم عليه من مستوى علمي إلى عوام!

وإنما تشدد المحدثون – ومنهم الشيخان – في رواية أحاديث العقائد والأحكام، وما عداها كأحاديث الفضائل والرقائق والمناقب ونحوها فقد تساهلوا في شروط روايتها. بل أحاديث الأحكام نفسها لهم منهج في التعامل مع الحديث منها الذي يكون أصلاً في بابه، والحديث الذي يعتبر شاهداً من شواهد الباب([1]).

الحديث ليس على شرط الشيخين وإن روي فيهما

وحديث (لو كان الإيمان عند الثريا…) ليس من صنف الأحاديث التي يتشدد المحدثون في شروط روايتها. إذ هو من أحاديث المناقب وليس من أحاديث العقائد أو الأحكام والحلال والحرام. هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية فإن البحث في أسانيد الحديث يدل على أنه مما لم يشدد الشيخان فيه فعلاً.

1. أول ما يلاحظ على السند أن البخاري([2]) رواه عن عبد العزيز ابن أبي حازم سلمة بن دينار. بينما الراجح عند النقاد – مثل ابن حجر – أنه عبد العزيز الدراوردي. ومنهم من قال: بل هو الدراوردي عند البخاري. قال ابن حجر (فتح الباري 8/642- 643): “يؤيده أن البخاري لم يخرج للدراوردي إلا متابعة أو مقروناً وهو هنا كذلك فإنه صدره برواية سليمان بن بلال ثم تلاه برواية عبد العزيز”. وقال: “أخرجه مسلم عن قتيبة عن الدراوردي. وجزم الكلاباذي بأنه ابن أبي حازم، والأول أولى؛ فإن الحديث مشهور عن الدراوردي. ولم أر في شيء من المسانيد من حديث أبي حازم والدراوردي قد أخرج له البخاري في المتابعات غير هذا”. وقصدي من ذلك أن الحديث جاء في المتابعات، لا في الاحتجاج؛ والبخاري لم يخرج للدراوردي إلا مقروناً بغيره؛ فليس هو على شرط البخاري.

2. ومما يدل على أن الحديث ليس على شرط الشيخين أن الدراوردي، وإن كان ثقة، يخطئ إذا حدث من حفظه أو حدث من كتب الناس. قاله أحمد بن حنبل، وقال: “وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمرو”. وقال أبو زرعة: سيئ الحفظ ربما حدث من حفظه الشيء فيخطيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يغلط. قال المزي: روى له البخاري مقروناً بغيره. وقال ابن حبان في الثقات: وكان يخطئ. وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة إلا أنه كثير الوهم”.

وكان الدراوردي شديد اللحن يضاً؛ ربما لأنه فارسي من خراسان. قال الزبير: حدثني عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن جاء الدراوردي إلى أبي يعرض عليه الحديث فجعل يلحن لحناً منكراً، فقال له أبي: ويحك إنك كنت إلى لسانك أحوج منك إلى هذا. (انظر تهذيب التهذيب لابن حجر:6/353 – 355). وذكره العقيلي – وهو تلميذ البخاري – في الضعفاء (الضعفاء الكبير: 3/20).

3. ومن دلائل عدم اتصاف الحديث بشرط (الصحيحين) أن ثور بن زيد الديلي قدري خارجي، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك (التمهيد لابن عبد البر: 5/378).

هذا ولم أستقص البحث عن جميع الرواة؛ فهذا في حاجة إلى جهد ووقت لا أملكه، وفيما ذكرته يغني عما تركته. فالحديث لا يصح نسبته إلى الشيخين على وجه الإطلاق.

4. الحديث من رواية موالي الفرس

يرفض المحدثون قبول رواية المبتدع الثقة إذا كانت في تأييد بدعته؛ لكون المرء ربما مال إلى هواه. ومن عرف طبائع البشر، وميلهم إلى عصبيتهم وقومهم، لا سيما الفرس فإنهم أكثر الناس عصبية لقومهم.. أدرك ضرورة الحذر مما يرويه موالي الفرس في مدح قومهم والتعصب لهم. وليس من شرط كون المرء ثقة أن يكون سالماً من الهوى. انظر إلى محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري (ت 1353هـ) في كتابه (فيض الباري على صحيح البخاري، 5/421) كيف قال: “ومَحْمل هذه الأحاديث هم حَمَلةُ الشريعة في العجم. ولا ريب أن هؤلاء كَثُروا في العجم، حتى إن أصحاب (الصِّحاح) كلهم من العجم”! فأطلق ولم يقيد!

والحديث – إضافة إلى كونه في المناقب، وليس في العقائد أو الأحكام، وليس هو على شرط الشيخين – من رواية الموالي. ومما يزيد الريبة تعدد رواته منهم حتى كأنه مسلسل بالموالي!

  1. فعبد العزيز ابن أبي حازم مولى فارسي وأمه رومية (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/257).
  2. وأما عبد العزيز الدراوردي فمولى أصله من قرية بفارس يقال لها دراورد (تهذيب التهذيب للذهبي: 6/353).
  3. وسالم أبو الغيث المدني، مولى عبد الله بن مطيع العدوي (تهذيب الكمال للمزي: 10/180).
  4. وثور بن زيد مولى لبني الديل (الطبقات الكبرى لابن سعد، ص326) .
  5. ومحمد بن رافع بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري، مولاهم (تهذيب الكمال: 25/192).
  6. وعبد الرزاق بن همام الصنعاني مولى شيعي (سير أعلام النبلاء، للذهبي، 8/222).
  7. ومعمر بن راشد مولى (سير أعلام: 6/471).
  8. وشهر بن حوشب مولى الصحابية أسماء بنت يزيد الأنصارية. واختلف في توثيقه (سير أعلام النبلاء، 4/372 وما بعدها). وعلق شعيب الأرنؤوط على حديث أحمد بقوله: إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب (مسند الإمام أحمد، 6/92، النسخة الموصلية).
  9. وعوف، الذي حدث عن شهر (إن كان ابن أبي جميلة بن سهل الأعرابي): مولى فارسي قدري شيعي رافضي. (سير أعلام: 6/384) وأضاف العقيلي عن بندار: والله لقد كان عوف قدرياً رافضياً شيطاناً (الضعفاء الكبير: 3/429).
  10. ومما يلفت النظر إلى حرص الموالي على هذه الرواية أن ابن الأثير رواها عن سفينة وهو مولى مسلسلة بثلاثة من أحفاده والرابع ابن له، وهو خامسهم: (ابن عبيد بْن الأسود بْن سويد بْن زياد بْن سفينة)([3]).

هذا ولم أستقص البحث عن جميع الرواة. علماً أنني لا أطعن في صدق المولى بقدر ما أقصد أن الرواية مما يوافق ميول الراوي؛ فينبغي الاحتراز والتوثق مما يرويه من هذا الصنف. وما أكثر الأحاديث الضعيفة في فضل العرب والعروبة التي رواها الرواة مع صدقهم انسياقاً وراء الميل والعاطفة!

 

22/2/2016

___________________________________________________________________________________________

  1. – قال الذهبي (الموقظة، ص80): فما في “الكتابين” بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة. ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات، ففيهم من في حفظه شيء، وفي توثيقه تردد. وقال ابن الصلاح وهو يستعرض أسباب وجود رواة ضعفاء في صحيح مسلم (صيانة صحيح مسلم، ص96): الثاني أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه.

    وأنصح بالرجوع في التعرف على كلام العلماء في ذلك وتواطئهم عليه إلى كتاب (الكفاية) للخطيب البغدادي، باب (التشدد في أحاديث الأحكام, والتجوز في فضائل الأعمال قد ورد عن غير واحد من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلا عمن كان بريئاً من التهمة, بعيداً من الظنة. وأما أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك فإنه يجوز كتبها عن سائر المشايخ)، ص133 وما بعدها. منه قول الإمام أحمد بن حنبل: «إذا روينا عن رسول الله في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد , وإذا روينا عن النبي في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد». وقول سفيان الثوري: «لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم, الذين يعرفون الزيادة والنقصان. ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ».

  2. – روى الإمام البخاري الحديث بسندين: الأول: حدثني عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني سليمان بن بلال عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة . والثاني: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عبد العزيز، أخبرني ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة.

    وروى مسلم الحديث بسندين: الأول يلتقي مع سند البخاري: عن عبد العزيز يعني ابن محمد عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة. والثاني: حدثني محمد بن رافع (حدثنا)، وعبد بن حميد (أخبرنا) عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة.

    ورواه أحمد في (المسند) بسندين: أحدهما: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن جعفر الجزري عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة (وهو إسناد مسلم الثاني نفسه). والآخر: حدثنا إسحق بن يوسف، وهو الأزرق، أخبرنا عوف عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة.

  3. – أسد الغابة في معرفة الصحابة، 2/505. أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني الجزري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ – 1994م.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: