مقالات

استغلال الشعوبيين لرواية ( لو كان الإيمان عند الثريا…) .. عروبة العلماء (7)

د. طه حامد الدليمي

الرواة يتصرفون بالرواية شرقاً وغرباً .. ما السر ؟ ومن وراءه ؟

وقد تصرف الرواة بالنص شرقاً وغرباً، متناً وسنداً. ما يشير إلى اليد الشعوبية الخفية التي تختبئ وراء الرواية. وإليكم مثالين على التصرف والتحريف من عشرات لنص لم يثبت أصله:

روى الإمام أحمد في (المسند): حدثنا إسحق بن يوسف، وهو الأزرق، أخبرنا عوف عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: سمعته يقول: قال رسول الله : (لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس). وهنا وضع (العلم) بدل (الإيمان والدين) اللذين وردا عند البخاري ومسلم. وليس من شرطهما البروز في العلم.

وشهر بن حوشب مولى الصحابية أسماء بنت يزيد الأنصارية. واختلف في توثيقه (سير أعلام النبلاء، 4/372 وما بعدها). وضعف شعيب الأرنؤوط الحديث من أجل شهر بقوله: إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب (مسند الإمام أحمد، 6/92، النسخة الموصلية)([1]).

وروى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا شيخ من أهل المدينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة تلا رسول الله يوماً هذه الآية: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). قالوا: ومن يُستبدَل بنا؟ قال: فضرب رسول الله على منكب سلمان ثم قال: (هذا وقومه، هذا وقومه). فلم يكتف (الشيخ) بالنص المتقدم لقصوره في شفاء غلة العنصرية حتى جعله يصرح بأن البديل للعرب هم الفرس!

والرواية – كسابقتها – ضعيفة سنداً ومتناً. أما المتن فتفوح منه رائحة الشعوبية، ولا ينكرها إلا من فقد حاسة الشم. وأما السند فقد ضعفه الترمذي نفسه فقال: هذا حديث غريب، في إسناده مقال. والغريب في اصطلاح الترمذي هو الضعيف. وسبب ضعفها من جهة إسنادها أن فيها راوياً مجهولاً (شيخ من أهل المدينة). فالحديث منقطع بين عبد الرزاق والعلاء بن عبد الرحمن. هذا ولم يسلم بعض الرواة الآخرين من مقال؛ فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. والواقع التاريخي يشهد بعكسه تماماً! لا كما يزعم التجار، وصدقهم الأغرار.

الشعوبيون يستغلون الحديث ويضيفون إليه

نقول هذا الكلام لأننا لم نرتض لأنفسنا أن نجلس وراء المكاتب، أو خلف الجدران الصماء، لا ندري بما يدور وراءها. نتطلع إلى الناس من فوق بروجنا العاجية؛ فنفسر النصوص بما يمكن أن تحتمله من معانٍ، دون النظر إلى الواقع، أو مصداقها منه. ولا ندرك كيف يتصيد الخصوم كلماتنا وينفذوا من ثغراتها؛ ليستثمروها في صالح معتقداتهم، وتحقيق أهدافهم، وخدمة أغراضهم. هذا واحد من دجاجلة الشيعة هو علي الكوراني. انظر إليه كيف يتعامل مع هذه النصوص! فيقول:

الآيات والأحاديث في مدح الإيرانيين: وردت الأحاديث حول الإيرانيين وحول الآيات المفسرة بهم بتسعة عناوين: ” قوم سلمان. أهل المشرق. أهل خراسان. أصحاب الرايات السود. الفرس. بني الحمراء أو الحمراء. أهل قم. أهل الطالقان ” وسترى أن المقصود فيها غالبا واحد. وقد تكون أحاديث أخر عبرت عنهم بعناوين أخرى أيضا. في تفسير قوله تعالى: “وان تتولوا يستبدل قوما غيركم” قال عز وجل: “ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم ” (محمد:38) . قال صاحب الكشاف (ج 4 ص 331) ” وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: “هذا وقومه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس”.

وقال صاحب مجمع البيان: “روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: “إن تتولوا يا معشر العرب، يستبدل قوما غيركم، يعني الموالي”… وفي الحديث الشريف معنيان متفق عليهما، وهما: أن الفرس هم الخط الثاني عند الله تعالى لحمل الإسلام بعد العرب، والسبب في ذلك أنهم يصلون إلى الإيمان مهما كان بعيدا عنهم، وكان طريقه صعبا. كما أن فيه ثلاثة أمور محل بحث: أولها: هل أن هذا التهديد للعرب باستبدال الفرس بهم خاص بوقت نزول الآية في عصر النبي صلى الله عليه وآله أو مستمر في كل جيل، بحيث يكون معناه: إن توليتم في أي جيل يستبدل بكم الفرس؟ والظاهر أنه مستمر… وثانيها: أن الحديث الشريف يخبر أن رجالا من فارس ينالون الإيمان أو العلم، ولا يخبر أنهم كلهم ينالونه. فهو مدح لأفراد نابغين منهم وليس لهم جميعا. ولكن الظاهر من الآية والحديث أنهما مدح للفرس بشكل عام لأنه يوجد فيهم رجال ينالون الإيمان والعلم. خاصة إذا لاحظنا أن الحديث عن قوم يخلفون العرب في حمل الإسلام. فالمدح للقوم بسبب أنهم أرضية للنابغين، وأهل لاطاعتهم والاقتداء بهم. وثالثها : هل وقع إعراض العرب عن الإسلام واستبدال الفرس بهم ، أم لا ؟ والجواب: أنه لا إشكال عند أحد من أهل العلم أن العرب وغيرهم من المسلمين في عصرنا قد أعرضوا وتولوا عن الإسلام. وبذلك يكون وقع فعل الشرط ” إن تتولوا ” ويبقى جوابه وهو الوعد الإلهي باستبدال الفرس بهم. كما لا إشكال عند المنصفين أن هذا الوعد الإلهي بدأ يتحق…

في تفسير قوله تعالى: “بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد” في (البحار: ج60 ص216) عن الإمام الصادق عليه السلام ، ” أنه قرأ هذه الآية. فقلنا جعلنا فداك من هؤلاء ؟ فقال ثلاثا : هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم “…

أما الأحاديث الواردة من طرق الفريقين في مدح الإيرانيين ومستقبل دورهم في حمل الإسلام، فهي كثيرة… وهو يدل على أن الوعد الإلهي سيتحقق في العرب فيتولوا عن الدين ، ويستبدل الله تعالى بهم الفرس، ولا يكونوا أمثالهم. ويدل على أن الفتح الإسلامي في هذه المرة سيكون ابتداء من إيران في طريق القدس والتمهيد للمهدي عليه السلام)([2]).

29/2/2016

__________________________________________________________________________________________

  1. – وعوف، الذي حدث عن شهر (إن كان ابن أبي جميلة بن سهل الأعرابي): مولى فارسي قدري شيعي رافضي. (سير أعلام: 6/384) وأضاف العقيلي عن بندار: والله لقد كان عوف قدرياً رافضياً شيطاناً (الضعفاء الكبير: 3/429).
  2. 1- عصر الظهور ، ص195-201، علي الكوراني.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: