التخطي إلى شريط الأدوات
بحوث ودراسات

تحقيق الروايات الواردة في رفض سيدنا علي رضي الله عنه تعيين خلَف له

د. طه حامد الدليمي

 

ما روي من أن سيدنا علياً ترك أمر تعيين سيدنا الحسن ومات قبل أن يحسم ذلك، لا يثبت للتحقيق لا سنداً ولا متناً، إنما هو أمر ذكرته الكتب وتلقاه الناس بالقبول مدفوعين بثقافة الانحياز والازدواج الرائجة. وهذا بيان ذلك:

 

أولاً : الرواية سنداً

الرواية الأولى:

عن جندب بن عبد الله أنه دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن؟ قال: “ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر”.

رواها الطبراني في (المعجم الكبير:1/97) بلفظ: “وذُكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي يسأل به، فقال: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر” هكذا معلقاً معلقاً دون إسناد[1]. وكذا رواها الطبري في (تاريخ الرسل والملوك)[2]، والهيتمي في (مجمع الزوائد)[3]. فالرواية منقطعة معضلة الانقطاع؛ فلا تصح من هذا الوجه.

 

الرواية الثانية:

روى البيهقي في (دلائل النبوة) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو بكر، محمد بن أحمد المزكي بمرو، قال: حدثنا عبد الله بن روح المدائني، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعيب بن ميمون، عن حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي عن أبي وائل قال: قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ألا تستخلف علينا؟ قال “ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيراً فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم”([4]).

والرواية في سندها – إضافة إلى متنها – أكثر من علة:

 

1. شعيب بن ميمون:

قال البخاري في (التاريخ الكبير): فِيهِ نظر. وعده العقيلي في الضعفاء. وذكره ابن حبان في (المجروحين) وقال: شعيب بن ميمون ممن يروي المناكير عن المشاهير على قلة روايته، لا يحتج به إذا انفرد.

وذكره ابن عدي في (الكامل في ضعفاء الرجال) وقال: سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: شعيب بن ميمون عن حصين بن عبد الرحمن رواه عنه شبابة، فيه نظر. وذكر رواية استخلاف علي السابقة وقال: قال الشيخ: لا أعلم لشعيب بن ميمون غير هذا الحديث الذي رواه عن حصين رواه عنه شبابة، وإلى هذا أشار البخاري.

وضعف الدارقطني الرواية في (العلل) وقال: هو حديث يرويه الحسن بن عمارة واختلف عنه (وذكر الاختلاف حتى قال) والحسن بن عمارة ضعيف. وذكر السند الذي فيه شعيب بن ميمون وقال: وشعيب بن ميمون ليس بالقوي.

وذكره ابن الجوزي في (الضعفاء) وقال: شعيب بن ميمون يروي عن حصين بن عبد الرحمن، قال الرازي: مجهول، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير لا يحتج به إذا انفرد.

ولخص ابن حجر العسقلاني القول فيه في (تهذيب التهذيب) فقال: قال أبو حاتم (أي الرازي): مجهول، قلت وكذا قال العجلي. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير على قلته لا يحتج به إذا انفرد. وقال محمد بن أبان الواسطي: ومن مناكيره عن حصين عن الشعبي عن أبي وائل، قال: قيل لعلي: ألا تستخلف؟ قال: إن يرد الله بالأمة خيراً يجمعهم على خيرهم. وهو معروف برواية الحسن بن عمارة عن واصل بن حيان عن شقيق أبي وائل، والحسن ضعيف. وقال ابن عدي: لا أعلم له غيره[5].

 

2. أبو عبد الله الحافظ

وهو المعروف بـ(الحاكم) صاحب (المستدرك على الصحيحين). شيعي، وبعضهم اتهمه بالرفض. وله في مستدركه تخليطات شيعية كثيرة وعجيبة، واحد منها (حديث الطير)[6]، ولا أدري كيف يخطر ببال أحد صحة مثله، فضلاً عن الاستدراك به على (الصحيحين)!

قال الذهبي فيه: أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، عن أبي عبد الله الحاكم فقال: ثقة في الحديث رافضي خبيث. قلت: كلا ليس هو رافضياً، بلى يتشيع. (قلت “طه”: لا أدري كيف جمع بين “رافضي خبيث” و”ثقة في الحديث”)!

قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة. وكان منحرفاً غالياً عن معاوية وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه. فسمعت أبا الفتح سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج. فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثاً لاسترحت من المحنة. فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي[7].

وقد شاع في كتابه (المستدرك) أحاديث في ذم الأمويين ولعن رجال منهم بأسمائهم حتى روى بسنده عن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما (أن رسول الله لعن الحكم وولده). وقال: هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعقب عليه قائلاً: ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي، وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم ولم يسعني فيما بيني وبين الله أن أخلي الكتاب من ذكرهم[8]. وكره الأمويين وثلبهم ديدن الرافضة، عبر إليهم من الفرس المجوس عن طريق الموالي. والحكم صحابي فكيف يُلعن صحابي بدعوى تنسب إلى النبي ولا يعقل ذلك! لعن الله من لعن صحابياً. ثم يتجاوز باللعن إلى ولده. والولد يطلق على الذرية ليس الأبناء المباشرين فحسب!

وأورد الرواية السابقة شاهداً لما رواه بسنده عن عمرو بن مرة الجهني (أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي فعرف النبي صوته وكلامه فقال: ائذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وشاهده حديث عبد الله بن الزبير).

فالحاكم شيعي رافضي لا شك في ذلك، وإن روى في كتابه ما فيه ثناء على الصحابة؛ يكفي الرافضة أن يرووا هذا السخف وأمثاله أن يشيع في الأمة تحت ستار تلك الأحاديث التي لا يضيرهم روايتها، فقد روتها دواوين حديث الأمة. ولا يبعد أن يكون ألف كتابه من أجل هذه الأباطيل وأمثالها.

قال ابن قيم الجوزية منتقداً الحاكم وكتابه (المستدرك): “وهذا وأمثاله هو الذي شان كتابه ووضعه وجعل تصحيحه دون تحسين غيره”[9].

ولنا أن نسأل هنا: من الذي رفع هذا الرجل إلى درجة (الحاكم) وهي أعلى درجة في الحديث، بل وتفرد بها دون الآخرين، وهو على هذه الحال بحيث أن “تصحيحه دون تحسين غيره”؟!

 

3. شبابة بن سوار:

مختلف في توثيقه. قال عنه الذهبي:

الإمام الحافظ الحجة; أبو عمرو الفزاري، مولاهم المدائني… وكان من كبار الأئمة إلا أنه مرجئ. وقال أحمد: كان داعية إلى الإرجاء. وقال أبو حاتم: صدوق ، ولا يحتج به. وروى أحمد بن أبي يحيى عن أحمد بن حنبل قال : تركته للإرجاء. وقال أبو عبد الله: كنت كتبت عن شبابة قديماً شيئاً يسيراً قبل أن نعلم أنه يقول بهذا، يعني الإرجاء. وذكر العقيلي أن شبابة قدم من المدائن، للذي أنكر عليه أحمد، فكانت الرسل تختلف بينهما. قال الناقل: فرأيت شبابة تلك الأيام مغموما مكروباً، ثم انصرف إلى المدائن قبل أن ينصلح أمره عند أحمد بن حنبل. وقال علي بن المديني: صدوق إلا أنه يرى الإرجاء ، ولا ينكر لمن سمع ألوفا أن يجيء بخبر غريب[10].

وذكره العقيلي في الضعفاء. وحكى خصومة الإمام أحمد له وأنه كان داعية للإرجاء، وأنه سئل: شبابة أي شيء تقول فيه؟ فقال: شبابة كان يدعو إلى الإرجاء. وحكى عن شبابة قولاً أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت عن أحد بمثله. قلت: كيف كتبت عن شبابة؟ فقال لي: نعم، كنت كتبت عنه قديماً شيئاً يسيراً قبل أن نعلم أنه يقول بهذا[11].

 

الرواية الثالثة

روى البيهقي في (الدلائل 6/439) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو الجواب الأحوص بن جواب، حدثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد قال: قال علي قالوا: يا أمير المؤمنين: ألا تستخلف؟ قال: لا! ولكني أترككم كما ترككم رسول الله قال: فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملاً؟ قال: أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم.

قال فيه ابن كثير (البداية والنهاية: 6/245): موقوف، وفيه غرابة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. ثم المشهور عن علي أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو خارج لصلاة الصبح عند السدة، فبقي علي يومين من طعنته، وحبس ابن ملجم، وأوصى علي إلى ابنه الحسن بن علي.

وفي السند أكثر من علة:

 

1. ثعلبة بن يزيد الحماني:

قال فيه البخاري (التاريخ الكبير: 2/174): فيه نظر. قال النبي لعلي: إن الأمة ستغدر بك، ولا يتابع عليه. وضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير:1/178) فقال: ثعلبة بن يزيد الحماني: عن علي حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: ثعلبة بن يزيد الحماني عن علي قال البخاري: لا يتابع في حديثه نظر. وأشار البيهقي نفسه (الدلائل:6/440) إلى ضعفه بقوله: قال البخاري: ثعلبة بن يزيد الحماني فيه نظر لا يتابع عليه في حديثه هذا. قلت: كذا قال البخاري.

 

2. الأعمش

والسند فيه الأعمش وهو شديد التدليس وقد عنعنه.

 

3. الحاكم

وقد سبق بيان أمره.

 

4. الأحوص بن جوّاب

قال فيه ابن أبي حاتم الرازي: حدثنا عبد الرحمن أنا ابن ابى خيثمة فيما كتب إلي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو الجواب الأحوص بن جواب ثقة. قال: وسئل يحيى مرة أخرى فقال: ليس بذلك القوي. سمعت أبي يقول: أبو الجواب صدوق[12].

والثقة لا يلزم منه أنه ثبت متقن الحفظ. وإنما ثقة في دينه وصدقه؛ قال العقيلي في (الضعفاء الكبير 2/124) عن يحيى يقول: أبو خالد الأحمر ثقة وليس بثبت. وقال السخاوي (فتح المغيث:)[13]: قد يطلقون الوصف بالثقة على من كان مقبولاً ولو لم يكن ضابطاً.إ.هـ. قلت: ولهذا جمع يحيى فيه بين قوله: “ثقة” و”ليس بذلك القوي”. وقال ابن كثير في (اختصار علوم الحديث): قال ابن أبي حاتم: إذا قيل ” صدوق ” أو “محله الصدق” أو “لا بأس به”، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه[14]. وقد قال صاحب هذا القول الآنف الذكر وهو أبو حاتم في الأحوص: “أبو الجوّاب صدوق”، كما رواه عنه ابنه ابن أبي حاتم.

 

ثانياً : الرواية متناً

وأما المتن فلا يصح. وأسباب عدم صحته كثيرة، منها: وأما المتن فلا يصح. وأسباب عدم صحته كثيرة:

1. إن نقل السلطة من أعظم ما يشغل الحاكم، كما أنه من أوجب الواجبات في الشرع؛ فإن ترك الأمر دون حسم يؤدي إلى وقوع الاختلاف والفتنة والاقتتال. فلا يصح عقلاً ولا شرعاً ترك أمر نقل السلطة عرضة لهذه المخاطر الكارثية. لهذا قال ابن عمر لأبيه، كما روى مسلم: “إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك. زعموا أنك غير مستخلف. وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد. قال: فوافقه قولي”.

2. القول بموت الحاكم قرير العين قبل حسم أمر انتقال السلطة هو قول من لا يدري ما يقول، ولا علم له بالسياسة، ولا تصور عن حقيقة ما يخوض فيه. يدفعه إليه توهم أن في الأمر قدحاً بعلي فيما لو أوصى إلى ابنه الحسن. وهم في العادة شيعة أو فيهم شوب من التشيع. والرواية في أول سندها الحاكم، والحاكم له ميول شيعية حد الاتهام بالرفض. وكتابه (المستدرك) شاهد على شيعيته، وكان يسب معاوية حتى حجر عليه أصحاب أبي عبد الله بن كرام في داره بسبب ذلك، لا يمكنه الخروج إلى المسجد وكسروا منبره، ومنعوه من الخروج، وهو يأبى أن يملي شيئاً في فضائل سيدنا معاوية[15]. وفيها موالي، وكثير من الموالي فيهم تشيع، ومنهم من لم ينظف قلبه على دولة الإسلام.

3. إذا لجأنا إلى التأويل – على فرض صحة الرواية – فلنا مخرج واحد هو أن علياً اطمأن إلى اختيار أصحابه لابنه الحسن. فلم يصرح – لأمر ما برأيه – فقال: “لا آمركم ولا أنهاكم” بعد أن لمس من القرائن القوية ما يجعل الاختيار محسوماً لصالحه.

4. فكيف والظروف المحيطة بموت علي مضطربة شديدة الاضطراب؟ إنما تصور هذا ناتج عن نظرة سكونية جامدة، تأخذ الأمور مجردة عن حيثياتها وملابساتها. فلو فرضنا أن رسول الله توفي دون أن يعين خلفاً له، فإنه ترك دولة موطدة الأركان، وترك صاحباً له قدمه في الصلاة مصراً على تقديمه، وليس له من نظير ولا منافس يصلح للمنافسة؛ لهذا تمت بيعته دون خلاف كبير أو مشكل عويص. أما عند مقتل سيدنا علي فقد كانت الأمور مضطربة غاية الاضطراب والدولة منقسمة والنظراء المتنافسون كثر؛ فترك الأمر بلا حسم قياساً على فعل الرسول ليس بصائب. ولا القياس يستقيم لأنه قياس مع الفارق. وليس مثل علي من يجهل مثل هذا.

والمقارنة بين الحالتين في قوله: “كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم”: تخالف الواقع؛ فالنبي اتخذ كل الأسباب للانتقال السلمي للسلطة؛ فلو ترك الأمر دون تعيين صريح فإنه لا محذور منه، فكيف وقد أشار بوضوح إلى تقدم أبي بكر ، والوضع المستقر، ومنزلة أبي بكر فهو شيخ المسلمين بلا منازع لا يحتاج معها إلى أكثر من تقديمه في الصلاة دلالة على تعيينه خلفاً له. وما زاد فلا حاجة إليه. وليس أبو بكر ممن يمكن أن يكون له منافس؛ وهو ما عناه عمر بن الخطاب بقوله: “وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر”([16]).

5. القول بـ”أن الله إذا أراد بالناس خيراً فسيجمعهم على خيرهم”، تفريط باتخاذ السبب المأمور اتكالاً على القدر المقدور. وهو في أصله مخالفة شرعية. وفي مثل ما نحن فيه تتغلظ المخالفة. وهو شبيه بقول الداعي: “اللهم اغفر لي إن شئت” المنهي عنه([17]). والعبد مأمور بالركون إلى القدر بعد قيامه بالسبب. أما قبل ذلك فيعد آثماً.

إن نقل السلطة، أو الاستخلاف، تكليف شرعي عظيم، لا يصح أن يضيعه الحاكم اتكالاً على القدر. وسيدنا علي أعلم من أن يقول ذلك. وهو أعلى منزلة وأرقى لفظاً من أن ينسب إلى جنابه سبحانه فعل الإفساد فيقول: ” فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم”! فالرواية معلومة البطلان قولاً واحداً.

6. من المستبعد جداً أن لا يكون أهل الكوفة طلبوا من علي أن يستخلف عليهم الحسن؛ فثقافة العراقيين ثقافة كسروية تميل إلى حصر الملك في بيت الدين؛ وهذا سر تشيعهم لعلي ومراسلتهم للحسين. كما أستبعد أن يترك علي أمر جماعته فوضى ليموت دون أن يفكر في آلية تضمن اجتماعهم على أمير وتمنع من تفرقهم عليه. اللهم إلا إذا كان قد اطمأن إلى أنهم سيختارون الحسن، كما قلت آنفاً.

7. من غير المعقول أن يجتمع أصحاب علي بعد وفاته مباشرة على بيعة الحسن دون أن يكون لذلك مقدمات تسبقه من تشاور ومداولة للرأي. كما أنه ليس من المعقول أن يدور ذلك كله خارج نطاق سمع علي فمات وهو لا يدري عنه شيئاً. هذا يمكن أن يقبله أصحاب العقلية التجريدية، ممن يصعب عليهم رؤية الأمور كما هي. ومن غير المعقول أيضاً أن يكون علي نهى أصحابه عن تولية الحسن فخالفوه. فأقل ما يقال هنا: إنه رضي بتولية الحسن ولم ينههم. هذا إن لم يكن أمرهم به أو أشار إليه.

وفي أحد متون الرواية إقرار وإشارة إلى رضا سيدنا علي عن تولية ابنه الحسن: “يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر”. فإن صحت فهي تصرف سياسي ذكي منه في ظرف هو يعلم أنه ليس فيه من هو أصلح لها من الحسن، ولن يختار أصحابه غيره.

ونكتة الأمر وأهم ما فيه: أن أهل الشأن لم يجدوا يومها من هو أصلح للخلافة بعد علي من الحسن، مع أنه ابن الخليفة السابق. وما من شك في أن هناك من هو أفضل منه مطلقاً من سابقي الصحابة الذين ما زالوا أحياء، وهم كثر. لكن من المؤكد أنهم نظروا فوازنوا بين جملة أمور، وعلى رأسها من هو أنسب شخص للمنصب تحفظ به الجماعة ولا ينفرط عقدها. ولم يقصروا الأمر على الأفضلية المطلقة، ولم ينتظروا حتى يستشيروا أهل الرأي في أصقاع الدولة. وربما اتخذوا هذا القرار قبل وفاة علي – وهو الراجح نظراً لطبيعة الأمر وخصوصية الظرف – وربما بعدها؛ فالأمر سيان. فإن سيدنا علياً لم يكن ليخالف في ذلك الظرف المضطرب ما اجتمع عليه أصحابه من رأي؛ لاسيما مثل هذا الرأي الحصيف. وليست الحجة في صحة تولية الحسن أن علياً قال كذا أو كذا، فإنه لو عينه في حياته، أو عُرض عليه ورضي به فكل ذلك جائز؛ بدليل أن عمر بن الخطاب لو قبل عرض الصحابة في تولية ابنه لما كان في ذلك أدنى قدح في صحة توليته.

8. لا داعي للتحرج من كون علي هو الذي أمر بتولية الحسن، أو وافق عليه صراحة بعد أن عرض عليه كمقترح من خاصته، أو سكت عن إبداء رأيه قائلاً: لا آمركم ولا أنهاكم. فهذه ثلاثة أمور محتملة. ورأيي أن الإصرار على نفي الاحتمالين الأولين وإثبات الأخير هو قول من يتوهم أن في الفعل منكراً. ولو كان هذا الوهم حقاً لما سكت عنه سيدنا علي؛ فإنه لا يسكت عن منكر إلا ملجأً، ولا إلجاءَ في الواقعة. فما فعله علي في ظرفه الذي هو فيه إنما هو عين الصواب؛ فلا داعي للتمحل والاعتذار. وهذا ما فعله معاوية، سوى أنه بكّر بالأمر خشية فجَأة الموت. وهي ميزة غالية تحسب له لا عليه.

وهكذا بطلت الرواية سنداً ومتناً. والله أعلم.

3/12/2016

___________________________________________________________________________________________

  1. – المعجم الكبير، 1/97، أبو القاسم الطبراني. مصدر سابق.
  2. – تاريخ الطبري، 5/146-147. مصدر سابق.
  3. – مجمع الزوائد، 9/142. نور الدين الهيتمي. مصدر سابق.
  4. – دلائل النبوة، 7/223، البيهقي. مصدر سابق. وصححها البيهقي. ورواها عنه ابن كثير في (البداية والنهاية:6/271) وقال: إسناد جيد ولم يخرجوه.
  5. – انظر على التوالي: التاريخ الكبير 4/222، الضعفاء الكبير، 2/182. المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، 1/362 محمد بن حبان التميمي البُستي (ت 354هـ)، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب، الطبعة الأولى، 1396هـ. الكامل في ضعفاء الرجال، 5/5، أبو أحمد بن عدي الجرجاني. مصدر سابق. العلل الواردة في الأحاديث النبوية، 4/172، أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت 385هـ)، دار طيبة – الرياض، الطبعة الأولى، 1405 هـ – 1985 م. الضعفاء والمتروكون، 2/42، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت 597هـ)، تحقيق عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1406. تهذيب التهذيب 4/357، ابن حجر العسقلاني.
  6. – حديث الطير هو الذي رواه الحاكم بسنده عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله فقدم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. قال: فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي، فقلت: إن رسول الله على حاجة. ثم جاء فقلت: إن رسول الله على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله : افتح، فدخل فقال رسول الله : ما حبسك علي؟ فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس، يزعم أنك على حاجة. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول الله، سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي. فقال رسول الله : إن الرجل قد يحب قومه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً. ثم صحت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة. وفي حديث ثابت البناني عن أنس زيادة ألفاظ. انظر: المستدرك على الصحيحين، 3/141، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (ت 405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1411 – 1990.
  7. – سير أعلام النبلاء، 17/174-176، الذهبي. مصدر سابق. وقال: قال ابن طاهر: قد سمعت أبا محمد بن السمرقندي يقول: بلغني أن (مستدرك) الحاكم ذكر بين يدي الدارقطني، فقال: نعم، يستدرك عليهما حديث الطير! فبلغ ذلك الحاكم، فأخرج الحديث من الكتاب. قلت: هذه حكاية منقطعة، بل لم تقع فإن الحاكم إنما ألف (المستخرج) في أواخر عمره، بعد موت الدارقطني بمدة، وحديث الطير في الكتاب لم يحول منه، بل هو أيضا في (جامع) الترمذي. قال ابن طاهر: ورأيت أنا حديث الطير جمع الحاكم بخطه في جزء ضخم، فكتبته للتعجب.
  8. – المستدرك، 8/78، الحاكم. مصدر سابق.
  9. – المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ص21، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت 751هـ)، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الأولى، 1390هـ/1970م.
  10. – سير أعلام النبلاء، 9/514-516، الذهبي. مصدر سابق. وفي تهذيب الكمال 12/343- 347: مولاهم أصله من خراسان. وذكر توثيق يحيى بن معين له وعلي بن المديني ومحمد بن سعد.
  11. – الضعفاء الكبير، 2/195، العقيلي. مصدر سابق.
  12. – الجرح والتعديل، 2/328، محمد عبد الرحمن بن ابى حاتم التميمي الحنظلي الرازي (ت327 هـ)، الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن – الهند، 1271ه – 1952م. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  13. – فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، 2/122، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (ت 902هـ)، تحقيق علي حسين علي، مكتبة السنة – مصر، الطبعة الأولى، 1424هـ – 2003م.
  14. – الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث، ص106، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت 774هـ)، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية.
  15. – راجع ملحق تحقيق الرواية في نهاية الفصل.
  16. – رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
  17. – عن أبي هريرة : أن رسول الله قال: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له). متفق عليه واللفظ للبخاري.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: