التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الجذور الرافضية والخوارجية لتولي السلطة في الثقافة السنية السائدة

د. طه حامد الدليمي

ثلاث اتجاهات ظهرت في العهد الأول للإسلام:

  1. أهل السنة والجماعة
  2. الخوارج
  3. الرافضة

أما أهل السنة والجماعة فهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ويمثلون الإسلام الفطري بصفائه ونقائه الذي تركهم عليه النبي . وظهر هذا المصطلح أول ظهوره على لسان الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وتلاميذه([1]). ظهوراً عفوياً ثم ثبت كمصطلح للدلالة على سواد الأمة الأعظم الذي تميز بحب الصحابة ، واتباع نهجهم. وهم سلف الأمة، فإذا أطلق وصف السلف بلا قيد فالمقصود به الصحابة.

وأما الرافضة والخوارج فظهروا أول ما ظهروا في عهد سيدنا علي بن أبي طالب ، وكان بداية تكوينهم في عهد سيدنا عثمان بن عفان .

نظرة الرافضة ( الشيعة ) والخوارج لطريقة الوصول إلى السلطة

1. بنى الرافضة نظرتهم للحكم وسبيل الوصول إلى السلطة وانتقالها من حاكم إلى آخر على اعتقاد عصمة علي وعدد محدد من ذريته، وحصر الحكم في هؤلاء دون غيرهم.

2. أما الخوارج فنظرتهم للحكم وانتقال السلطة نظرة فوضوية أشبه ما تكون بالمفهوم السائد للديمقراطية المنفلتة عن قيودها. فالخلافة عندهم تتعين في انتخابات حرة تحقق رضا الجميع لا يُغني بعضهم عن بعض في ذلك. وأجدر الناس بها من كان ذا تقوى وصلاح، سواء كان من قريش أم لم يكن، عربياً كان أم أعجمياً. وهذا هو معنى (الشورى) عندهم. فإذا خالف الخليفة مصلحة المجتمع فإنّه يعزل عن الخلافة، وإلا فلا بد من مقاتلته وقتله.

شيوع النظرة الرافضية الخارجية بين الأحزاب والمجامع والشخصيات العلمية المعاصرة

كان..

– للإعلام الشيعي منذ وقت مبكر من تاريخ الإسلام..

– والثورات الشيعية وتولي السلطة من قبل العلويين في بعض الأصقاع..

– ومجي الدولة العباسية محمولة على جناح عقيدة فاسدة هي أحقية أهل البيت، وعلى شفرة السيف الفارسي وتمكنه من الدولة، ومؤسساتها جميعاً ومنها الثقافية، وإشاعة الفكر الشعوبي في مفاصل الدولة والمجتمع..

– والتغلغل الخفي لعقائد الشيعة في المصادر المعتبرة للتاريخ والحديث، وكتب اللغة والأدب والحكايات..

– وقلة وجود عظماء للأئمة من طراز الإمام أحمد والأصمعي والبخاري تصدوا لمقاومة الغزو الشعوبي..

كان لذلك كله وغيره أثره العميق ودوره الخطير في إشاعة الفكر الشيعي الرافضي وسريان لوثته في الفكر السياسي الذي أمسى في النهاية ثقافة سائدة تقدس كل ما يصدر عن سيدنا علي والحسنين خاصة والبيت العلوي عامة.

كما كان للثقافة التغريبية التي غرسها محمد علي باشا وأسرته من بعده، والغزو الفرنسي لمصر، وتوالي الوفود العلمية إلى أوربا في القرن التاسع عشر وما بعده، ثم للاستعمار الغربي الذي اجتاح المنطقة، وتولي نوابه زمام القيادة من بعده.. كان لذلك وغيره أثره العميق ودوره الخطير في شيوع الفكر الخارجي في الحكم، الذي يلتقي في معظم جوانبه بالفكر الديمقراطي الذي غزا الأمة من المحيط إلى المحيط.

تبنى هذا الفكر المنحرف عامة المتأخرين من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين والإسلاميين، ومنهم علماء دين لهم وزنهم وجمهورهم مثل شيخ الأزهر الصوفي عبد الحليم محمود الذي يقول صراحة: (أما رأيهم “أي الخوارج” في الإمامة فإنه هو الرأي الذي يؤيد الاتجاه الحديث، ويؤيده كل مخلص لدينه ووطنه)([2]). ومثل الشيخ محمد أبو زهرة، الذي يقول في معرض بيانه للآراء التي تجمع فرق الخوارج: (وأول هذه الآراء، وهو من بين آرائهم السديدة المحكمة، أن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم)([3]). ومثل مفكرين مشاهير مثل د. محمد عمارة الذي يقول: (ويعتبر مذهب الخوارج في هذه الجزئية هو الأقرب إلى روح عصرنا، وروح الإسلام).. ورجح آراء وتحكم في نسبتها إلى أهل السنة، مثل قوله في السبيل الذي يتم به نصب الإمام: (أن تختار جماعة المسلمين إمامها وتعقد له وتبايعه). وقال: وهذا المعسكر يضم جمهور أهل السنة وكل المعتزلة وجميع الخوارج)([4]).

وكانت ثالثة الأثافي يوم تبنت الأحزاب والجماعات الإسلامية مثل هذا الخطاب الشاذ المبتدع في النظر إلى أصول الحكم، مثل حزب (التحرير) وجماعة (الإخوان المسلمين) وما تفرع عنهما من أحزاب وتنظيمات حتى رسخت هذه النظرة وباتت ثقافة سائدة لا يكاد يعرف النخب قبل الجمهور نظرة غيرها على أنها تمثل النظرية الإسلامية للحكم.

تجليات العقيدة السياسية للروافض والخوارج في الثقافة السائدة للحكم

جمعت الثقافة السنية السائدة قول الروافض والخوارج وزادت عليه بأن اشترطت على معاوية ويزيد ما لم تشترطه على أبي بكر وعمر وعلي مجتمعين إضافة إلى الحسن والحسين. وأركز هنا على التصور الرافضي، ومن خلاله أبرز التصور الخارجي لانتقال السلطة:

1. يتعامل الشيعة مع سيدنا علي على أنه معصوم لا يصدر عنه خطأ صغير ولا كبير. فكل ما صدر عنه من قول أو فعل صواب، ومن قال بغير ذلك فهو كافر.

والثقافة السنية السائدة تتعامل مع سيدنا علي وأبنائه بالتقديس الذي يساوي من الناحية العملية العصمة عند الشيعة؛ فتصوب كل فعل لعلي في خصومته مع الصحابة. ولا تتقبل أي إشارة له بخطأ لا مع أهل الحجاز (عائشة والزبير وطلحة وابن عمر وغيرهم)، ولا مع أهل الشام (معاوية وعمرو وابن عمرو وغيرهم). ووضعوا في تبرير هذه النظرة الروايات التي لا تصح متناً ولا سنداً. فقفلوا بها العقل عن أن يفكر.

لو قلت طبقاً للأدلة الراجحة: إن النبي حرم الخروج على الحاكم. ويزيد رحمه الله حاكم شرعي بويع بإجماع أهل الحل والعقد في عاصمة الخلافة، وبهذا يتم نصاب البيعة الشرعية في الإسلام النقي من لوثة الروافض والخوارج. إضافة إلى أن سيدنا معاوية عينه بعد أن استشار فيه كل أهل الشأن في الأمصار جميعاً، فكلهم وافقه سوى ثلاثة (الحسين وابن أبي بكر وابن الزبير)، ولم تكن لهم من حجة شرعية سوى الظن المحجوج بالشرع، الذي وقفت الأمة كلها إلى جانبه سوى المذكورين.. لو قلت ذلك صاحوا بك من كل جانب كأنك اعترضت على نبي! وقد يصمونك بالنصب، وما دروا أنهم لثقافتهم الشيعية التقديسية (=العصموية) فعلوا ذلك.

لو كنا أمة لا شرع لها لكفى كل عاقل منها حجة هذا الكم الهائل من الأمة مقابل ثلاثة؛ فبأي عقل يراد لأمة أن تساق راغمة خلف ثلاثة لم يكونوا متفقين فيما بينهم، أي إن محصلتهم النهائية لا تزيد على واحد، فالحسين كان يدعو لنفسه ولم يبايع عبد الله بن الزبير، وكذلك كان ابن الزبير ولم يبايع الحسين. ولولا خصومتهما ليزيد لتقاتلا فيما بينهما، لاسيما والزبير أبو عبد الله سبق أن قتل في معركة (الجمل) بقيادة علي أبي الحسين. أما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد مات قبل وفاة معاوية. والمفارقة المغيبة عن عقل الجمهور أن ابن عمر وابن عباس فقيهَي الأمة في زمانهما بايعا يزيد ولم يبايعا لا الحسين ولا ابن الزبير!

هل يعلم بهذه الحقائق؟ وهل يدرك أن من يروج في خلافها ملوثون بالثقافة الرافضية الخارجية؟

وأما الشرع فينهى عن الخلاف، ويحرم الخروج على الخليفة الشرعي.

لا حجة شرعية ولا عقلية لدى المتأخرين في تصويب فعل سيدنا الحسين . لقد أخطأ سيدنا الحسين فيما فعل، ولم يقره الصحابة على خروجه، ولم يبايعه أحد منهم، إنما غره أعداء الأمة في الكوفة والهمج المشاغبون من الشيعة والخوارج وأمثالهم واستدرجوه إلى ما بيتوه له من نهاية تصب في صالحهم.

يكفينا كمسلمين أن نعتقد في سيدنا الحسين أنه صحابي كريم نجله ونحبه ونستغفر له، ونفضله على من جاء من بعده من عظماء التابعين كأمير المؤمنين يزيد وأمثاله، أما أن نقدسه فننفي عنه الخطأ مطلقاً، فهذا من رواشح العقيدة الرافضية، وروائح العقدة الفارسية. نعم هو أفضل من يزيد، ولكن للسلطة مسالكها الشرعية والعقلية في سبيل الوصول إليها، وليس من بينها الأفضلية المجردة. والحسين جانب تلك المسالك. فلسنا مجافين لصحبته ومنزلته إذا قلنا: أخطأ في خروجه. ولو كان مجرد الأفضلية يفرض تعيين الحاكم لكان من هو أفضل منه من الصحابة كأنس بن مالك أولى منه. ثم إن الأفضلية لا معيار لها سوى الجدل الفارغ فيستحيل أن تكون لها المرجعية في تولي السلطة وانتقالها.

ثم انظر إلى أصحاب الثقافة الشيعية كيف يبررون لعلي ما هو في غنى عن الحاجة إلى تبريره؟! فيدّعون أنه مات ولم يحسم ولاية الحكم من بعده، وأنه لم ينصب الحسن! أي أنه ضيع الأمانة شرعاً وعقلاً في ظرف هو أحلك الظروف وأكثرها اضطراباً وأحوجها إلى حسم قضية نقل السلطة! وحتى تسلم لهم دعواهم وضعوا على لسانه أنه قال: (لا آمركم ولا أنهاكم) وأمثاله من الأقوال التي بحثتها فلم أجد واحداً منها صحيح السند فضلاً عن المتن!

إن تولية الحسن كان هو الفعل الأصوب من قبل سيدنا علي، وتم النصاب ببيعة أهل الشأن في الكوفة. ولقد حذا سيدنا معاوية في تولية يزيد حذو سيدنا علي في تولية الحسن، سوى أنه لم ينتظر حتى يفجأه الموت؛ فقد تتكرر مأساة عثمان فاحتاط للأمر قبل وقوعه. ولقد حدث ما كان يحذره عندما ترك حفيده معاوية الثاني الأمر دون حسم، كما يريد الخوارج وكما يريد المتأخرون من أصحاب الثقافة الملوثة، فماذا كانت النتيجة؟

اقتتالاً داخلياً استمر عشر سنين من سنة (64هـ – 73هـ)! أهذا ما يريده المتشيعنون المتخورجون الجدد!

لقد تم النصاب الشرعي لتولية أبي بكر من قبل أهل الشأن في العاصمة (المدينة) دون سواها من الأمصار، وكذلك عمر بن الخطاب وعثمان وعلي. والحسن أيضاً فقد نصبه أبوه علي بمشورة أهل الشأن في العاصمة (الكوفة)، ولم يستشر سواهم. فلماذا يطلب من معاوية ويزيد ما لم يفعله من هو أفضل منهما؟ ومع ذلك فقد فعل معاوية المطلوب في تولية يزيد في أكبر عملية شورى في تاريخ الإسلام قبلاً وبَعداً؟!

2. وتميز الرافضة والخوارج كلاهما، إضافة إلى ما سبق، بموقف سلبي متشنج من معاوية ويزيد خصوصاً والأمويين عموماً. وهذا ما هو عليه أصحاب الثقافة السائدة. يستندون في ذلك إلى افتراءات سخيفة عن حياة يزيد، وحوادث تاريخية محرفة كلياً عن أصلها كوقعة الحرة، إضافة إلى مقتل سيدنا الحسين. وقد يتكئون على أقوال لا تصح منسوبة للإمام أحمد تجيز لعنه وما شابه. قال ابن تيمية (منهاج السنة النبوية، 4/573): ونقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال: ألا ألعن من لعنه الله؟ لكنها رواية منقطعة ليست ثابتة عنه.إ.هـ. وابن تيمية أعلم الناس بمذهب الإمام أحمد بن حنبل.

هذه إطلالة مختصرة جداً للموضوع، وإلا فالشواهد كثيرة. والموضوع يستأهل تأليف كتاب كامل.

10/12/2016

___________________________________________________________________________________________

  1. – راجع: مقدمة صحيح مسلم، 1/15، مسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة،1/78، 79. هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي. (ت 418هـ)، تحقيق أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة – السعودية، الطبعة الثامنة، 1423هـ – 2003م.
  2. – التفكير الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1964، ص. 1/152.
  3. – تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1971،1/65.
  4. – تيارات الفكر الإسلامي، ص17، دار الشروق، القاهرة، 1997. الإسلام وفلسفة الحكم، ص250، دار الشروق، طبعة دار الشروق الأولى، 1409هـ – 1989م
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: