مقالات

منهج المؤرخين في تلويث الثقافة السنية بالتشيع .. ابن جرير الطبري مثالاً

د. طه حامد الدليمي

كل الأديان الباطلة كان سبب انحرافها عن أصلها أن الناس يميلون إلى الانشغال بسيرة محرفة للأنبياء وأتباعهم أكثر من مسار الحق الثابت بالوحي الصادق عنهم. فيكون تأسيس الدين على التاريخ البَعدي لا على الوحي القَبلي. فيتحول الدين من نص منزل إلى تاريخ مبدل.

انظر إلى النصارى كيف يبدأ دينهم المحرف من بعد المسيح لا من قبله. من حادثة محرفة لاختفائه جعلوا الصليب رمزاً لها وعليه أسسوا دينهم. وما الصلب – على فرض صحته – إلا حدث كان بعد ختم دين المسيح، فكيف يكون بداية له؟ وانظر إلى دين الشيعة كيف بنوه على سيرة محرفة لعلي والحسين. وكل ذلك بعد تمام الدين وختمه.

لولا القرآن المحفوظ لتحول دين أهل السنة، الذي هو دين الإسلام، إلى دين آخر أساسه التاريخ المحرف. وإذ لم يحصل ذلك بسبب حفظ القرآن الكريم فلا أقل من أن يصيبنا رشاش مما أصاب الأمم كما أخبر النبي فيما يرويه الشيخان عن أبي سعيد الخدري، عن النبي قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً شبراً وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم). قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (فمن)؟

كان التاريخ أوسع أبواب الانحراف التي دخلت منها الثقافة الشيعية إلى الثقافة السنية للأمة المسلمة، والتي مهدت للغزو السياسي بعد الغزو الثقافي، ثم الغزو العسكري بعد الغزو السياسي. ويأتي من بعده الحديث لولا أن الحديث أقوى تأثيراً وأبقى أثراً.

القاعدة الخطيرة لابن جرير الطبري

لم أجد أخطر ولا أفسد من هذه القاعدة عند المؤرخين، التي تركها محمد بن جرير الطبري وراءه في مقدمة كتابه (تاريخ الرسل والملوك) ورحل وهو لا يدري كم هو حجم الدمار العلمي والثقافي التي أحدثته تلك القاعدة: (فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا)([1]). بمعنى أنه ما دام ينقل بالسند فلينقل ما يشاء عمن يشاء ولا حرج، مهما بلغ كذب الناقل وسخف المنقول.

كان على الطبري أن لا يروي إلا ما يمكنه تحقيقه، فالنبي يقول فيما يرويه مسلم عن أبي هريرة: (كفى بالمرء كذباً – أو إثماً – أن يحدث بكل ما سمع). ولقد حدث الطبري بكل ما سمع!

وإن قيل: إنه عاجز عن ذلك فوقته لا يسع أن يحقق كل ما روى. قلنا: فغيره أعجز والواقع شاهد؛ فلمن يترك المهمة؟

ولك أن تعجب ويطول بك العجب من أن هذه القاعدة على خطورتها لم أجد أحداً من العلماء انتقدها مع مخالفتها الصريحة للنقل والعقل وسلامة الفعل!

 

حجم ما رواه الطبري

لا بأس أن نستعمل تلك القاعدة في خمس أو عشر روايات وما قارب ذلك، أما أن يكون المنقول بمئات الأخبار وآلافها فلا. هنا تكون القاعدة قد انقلبت سماً قاتلاً. الجرعة القليلة من الجراثيم تمنح الجسم مناعة، أما إذا زادت الجرعة عن الحد فإنها تنقلب إلى مرض. وقد يكون هذا المرض خطيراً!

ألا إن الكمَّ إذا كثر تحول إلى نوع!

ولقد طبق الطبري هذه القاعدة على تاريخه فكان أول حصادها أنه نقل إلينا – عن كذابين محترقين مثل أبي مخنف والواقدي – كتاباً من عشرة مجلدات، ستة منها ضعيفة، أي إن ستة أخبار من كل عشرة في هذا الكتاب الكبير باطلة أو لا يمكن الوثوق بها. على أن بعضها بشع مستنكر، فكيف إذا كان هذا البشع المستنكر يتعلق بالعقيدة والأحكام وسيرة خير الأنام بعد الأنبياء عليهم السلام؛ فما وجه الداعي لروايته؟!

وإذ بلغ ما يرويه الطبري مما سمعه تلك الكثرة المخيفة فقد أمسى مثله كمثل رجل جلس عند شخص كريم السيرة حلو الشمائل يتلو عليه ما كتبه فيه من اتهام له بالكفر والكذب والسرقة وشرب الخمر والاعتداء على الأعراض وأكل أموال الناس بالباطل، وظل على ذلك ساعات يروي له من جراب الكذب قائلاً: أنا إنما أنقل ما يقوله الناس فيك. ولم يكتف بهذه الترهات حتى نشر ما رواه له في كتاب طبعه وسلمه إلى دار نشر معروفة تولت نشره بين الناس. هل يفعل ذلك عاقل أو صاحب نية صالحة؟ أو يطيق سماعه رجل محترم يقال ذلك في حقه، أو يقبله؟!

هذا ما فعله الطبري وبقية المؤرخين بتاريخنا!

رواية ما لا يمكن قبوله بحال

إن تلك القاعدة الخطيرة الفاسدة قد تصلح لرواية ما يحتمل الصحة أو الحدوث. لكن الطبري لم يقتصر على هذا الصنف من المرويات، إنما تجاوزه بعيداً فروى – بدم بارد – أحداثاً تخالف طبيعة الأشياء، وتعارض القرآن، وتشوه سيرة الصحابة وتقوي التشيع، وتسيء إلى الأمة وتحرف دينها وعقيدتها!

فما وجه الحق والحقيقة والفائدة من رواية هذا وأمثاله من الترهات؟

خذ مثالاً الرواية:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب…

كل هذه السلسلة من السند من أجل متن تالف لا يقبل الحدوث ولا يقبله الدين!

عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله : (وأنذر عشيرتك الأقربين)، دعاني رسول الله فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره؛ فصمتّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد، إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك. فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رحل شاة، واملأ لنا عساً من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب… ثم تكلم رسول الله ص، فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به. إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

إن الوصاية والخلافة لا تقبل التقسيم على أكثر من واحد؛ فكيف والمخاطبون أربعون! هل يمكن أن يخاطب عاقل أربعين رجلاً فيقول: من يتابعني على أمري فأزوجه ابنتي؟! فلو تابعه عشرة ماذا يفعل؟ فلو استجاب – حسب الرواية – عشرة كيف يداول بينهم الوصية والخلافة من بعده؟!

فكيف والمتن يخالف الدين والقرآن وعقيدة السنة، ولا يفرح به سوى الشيعة!

فما وجه الحق والحقيقة والفائدة من رواية هذا وأمثاله من الترهات؟

وطبقاً لتلك القاعدة الخطيرة الفاسدة جشم الطبري نفسه فجاء للرواية بسند ثانٍ مع تغيير قليل في المتن فقال: حدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، أن رجلاً قال لعلى عليه السلام: يا أمير المؤمنين، بم ورثت ابن عمك دون عمك([2])؟

أمن أجل مثل هذه الترهات توضع القواعد، وتروى الروايات، وبالأسانيد؟!

الطبري يؤلف كتباً تخدم التشيع

ليس هذا فحسب إنما ألف الطبري كتاباً بمجلدين ضخمين في حديث غدير خم، الذي لا يخدم بذيوله وتذييلاته وامتداداته سوى الشيعة. وألف كتاباً تالفاً آخر في حديث الطير المشهور([3]). حتى اتهمه حنابلة بغداد بالرفض والتشيع، وهاجموا داره ورجموها بالحجارة. وميعت هذه الحادثة كالعادة بتأويلات شخصانية أبعدتها عن كون سبب الهجوم إصراره على آرائه فيما يمس التشيع، وتأليفه فيه. منها نظرية (خصومة الأقران)، وإبطال ما يقوله القرن في قرنه بطريقة التساقط التكافؤي. وهي نظرية قد تصح مرة لكن لا تصح مرات؛ فلو أننا أسقطنا كل ما يقوله العلماء في بعضهم بحجة أنهم أقران متنافسون أو بينهم خصومة لضاع الكثير من الحقائق، إنما الصحيح أن يتجه النظر إلى تحقيق ما يقال، ولا بأس باللجوء إلى القاعدة المذكورة أحياناً بشروطها، لا بإطلاقها.

لا يهمني في هذا المقام كثيراً حيثيات اتهام الطبري بالتشيع من قبل الحنابلة والظاهرية وما فعلوه به، إنما الذي يهمنا المنهج الخطير الذي اتبعه (شيخ المؤرخين) في نقل الروايات التاريخية، ومنها ما هو حافل بجراثيم التشيع. ومنهج المتأخرين الذين يدور نظرهم حول تبرئة الشخص والدفاع عنه أكثر مما يدور حول تبرئة الدين والدفاع عنه، وعن ثقافة المجتمع والخطر الذي يتهدده.

أنا لا أتهم الطبري بأنه شيعي بل وأستغفر له ما جناه بحق الأمة، إنما أنتقد ما فيه أو ما في منقوله من تشيع، وأنتقد منهجه الذي أسسه على تلك القاعدة الفاسدة الخطيرة، التي فتحت الباب واسعاً أمام تشيع ثقافة الأمة، الذي كان منفذاً لتسلل الشيعة إلى داخلها، وسبباً لتقبل الشيعي من قبل المحيط السني، الذي لا يتقبل الأمريكي واليهودي كما يتقبل الشيعي، مع أن الشيعي أخطر وأفسد وأشر منهما ومن كل عدو رجيم!

لقد تسبب تاريخ الطبري ومن نسج على نوله من بعده ومن قبله، في إحداث تدمير بشع لثقافة الأمة من حيث موقفها من تاريخها ورجالها، وتعدى ذلك إلى عقيدتها، وصنع ثقافة رخوة تجاه التشيع وتقبل الشيعة في محيطها. وكان أحد الأسباب التي شاركت في المد الشيعي بين الأمة، الذي تعاني منه اليوم بجميع أقطارها من كارثته التي لا مثيل لها في التاريخ.

الخراب شامل؛ فلا بد من مراجعة شاملة، تضع اليد على مكامن العلة، وتعبر عنها بلسان عربي شجاع مبين.

18/12/2016

___________________________________________________________________________________________

  1. – تاريخ الرسل والملوك، 1/8، محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، دار التراث – بيروت، ط2- 1387ه.
  2. – تاريخ الرسل والملوك، 2/319، المصدر السابق.
  3. – البداية والنهاية، 11/167، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774هـ)، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ – 1988م.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: