التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

شقوق في جدار السنة

د. طه حامد الدليمي

قد يبدو العنوان غريباً بعض الشيء، لكن ببيان حقيقتين يصبح مألوفاً.

الحقيقة الأولى: السنة هي الأصل الثاني من أصول الدين، ومنكرها كافر. لكن السنة بمفهومها الرباني الواسع تعني الدين كله. ولذا فهي تقوم على أصلين: القرآن الكريم والحديث الشريف أي الحديث الصحيح: سنداً ومتناً.

بالنظر إلى هذه الحقيقة تكون الشقوق الخطيرة في جدار السنة ناشئة مما يلي:

– اعتماد الحديث الشريف في معزل عن القرآن الكريم.

– أو اعتماد ضعيف الحديث في بناء السنة.

– أو النظر في الحديث من خلال السند فقط دون المتن.

– أو كان نقد المتن على أسس ناقصة.

لهذا نحن (التيار السني في العراق) ماضون في بناء منظومة تجديد تتبنى التصحيح من خلال إنشاء جدار خالٍ من هذه الشقوق، التي تسلل منها أعداء الإسلام وأولهم الشيعة وقادتهم الفرس المجوس.

الحقيقة الثانية: مفهوم السنة يفترق شيئاً ما عن مفهوم الحديث؛ من حيث أن الحديث فيه ما هو صحيح وما هو ضعيف. الحديث هو الطريق إلى السنة، التي هي الأصل الثاني بعد الكتاب، وليس هو السنة نفسها.

وباختلاط مفهوم الحديث بمفهوم السنة يتوهم البعض أن تضعيف حديث ما مريب المتن في كتاب من كتب الحديث اعتداء على السنة. ويمسي الدفاع عن كتاب الحديث بل عن المحدث أو الراوي للحديث بمنزلة الدفاع عن السنة حتى وإن تضمن حديثاً يناقض السنة. مع أن العكس هو الصحيح. وهذا شق آخر في جدار السنة. ينبغي إنشاء جدار خالٍ منه.

ويا شباب التيار السني! ورجال القادسية ونساءَها!

نحتاج ضرورةً إلى إرساء خريطة سليمة لبناء مستقبل أهل السنة في العراق (وخارجه) على أسس بعيدة عن الشيعة والتشيع، وعن اللوثة الشعوبية في الثقافة السنية. وذلك على أسس علمية ربانية تعتمد أولاً على الكتاب والسنة، حسب الأصول والضوابط المرعية في أصول الفقه والحديث وبقية العلوم. قد نخالف المألوف، نعم؛ لأن في كثير من المألوف ما هو مخالف أصلاً للوحي ولضوابط فهمه وفقهه وتنزيله على الواقع والوقائع. فإن من ثغرات العقل أنه متحفز بطبعه للوقوف ضد ما خالف المألوف. وقد كثر الخلل في المألوف وتراكم عبر القرون دون تصحيح أكثره؛ فاحتاج إلى عمل تصحيحي وتجديد شمولي يتوجه إلى كل المفاصل المختلة.

عليكم أن تدركوا أن هذا العمل يعني إثارة الجامدين المتكلسين ضدكم، المتموضعين في كل مفصل من تلك المفاصل. فتسلحوا بأربعة أمور: إخلاص النية، والمَكِنة العلمية، والشجاعة الأدبية، والرفق بالناس قدر الإمكان. وهذا من الأمانة التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:72). فليس منا صنفان: من حملها بجهل، أو أداها بظلم. ومن أظلم الظلم السكوت عن الحق، أو التجاوز على الخلق.

جذور الخلل

تأملوا القرآن الكريم إذ يعرض لمسألة فقهية – مثلاً – كيف يعالجها من الناحية الإيمانية والنفسية والاجتماعية والقانونية والظرفية والمادية، وما تؤول إليه في نهايات مسارها. ولا يقتصر على الحكم الفقهي مجرداً عن حيثياته كما هو الشائع اليوم. وكذلك إذا عرض للسياسة والأمن والأخبار والإشاعات المشوشة، مشيراً إلى اليد التي تحرك الخبر (حديث الإفك مثلاً). وهكذا كان شأن جيل كبار الصحابة وفقهائهم، ومن أخذ بنهجهم.

لكن بمرور الزمن، اقتضى التطور وجود نوع من التخصص في العلوم. ثم انزلق التخصص إلى نوع من الابتعاد ثم المفاصلة بين هاتيك العلوم تصل أحياناً حد الفصام أو التصادم والخصام. فالمحدث يختلف عن الفقيه الفروعي، ويتحدث بما قد يعرقل الوصول إلى الحكم الفقهي السليم. ويزداد الخلل إذا تجاوز الأمر إلى الإيمان والعقيدة. والفقيه الفروعي يصدر حكمه معزولاً عن بقية العلوم وعن مؤثرات الواقع. وكذا الشأن لدى المفسر والمربي والمؤرخ وعالم الاجتماع والسياسة والاقتصاد… وغيرهم وغيرهم. ونادراً ما يتهيأ للمرء أن يحيط بما يحتاج من تقريرات هؤلاء للوصول إلى الصورة الكاملة للتعامل مع الأشياء. فأمسينا منذ قرون نفتقر إلى هذه المنهجية الربانية المتكاملة.

العلم يعني السؤال عن : ماذا ؟ والوعي يعني السؤال عن : لماذا ؟ وإلى أين ؟

ما نحتاجه اليوم إحياء القراءة التكاملية للأشياء، وهذا يتحقق كما نريد بوجود الجهد المؤسسي، وليس الفردي فقط.

جهد يأخذ بنظر الاعتبار الوعي بالشيء أو فقهه، وليس العلم به فقط.

الوعي الذي يجيب عن الأسئلة الثلاثة: ماذا؟ ولماذا؟ وإلى ماذا، أو إلى أين؟

العلم بالشيء يجيب عن السؤال الأول: ماذا؟ فيخبرك عن ماهية الشيء، ويبين لك الواقعة كما هي. أما لماذا وقع؟ مَن وراءه؟ مَن المستفيد؟ ثم إلى ماذا يؤدي؟ ما هي مآلات الحدث والحديث؟ فهذان السؤالان من شأن الوعي، وهو الفقه الحقيقي. وبهما يكمل العلم في مفهومه الأوسع.

الذي وجدته أن أكثر ما يهم المحدث والفقيه هو العلم، مُضْرِباً عن البحث فيما يحقق الوعي الذي هو نوع من البحث في المتن تحقيقاً لشرط الصحة. وهو ما أثبته جميع علماء الحديث في تعريف الحديث الصحيح، الذي يتوزع على السند والمتن، وليس السند وحده.

فقد عرف العلماء الحديث الصحيح فقالوا: (هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً)([1]). فلم يكتفوا بشرط صحة السند: (نقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه)، حتى أضافوا إليه شرط صحة المتن: (ولا يكون شاذاً ولا معللاً)، والشذوذ والعلل تشمل السند والمتن.

أما المتأخرون فقد تواضع معظمهم على الإخلال بالشروط المتعلقة بالمتن.

وأما الأقدمون فقد اهتموا به، لكن لم يستوعبوا جميع أنواع العلل؛ فقد ضعفت لديهم حاسة المقاصد الخفية للراوي المندس، وضعف حذرهم من الشيعة والموالي خصوصاً أولئك الذين يتدثرون بالتقوى والعبادة ويتمظهرون بصدق الحديث عملاً بالتقية. وقد ينكشف أمرهم للبعض لكن دون البعض الآخر. وقد ينصح العارف غيره بتجربته فلا ينتصح.

الرواية عن الشيعة .. أحد تلك الشقوق والفتوق

أضرب لكم مثالاً واحداً مراعياً الحجم الطبيعي للمقال، هو تورط عامة الأقدمين بالرواية عن الشيعي إذا كان صادقاً، ولم يكن داعياً إلى بدعته. وهذا فتح الباب أمام تسلل كثير من مفردات التشيع إلى الوسط السني. ودعونا ننظر في هذين الشرطين ومدى مصداقيتهما.

إذا استثنينا الشيعي بمعنى السني الذي فيه زيادة ميل عن الاستقامة إلى سيدنا علي وأهل بيته، فإن أول ضربة في أساس هذه القاعدة أنه لا يوجد شيعي لا يستحل الكذب. والضربة الثانية أن الكذب في الواقع من شيمة الشيعي داعياً كان أم غيره.

لكن كتب الحديث مشحونة بخلاف ذلك. فقد روى الخطيب البغدادي بسنده قال: سمعت يحيى بن معين ذكر حسيناً الأشقر فقال: “كان من الشيعة المغالية الكبار”. قلت: وكيف حديثه؟ قال: “لا بأس به”. قلت: صدوق؟ قال: “نعم, كتبت عنه عن أبي كدينة ويعقوب القمي”. إ.هـ. ولا أدري كيف يجتمع الصدق في شخص موصوف بأنه شيعي مغالٍ كبير!

وقال: أخبرنا ابن يعقوب, قال: أنا محمد بن نعيم, قال: سمعت أبا علي الحافظ, يقول: كان أبو بكر محمد بن إسحاق, يعني ابن خزيمة، إذا حدث عن عباد بن يعقوب, قال: “الصدوق في روايته المتهم في دينه”. انظروا إلى هذا “الصدوق في روايته المتهم في دينه”! عباد بن يعقوب، كيف هو شيعي محترق، يقول عن البحر، كما روى الخطيب البغدادي: حفره علي بن أبي طالب، وأجراه الحسين بن علي”. قال الخطيب: قد ترك ابن خزيمة في آخر أمره الرواية عن عباد, وهو أهل لئلا يروى عنه([2])!

من آليات العلاج: إن هذا الخلل الكبير الذي خلفه لنا الأقدمون في حاجة ماسة إلى علاج ينبغي أن لا يتأخر طويلاً. يهدف إلى رد أي حديث في سنده شيعي وفي متنه إشكال يتعلق بالعقيدة أو الصحابة أو تاريخ الأمة أو يسوق للخرافة أو يؤسس للخلاف الداخلي، وما شابه ذلك. ينطلق هذا العلاج من جهد تقوم عليه مؤسسة، لا مجموعة أفراد مهما كثروا سيظل جهدهم محصوراً في أوساط محدودة، ولن يكتب للتصحيح الناتج عنه الانتشار على مستوى الأمة.

20/2/2017

  1. – الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص21.
  2. – الكفاية في في علم الرواية، ص131، الخطيب البغدادي.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: