مقالات

المرأة في القرآن الكريم

د. طه حامد الدليمي

في الصفحات الأولى منه يروي لنا القرآن الكريم قصة الخليقة، فإذا هي تبتدئ باثنين: أحدهما امرأة. كما ابتدأت قصة الإسلام باثنين: أحدهما امرأة. وفيما يلي بيان مختصر يتناسب والمنهج عن المرأة في القرآن، ثم في السنة.

منح القرآن الكريم المرأة مساحة شاسعة تليق بها تناولت الحديث عن إنسانيتها ومنزلتها والأحكام الشرعية المتعلقة بها، ووظيفتها الاجتماعية في البيت وخارجه، والدور الذي قامت به بعض الشخصيات النسوية عبر التاريخ في جانبيها: الإيجابي والسلبي. وأفرد لها سورة كاملة هي إحدى (السبع الطوال) وسماها سورة (النساء)، كانت الثالثة من بينها بعد سورتي (البقرة وآل عمران)، اللتين ما كان لهما إلا أن يتصدرا كوكبة سور القرآن بعد فاتحته أو مقدمته المختصرة. كما دافع عنها ونهى عن ظلمها وحرم إيقاع الأذى بها، وسن لذلك بعض التشريعات الضامنة، وترك بقيتها ليتولى النبي بيانها وتشريعها.

من أوائل الشخصيات النسوية التي مجد القرآن سيرتها إلى درجة جعلت بعض علماء الإسلام يقولون بنبوتها، مريم بنت عمران رضي الله عنها، أم النبي العظيم عيسى ، الذي نسبه الله تعالى إلى أمه أكثر من (20) مرة في كتابه. واستغرق ذكر قصتها وكراماتها في سورة (آل عمران) وغيرها من السور مساحة واسعة، بل أفرد القرآن لها سورة سماها باسمها سورة (مريم). هذا وما زالت بعض مجتمعاتنا الإسلامية تخجل من ذكر اسم الأم، فضلاً عن الزوجة والأخت والبنت؛ وكأنه عورة تستر، وزنَمة ينبغي أن تبتر!

كانت المرأة حاضرة أيضاً في مسيرة أبي الأنبياء في شخص زوجته التي خاطبتها الملئكة فقالت لها: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود:73). كما كانت موجودة بقوة في حياة النبي موسى من خلال أمه وأخته وزوجته وأختها.

وتأتي بلقيس ليضرب بها القرآن الكريم مثالاً رائعاً للمرأة الحاكمة الحكيمة، فكانت قصتها مع نبي الله سليمان شاهداً من الشواهد الدالة على السياسة البارعة، ممثلة بامرأة، في تعامل الحاكم مع القوى العالمية وكيفية استثمارها في سبيل نفع شعبه وتجنيب بلده ويلات الحروب والاحتلال.

لم يتجاهل القرآن العظيم دور المرأة في جانبه السلبي؛ لتكتمل الصورة، وهذه هي طريقته الثابتة في تناول سيرة الأشخاص أيضاً، فهو يعرض الإنسان كما هو بجانبيه حتى وهو يتناول بالذكر أفضل الخلق الأنبياء عليهم السلام، وهو ما يفتقده المنهج الشائع اليوم، إذ يعرض سيرة العظماء من جانبها القوي المشرق ثم يبالغ فيه، ويتناسى الجانب الضعيف ويعرض عنه. وذلك من أسباب الخلل التربوي. فكانت امرأة العزيز وامرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام، وكذلك امرأة أبي لهب من شواهد ذلك.

أما نساء النبي فقد منحهن الله تعالى أعظم المراتب إذ قال سبحانه في حقهن: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) (الأحزاب:32). وإذ شرفهن بتبليغ الوحي فقال في الآية التي بعدها: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب:34). وقد حفل القرآن بكثير من أخبارهن ومواقفهن وذكر جوانب من العلاقة الرابطة بينهن وبين النبي كزوج وكنبي.

وفي سورة (الأحزاب)، التي هي بحق سورة أمهات المؤمنين، وسورة (التحريم)، وغيرهما من السور، دلائل وبينات على التعامل الكريم، والاستقرار النفسي الذي كان يسود بيت النبي ، ورفرفات السعادة التي كانت تحوطه وتزينه. يكفي أن تقف عند هذه الآية: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (التحريم:3)! لم يشتد في تأنيب زوجته التي لم تحافظ على سره، ولم يسرد على مسمعها كل الحديث بل اكتفى بما يؤدي المقصود منه وأعرض عن بقيته احتراماً لمشاعرها ومداراة لحيائها وخجلها، ورفقاً بتلك القارورة أن تكسرها لمسة ضغطت عليها أكثر مما تحتمل زجاجتها. وقد يغاضب النبي زوجاته فيكتفي بالانسحاب وترك البيت لهن. ولو فعله واحد منا اليوم لعيروه بأبشع الألفاظ، ونبزوه بأشنع الأوصاف.

يروي البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب وقد سأله ابن عباس رضي الله عنهما عن المرأتين من أزواج النبي ، اللتين قال الله لهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). وفي سياق الحديث يذكر سيدنا عمر اعتزال النبي نساءه جميعاً شهراً واعتكافه في مشرُبة (= غرفة)، يقول: فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدَم، حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك؟ فرفع بصره إلي، فقال: (لا ولكني آليت منهن شهراً). والحديث طويل. وفي رواية لمسلم: فدخلت على رسول الله وهو مضطجع على حصير. فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره. وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله . فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع. ومثلها قرظ (= ورق شجر يدبغ به) في ناحية الغرفة. وإذا أَفِيق (= الجلد الذي لم يُدبغ) معلق. قال: فابتدرت عيناي. قال:”ما يبكيك يا ابن الخطاب؟” قلت: يا نبي الله! وما لي لا أبكي ؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار. وأنت رسول الله وصفوته. وهذه خزانتك. فقال “يا ابن الخطاب ! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟” قلت: بلى.

وهذا ما كان يفعله أحياناً بعض أصحابه حين يتعسر الخلاف بينه وبين زوجه، فيروي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: (أين ابن عمك)؟ قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يقِل عندي. فقال رسول الله لإنسان: (انظر أين هو)؟ فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب).

وما قيدته هنا إنما هو إطلالة خاطفة، أشرت بها سريعاً إلى مدى اهتمام هذا الدين بشأن المرأة، وحضورها الكبير في صناعة الأحداث ورسم تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة إلى زمن تنزل القرآن.

وللرجال عليهن درجة

أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن للرجال على النساء درجة فقال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:228). فما هذه الدرجة؟ هل هي درجة تتعلق بالكرامة الإنسانية؟ أم بالوظيفة الاجتماعية التي أنيطت بكل منهما تبعاً للتفاوت فيما جبل عليه كل جنس من مقومات تلك الوظيفة؟

في قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء:32) ما يشير إلى معنى تلك (الدرجة) إذا فسرناها بالتفضيل الوارد في الآية، وهو التفاوت في الميراث بين الرجل والمرأة بناء على أسباب موضوعية اقتضت هذا التفضيل. وهو تفضيل يتعلق بالناحية المادية لا بالدرجة الإنسانية.

لكن في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء:34) ما يشير إلى أن (الدرجة) لها بُعدٌ ذاتي مغروس في الجِبِلَّة جاء التعبير عنه بقوله تعالى: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وبُعدٌ مادي عبر عنه بقوله: (بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). والبعد الذاتي المتعلق بالقوامة وهي القيادة بشقيها: الصلاحية والمسؤولية؛ لأن (القوّام) هو “الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه”([1]).. هذا البعد يعني وجود عناصر فطرية جِبلّية مؤهلة للقوامة عند الرجل أكمل مما هي عند المرأة. من القوة البدنية التي فرضت القتال على الرجل دون المرأة، والقوة العقلية السالمة نسبياً من المعارض (الذي هو العاطفة) كي يتمكن من القيام بأعباء القيادة.

هذه العناصر الجبلية تتعلق بشيئين: قيادة البيت، وحماية من فيه ومنهم المرأة. والقيادة تقوم في الغالب على التفوق العقلي، وهو متحقق في جنس الرجال أكثر من جنس النساء. لأن القيادة خيار بين المرأة والرجل ولا ثالث لهما، وقد اقتضت حكمة الخلق أن تكون القيادة للرجل؛ فكان ينبغي أن تكتمل عناصر العقل عنده أكثر مما عند المرأة. على أنه ينبغي هنا التمييز بين العقل والذكاء. فالذكاء كمية والعقل نوعية، والذكاء ثمرة والعقل شجرة، والذكاء بيانات والعقل مبرمج، وقوة البيانات ببرمجتها لا بكثرتها.

علاوة على ذلك فقد سلم عقل الرجل نسبة إلى عقل المرأة مما يعارضه من طغيان العاطفة. لهذين السببين: قوة العقل في ذاته، وسلامته النسبية من المعارض كان التفوق في هذا الجانب لصالح الرجل. وأما الحماية فتقوم على قوة البدن. وتفوق الرجل في هذا الجانب من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى دليل.

وليس في ذلك خرم للدرجة الإنسانية لصالح الرجل على حساب المرأة؛ فإن الرجال أنفسهم يتفاوتون فيما بينهم من الناحية البدنية والعقلية. ولا يكون استحقاق القيادة العسكرية إلا لمن بذهم فيهما كما قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247). وأما قيادة السياسة والحكم فيشترط لها بسطة العلم، وتكمل ببسطة الجسم.

__________________________________________________________________________________________

  1. – التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، ص38. الدار التونسية للنشر، تونس 1984.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: