التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

القرآن.. الكتاب الوحيد الخالي من التشيع حديث الكساء في ( صحيح مسلم ) مثالاً

د. طه حامد الدليمي

في كل حركة تجديد تبرز ثلاثة اتجاهات:

1. اتجاه جامد: يرى في الجديد علامات تهديد للقديم الذي يقدسه ولا يحتمل مفارقته.

2. اتجاه فاسد: يريد الخروج على القديم جملة وتفصيلاً.

3. اتجاه رائد: ينظر بعين البصيرة والإنصاف، يحمل فأسة البناء: يؤقلم، ويعدل، ويثبِّت.

نحن – في (التيار السني) – نحترم القديم لكن لا نقدسه، نطوره لكن لا نلغيه. نُخرج غير الصالح لكن إلى متحف التاريخ للتواصل والعبرة، ونبقي على الصالح لكن للتزكية والتنمية وإثراء الحياة.

عندما أقول في بعض الدروس والورش والمجالس: الكتاب الوحيد الذي ليس فيه تشيع هو القرآن الكريم.. يحملق في وجهي البعض ويسأل مستغرباً: حتى البخاري ومسلم؟ فأجيبهم: حتى البخاري ومسلم. أحد أصدقائي حين سمع هذه الكلمة أصابه شيء يشبه المسّ وصار يردد كالمجذوب أو الملسوع: لا لا لا، ويهز رأسه يميناً وشمالاً!

يقول الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب, أنا محمد بن نعيم الضبي, قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب، “وسئل عن الفضل بن محمد الشعراني, فقال: صدوق في الرواية إلا أنه كان من الغالين في التشيع. قيل له: فقد حدثت عنه في الصحيح. فقال: لأن كتاب أستاذي ملآن من حديث الشيعة. يعني مسلم بن الحجاج “([1]).

وإذا كان كتابٌ ملآن من حديث الشيعة فلا بد أن يصيبه رشاش من كذبهم وتشيعهم، وفي (صحيح مسلم) شواهد عديدة على ذلك. ومن تلك الشواهد الحديث الذي يعرف بـ(حديث الكساء).

حديث الكساء

روى مسلم في (صحيحه): (باب فضائل أهل البيت) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لأبي بكر قالا: حدثنا محمد بن بشر عن زكرياء عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي ذات غداة وعليه مرط مُرحَّل من شعر أسـود فجاء الحسن بن علي فأدخله في المرط ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

ورواه أحمد والترمذي من حديث أمِّ سلمة وقد جاء فيهما بألفاظ منها: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) ، وفيها أن رسول الله لم يُدخل معهم زوجته أم سلمة، وقال لها: (أنت على مكانك وأنت على خير).

والمتن مهما تأولناه وحملناه على أحسن محامله يبقى فيه خيوط تشيع يمكن إضافتها إلى النسيج الفارسي للثقافة الشعوبية التي غزت الأمة المسلمة (السنية) خصوصاً بعد مجيء العباسيين إلى الحكم سنة 132هـ حتى اليوم. فماذا يقول السند؟

سند الحديث

رواية مسلم في سندها أكثر من علة:

– زكريا بن أبي زائدة: وثقوه وفي توثيقهم لين، وهو مدلس وقد عنعن([2]).

– مصعب بن شيبة: وهو ضعيف مُنكَر الحديث. قال العقيلي (تلميذ البخاري): أحاديثه مناكير. ومثَّل لبعضها فذكر منها (حديث الكساء)، بل جعل هذا الحديث من منكراته التي انفرد بها فقال: “والمرط المرحل لا يعرف إلا به”([3]).

ولم أجد من وثق مصعب بن شيبة سوى يحيى بن معين والعجلي. قال عنه أحمد بن حنبل: روى أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحمدونه وليس بالقوي. وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: في حديثه شيء. وقال الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ([4]).

أقوى الروايات بعد رواية مسلم ما رواه الترمذي فقال: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي جلَّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً ثم قال: (اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) فقالت أمُّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: (إنك إلى خير). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.

فلنر حقيقة هذا (الحديث الحسن الصحيح) الذي (هو أحسن شيء روي في هذا الباب)، كم من علة فيه!

– أبو أحمد الزبيري: قال عنه أحمد: كثير الخطأ في حديث سفيان (والرواية عن سفيان)، وقال أبو حاتم الرازي: حافظ للحديث له أوهام. وقال العجلي: ثقة يتشيع. ووثقه الباقون بألفاظ : صدوق أو ثقة أو ثقة صحيح الكتاب.

– أما شهر بن حوشب راوي الحديث عن أمِّ سلمة رضي الله عنها: فهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. وثقه يحيى بن معين ويعقوب بن سفيان والعجلي. وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وتركه شعبة بن الحجاج. وعده أبو جعفر العقيلي في الضعفاء([5]). وقال: سئل ابن عون عن حديث شهر وهو قائم على أسكفة الباب فقال: إن شهراً تركوه، إن شهراً تركوه. وقال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا أبو سلمة قال: حدثنا أبو هلال، عن قتادة قال: جاء شهر بن حوشب يستأذن على الأمير قال: فخرج الآذن، فقال: إن الأمير يقول: لا تأذن له فإنه سبئي.إ.هـ. وممن ضعفه ابن حبان ويحيى بن سعيد والنسائي وابن عدي، كلهم بألفاظ شديدة.

وقال فيه الإمام مسلم: وحدثنا عبيد الله بن سعيد، قال: سمعت النضر يقول: سئل ابن عون عن حديث لشهر وهو قائم على أسكفة الباب، فقال: “إن شهرا نزكوه، إن شهراً نزكوه». قال مسلم رحمه الله: “يقول: أخذته ألسنة الناس تكلموا فيه”. وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا شبابة قال: قال شعبة: “وقد لقيت شهرا فلم أعتد به”([6]). قال ابن منظور في (لسان العرب): وفي حديث ابن عَوْنٍ وذُكِرَ عنده شَهْرُ بن حَوْشَبٍ فقال: إِن شَهْراً نَزَكُوه أَي طعنوا عليه وعابوه.

كيف يكون في سند الحديث شيعي سبئي ويكون حسناً صحيحاً؟! فضلاً عن بقية العلل.

علماً أن هناك رواية في مسند أحمد تجعل مكان الحادثة بيت فاطمة لا بيت أُمِّ سلمة رضي الله عنهما!

كساء علي أم كساء العباس ؟

بل هناك رواية ربما هي أقوى روايات الكساء سنداً وإن كانت لا تسلم من مقال أيضاً تذهب بالكساء إلى العباس وولده! رواها الترمذي في سننه قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري (ثقة) حدثنا عبد الوهاب بن عطاء (ليس بالقوي وثقه البعض) عن ثور بن يزيد (ثقة) عن مكحول (ثقة ربما دلس) عن كريب (ثقة) عن ابن عباس قال: قال رسول الله للعباس: (إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك) فغدا وغدونا معه وألبسنا كساءً ثم قال:(اللهمَّ اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً اللهمَّ احفظه في ولده). قال هذا حديث حسن غريب.إ.هـ.

تأمل التأكيد على (ولده)!

بل وجدت رواية تقرب من هذه سنداً فيها أن أُمَّ سلمة قالت: قلت يا رسول الله ألست من أهلك؟ قال: (بلى فادخلي في الكساء) قالت: فدخلت في الكساء بعدما قضى دعاءه لابن عمه علي وابنيه وابنته فاطمة. وذلك في مسند أحمد قال حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم (ثقة) حدثنا عبد الحميد بن بهرام (صدوق) قال حدثني شهر بن حوشب (مر الكلام عنه آنفاً). والظاهر أن الخلافات الحزبية قد عملت عملها في (حديث الكساء)!

هل علمتم الآن كيف غزيت ثقافتنا؟ ودور الحديث الضعيف في ضعضعة هذه الثقافة وتوهينها لصالح الشيعة؟ وأن بعض هذا الحديث في (الصحيحين)؟ ومدى عمق ودلالة القول: “الكتاب الوحيد الذي ليس فيه تشيع هو القرآن الكريم”؟ وأنه لم يصدر عن فراغ؟! بل إنه نابع من معاناة حقيقية يستشعرها كل من عانى التشيع وخبر طرائقه واندل مساربه الخفية التي يتدسس منها إلى حصون السنة. ألا وإننا لهم بالمرصاد. لقد ذهب زمان المنهج الجامد والفاسد، وآن أوان المنهج الرائد. ويا رب اهد قومنا واغفر لهم فإنهم لا يعلمون!

18/3/2017

________________________________________________________________________________________

  1. – الكفاية في علم الرواية، ص131، الخطيب البغدادي. لاحظ: “صدوق في الرواية إلا أنه كان من الغالين في التشيع”! متى كان غلاة الشيعة صادقين في حديثهم؟
  2. – تهذيب التهذيب، 3/330، ابن حجر.
  3. – الضعفاء الكبير، 4/197،196، العقيلي.
  4. – تهذيب التهذيب، 10/162، ابن حجر.
  5. – الضعفاء الكبير:2/191، العقيلي.
  6. – صحيح مسلم، 1/17، : مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت 261هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. أسأل الله تعالى لكم الثبات على الحق ، والقدرة على استجلائه والعمل به .
    وجزاكم الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: