مقالات

القرآن.. الكتاب الوحيد الخالي من التشيع ثانياً : حديث تزويج أبي سفيان ابنته من النبي

د. طه حامد الدليمي

روى مسلم: (باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ) حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري، وأحمد بن جعفر المعقري، قالا: حدثنا النضر وهو ابن محمد اليمامي، حدثنا عكرمة، حدثنا أبو زميل، حدثني ابن عباس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي : يا نبي الله ثلاث أعطنيهن؟ قال: (نعم). قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها، قال: (نعم). قال: ومعاوية، تجعله كاتباَ بين يديك، قال: (نعم). قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين، قال: (نعم). قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال: (نعم).

ليس ما يثير الغرابة ضعف الرواية فحسب، وإنما ذكرها في باب بعنوان (فضائل أبي سفيان)! وليس تحت العنوان من فضيلة لأبي سفيان سواها! وهي ما تركت فضيلة له إلا ومحتها! فالأمور العظيمة التي نالها أبو سفيان وأهل بيته، والتي لا ينالها مسلم إلا ويطاول الأفلاك في علوها، إنما منحت له لا لأنه يستحقها هو ليكون أميراً، وابنته لتكون أم المؤمنين، أو ابنه ليكون كاتباً لرسول الله . لا وإنما لأنه طلبها.. وطلبها من جهة ليس من خُلُقها أن تقول: (لا) لمن جاء يسألها. أرأيت!

واضح أن النص وضع من قبل شيعي فارسي حاقد، لكنه فكر طويلاً كيف يمكن وضعها وبلعها في هذا المصدر الموثوق؟ ويبدو أن الواضع دارس جيد للعقلية العربية الطيبة، فأطرها مدحاً وأمطرها قدحاً.

لكن مشكلة الوضاعين أنهم عادة ما يجهلون التاريخ والسيرة؛ فوقع في ورطة دعوى تزويج أبي سفيان ابنته أم حبيبة رضي الله عنها للنبي ووصفها له وكأنه لم يرها من قبل، مع أنه كان زوجاً لها قبل إسلام أبي سفيان بسنتين!

ومن هنا تنبه لها العلماء. لكن هنا أسجل ملاحظتين جديرتين بالالتفات.

الأولى: يبدو أن جل ما أثار الاهتمام عند علمائنا رحمهم الله هو الخطأ غير القابل للتأويل فيما يتعلق بتاريخ زواج أمنا أم حبيبة من نبينا . ولم يقفوا عند تولية سيدنا أبي سفيان، ولا تولي سيدنا معاوية كتابة الوحي عن النبي . قال النووي: “هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الاشكال أن أبا سفيان أنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور لا خلاف فيه. وكان النبي قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل”([1]).

والثانية: أن تضعيف الرواية كان من جانبها العلمي البحت، ولم يتناول جانبها السياسي التآمري، واليد الفارسية الخفية التي تتخبأ وراء الأسانيد والمتون. وهذا تقصير يحتاج إلى تقييد كمعلم من معالم الثقافة السائدة على مدى القرون السالفة لدى معظم العلماء غفر الله لهم. وذلك من أجل أن نتلافى هذا النقص الذي انعكس على واقعنا غفلة عامة عن طرائق الكيد الفارسي الشعوبي، أدت إلى تقبل الشيعة للعيش في أوساط الأمة.

ثقافتنا الدينية يغلب عليها الصبغة الفقهية، لا السياسية. وهذا أحد أسباب نظرة الثقافة السنية للشيعة نظرة تقتصر على الخلاف الفقهي المذهبي، والبعض منهم يعديها إلى الخلاف الأصولي الديني. دون أن ينظروا إليهم على أنهم منظومة خطيرة من الخروجات على الأمة تتجاوز الفقه والدين إلى كل نواحي الحياة.

ضعف سند الرواية

ضعَّف هذه الرواية كثير من مشاهير العلماء وبينوا آفتها، وأنها عكرمة بن عمار.

قال الذهبي عن عكرمة بن عمار: استشهد به البخاري، ولم يحتج به. واحتج به مسلم يسيراً، وأكثر له من الشواهد. وقال: قد ساق له مسلم في الأصول حديثاً منكراً، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي، عن ابن عباس، في الأمور الثلاثة التي التمسها أبو سفيان من النبي ([2]).

وقال ابن قيم الجوزية: وقد رد هذا الحديث جماعة من الحفاظ وعدوه من الأغلاط في كتاب مسلم. قال ابن حزم: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار؛ فإنه لم يختلف في أن رسول الله تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر. وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له: هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاري وقال ليست بصحاح. وكذلك قال أحمد بن حنبل هي أحاديث ضعاف. وكذلك لم يخرج عنه البخاري إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين: “ثقة”. قال وإنما قلنا: إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجَرَ بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على دينها فبعث رسول الله إلى النجاشي يخطِبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله أربعة آلاف درهم، وذلك سنة سبع من الهجرة. وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فنحت بساط رسول الله حتى لا يجلس عليه. ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يعرف أن رسول الله أمّر أبا سفيان.

وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث، كقول بعضهم: إنه سأله تجديد النكاح عليها… (إلى أن قال) وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى وهي أختها وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين لقرب عهده بالإسلام فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله ذلك وغلط الراوي في اسمها.

وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة والتأويلات الباردة التي يكفي في العلم بفسادها تصورها. وتأمل الحديث وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقل فساداً فهو أكذبها وأبطلها وصريح الحديث يرده فإنه قال أم حبيبة أزوجكها قال نعم. فلو كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك فالحديث غلط لا ينبغي التردد فيه([3]).

هل علمتم الآن كيف غزيت ثقافتنا؟ ودور الحديث الضعيف في ضعضعة هذه الثقافة وتوهينها لصالح الشيعة؟ وأن بعض هذا الحديث في (الصحيحين)؟ ومدى عمق ودلالة القول: “الكتاب الوحيد الذي ليس فيه تشيع هو القرآن الكريم”؟ وأنه لم يصدر عن فراغ؟! بل إنه نابع من معاناة حقيقية يستشعرها كل من عانى التشيع وخبر طرائقه واندل مساربه الخفية التي يتدسس منها إلى حصون السنة.

ألا وإننا لهم بالمرصاد. لقد ذهب زمان المنهج الجامد والفاسد، وآن أوان المنهج الرائد. ويا رب اهد قومنا واغفر لهم فإنهم لا يعلمون!

27/3/2017

___________________________________________________________________________________________

  1. – شرح مسلم، 8/62، النووي. مصدر سابق.
  2. – سير أعلام النبلاء، 7/137، الذهبي.
  3. – عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، 6/75، محمد أشرف بن أمير الصديقي، العظيم آبادي. وسماك الحنفي هو أبو زميل.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: