مقالات

القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الخالي من التشيع سادساً : ابن حجر العسقلاني في كتابه ( الإصابة في تمييز الصحابة )

د. طه حامد الدليمي

لا يكاد يسلم كتاب من التشيع، سوى القرآن الكريم!

حتى (الصحيحان) تسللت إليهما روايات شيعية أو خادمة بالنتيجة للتشيع؛ فمن باب أولى أن تجد عموم تراث أهل السنة محشواً بروايات وتفاسير وآثار وأفكار شيعية، ساهم ذلك كله في صنع خامة ثقافة سنية ملوثة بالتشيع، وذلك ما أسميه بـ(التشيع الثقافي). وهو ميل زائد إلى سيدنا علي يجعل صاحبه يبالغ في فضله ومنزلته فيتساهل في قبول ما يروى في هذا الجانب وإن تعارض مع النقل والعقل والتاريخ، وقد يجره ذلك إلى التساهل في التعامل مع مرويات أخرى ذمت خصومه. وربما زاد فتنقص منهم.

والتشيع الثقافي مقدمة وتمهيد ناعم للتشيع الاعتقادي، وما تسلل التشيع إلى الأمة إلا تحت جناحه، ولولاه ما قبل المجتمع السني الشيعة على أنهم مكون طبيعي في نسيجه، أو أعضاء صالحين في جسده، بينما هم – في الحقيقة – أورام، وأورام سرطانية لا تنمو إلا على امتصاص عافيته وتدميره في نهاية المطاف.

بالقراءة الراصدة والبحث المتحرر عن قيود التقديس الملتزم بآداب الانتماء والاحترام، وجدت كثيراً من علماء السنة الأقدمين من رواة الحديث، والمفسرين والأخباريين وغيرهم فيهم تشيع بدرجات متفاوتة. وقد يكون المحدث نظيفاً من التشيع – كالإمام مسلم – لكنه أكثرَ من النقل عن رواة شيعة. روى الخطيب البغدادي (الكفاية، ص131) قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب, أنا محمد بن نعيم الضبي, قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب، “وسئل عن الفضل بن محمد الشعراني, فقال: صدوق في الرواية إلا أنه كان من الغالين في التشيع. قيل له: فقد حدثت عنه في الصحيح. فقال: لأن كتاب أستاذي ملآن من حديث الشيعة. يعني مسلم بن الحجاج”. وكان لهذا أثره من ورود أحاديث شيعية فيه، مثل حديث علي: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليَّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق). وتحقيق الحديث له موضع آخر. لكن من المناسب أن نقول باختصار شديد: إن في السند راويين من الموالي، أحدهما متهم بالتشيع، وتشيعه واضح، هو سليمان بن مهران الأعمش، والآخر لا خلاف في تشيعه وغلوه فيه، وهو عدي بن ثابت الكوفي.

 

مقتطفات من كتاب ( الإصابة ) لابن حجر العسقلاني

هذه نصوص مقتطفة من الكتاب الشهير (الإصابة في تمييز الصحابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني، في (الجزء الرابع، الصفحات:464-468). ولم أستقصِ كل ما ذكره ابن حجر، بل تركت أشياء خشية الإطالة:

– في المسند لعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، من حديث جابر- أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم لما دفع الراية لعلي يوم خيبر أسرع، فجعلوا يقولون له: ارفق، حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب بابه فألقاه على الأرض، ثم اجتمع عليه سبعون رجلاً حتى أعادوه. وفي سنده حرام بن عثمان متروك. وجاءت قصة الباب من حديث أبي رافع، لكن ذكر دون هذا العدد. (ملاحظة/ الرواية من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على مسند أبيه).

– وقال له في غزوة تبوك: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّك لست بنبيّ). أي لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي.

– وقال لبني عمه: “أيّكم يواليني في الدّنيا والآخرة؟”، فأبوا. فقال علي: أنا. فقال: “إنّه وليي في الدّنيا والآخرة”. وأخذ رداءه فوضعه على عليّ وفاطمة وحسن وحسين، وقال: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) (الأحزاب 33).

– ولبس ثوبه، ونام مكانه، وكان المشركون قصدوا قتل النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، فلما أصبحوا رأوه، فقالوا: أين صاحبك؟

– وقال له: “أنت وليّ كلّ مؤمن من بعدي”.

– وسدّ الأبواب إلا باب علي، فيدخل المسجد جنباً، وهو طريقه، ليس له طريق غيره.

– وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن.

– وأخرج أيضاً، وأصله في مسلم، عن علي، قال: لقد عهد إليّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم: “أن لا يحبّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق”.

– وأخرج التّرمذيّ بإسناد قويّ، عن عمران بن حصين في قصة قال فيها: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: “ما تريدون من عليّ! إنّ عليا منّي وأنا من عليّ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي”.

– وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي قال: قيل يا رسول اللَّه: من تؤمّر بعدك؟ قال:”إن تؤمّروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدّنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمّروا عمر تجدوه قويّاً أميناً لا يخاف في اللَّه لومة لائم، وإن تؤمّروا علياً، وما أراكم فاعلين، تجدوه هادياً مهديّاً، يأخذ بكم الطّريق المستقيم”.

 

هكذا تمت عملية تصنيع التشيع الثقافي

وهذا كله باطل لا يصمد للتحقيق.

لكن مع شيوع العقلية التقبلية لا الفاحصة، والجامدة لا الراصدة، ومع كون معظم العلماء علمهم كمي لا نوعي، وتقليدي لا تجديدي فإن منزلة ابن حجر وغيره من العلماء الذين يوردون مثل هذه الطامات دون تحقيق تورث العقل شيئاً من الشلل تمنح كثيراً مما يقررونه من معلومات وروايات جوازاً للمرور دون تدقيق في صحة صدوره. فيخرج القارئ بانطباع عام نثرت فيه كثير من بذور التشيع. وهكذا انتشرت بين الأمة ثقافة سنية هجينة فيها كثير من اللوثات الشيعية الشعوبية الفارسية، تمهد للتشيع وتقدم بين يديه.

 

أسطورة مبيت سيدنا علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة

وسأضرب مثالاً آخر وأكتفي به على مدى تهافت هذه المعلومات حكاية مبيت سيدنا علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة. وقد ذكره ابن حجر في (الإصابة) بصيغة الجزم – كما مبين أعلاه – وحسنه في (فتح الباري:7/278).

ممن روى هذه الحكاية ابن أبي عاصم في السنة، والنسائي في الخصائص، والحاكم في المستدرك، والطبراني في الأوسط والكبير، والطحاوي في مشكل الآثار، وابن أبي حاتم في تفسيره، والآجري في الشريعة، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق. انظر إلى مدى عمق إصابة تراثنا بالتشيع!

وممن صحح الحكاية أو حسنها غير ابن حجر: الحاكم وابن عبد البر وابن كثير وأحمد شاكر، والألباني (لكنه ضعفها في تحقيق السيرة النبوية للغزالي).

والحقيقة أن الحديث باطل لا يصح، ضعفه جمع من العلماء منهم أحمد والترمذي وابن تيمية وبكر أبو زيد وشعيب الإرنؤوط وغيرهم. وقد روي من أكثر من طريق كلها لا تصح. أحدها أخرجه عبدالرزاق في مصنفه وعنه رواه آخرون، من حديث عثمان الجزري عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس. وعثمان الجَزري قال فيه أحمد: روى أحاديث مناكير زعموا أنه ذهب كتابه. قال أبو حاتم: لايحتج به. وقال العقيلي: لا يتابع حديثه. على أن عبد الرزاق نفسه شيعي من بقايا الموالي الفرس في اليمن. وبه وبأمثاله زرع التشيع والتشيع الحوثي هناك.

 

ضرورة مراجعة القواعد القديمة في الجرح والتعديل وإضافة قواعد جديدة

وطريق آخر لأسطورة مبيت علي في الفراش، فيه أبو بلج يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم، وهذا الحديث من مناكيره كما قال الذهبي في (ميزان الاعتدال:4/384). وفيه ايضاً: قال فيه البخاري: فيه نظر وقال ابن حبان: كان يخطئ. وقال الجوزجاني: غير ثقة.. ورغم هذا فقد وثقه غير واحد.

ورواية أبي بلج يمكن الرجوع إليها في (مسند أحمد:3/332) وهي ملأى بالمنكرات الشيعية. وقد فندها شيخ الاسلام ابن تيمية في (منهاج السنة:5/34-36) واحدة واحدة. ولا ينقضي عجبي من توثيق بعض علماء الحديث لمثل هذا، الذي يروي مثل هذا! وهذه النقطة تشكل معلماً بارزاً من معالم الخلل في قواعد (الجرح والتعديل) عند الأقدمين، تستدعي المراجعة والتغيير ووضع قواعد جديدة تعالج هذا العبث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وعقيدة الأمة وإيمانها وثقافتها.

***

هذا من حيث السند. وأما متن رواية المبيت فمختل معتل لا يستقيم والعقل السليم. وللتفصيل موضع آخر.

22/9/2017

ذكرى انتصار المسلمين في معركة القادسية الأولى

بعد مرور 1381 عام على وقوعها.

ومرور 37 عام على بدء معركة القادسية الثانية سنة 1980

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: