مقالات الدكتور طه الدليمي

الحكم الوراثي .. الولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً

د . طه حامد الدليمي 

امريكا

لم يقدم الفكر الإسلامي حتى اليوم آلية أسلم لانتقال السلطة من آلية التوريث. وتحت هذا النظام قامت حضارة الإسلام في مختلف دولها المتعاقبة. سوى فترة حكم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما التي كانت فترة نموذجية لا يمكن تكرارها أو القياس عليها، كان الإيمان فيها غالباً على الناس، والدولة ما زالت صغيرة في حجمها، قليلة في أعراقها، متقاربة في ثقافاتها.

 

الأسباب التي مهدت للنظام الوراثي في الدولة الإسلامية

دام استقرار الدولة بعد النبي أقل من (19) عاماً فقط (عهد أبي بكر وعمر وست سنوات من عهد عثمان)، ثم تراوحت عليها الفتن إحدى عشرة سنة، خمس منها حروب داخلية أبرزها (الجمل وصفين)، مع اغتيال خليفتين وتغيير نظام حكم. لم يجد الخليفة الرابع في الأيام القليلة قبيل وفاته سوى تعيين ابنه حفاظاً على ما تبقى من وحدة الدولة. كذلك فعل من جاء من بعده. ثم عادت الدولة إلى الاضطراب وحروب داخلية أكثر من تسع سنين بعد وفاة معاوية الثاني بسبب فشله في تعيين خلف له، ولم يكن ثمت نظام محدد لاختيار الخليفة؛ فالتوريث لم يتم تثبيته بعد كسياق سياسي لنقل السلطة.

هذه التجربة المرة دفعت عبد الملك بن مروان لأن يتخذ من آلية توريث الحكم سنة (86 هـ) الحل الواقعي الأمثل لانتقال السلطة، فعهد بالأمر إلى ابنه الوليد ومن بعده لابنه سليمان زيادة في التحوط. واستمر الأمر على ذلك حتى نهاية الدولة العثمانية.

 

بين الحكم الوراثي والحكم الجمهوري

بعد زوال دولة الخلافة ترشح لنا فكر سياسي إسلامي يغلب عليه الطابع الخوارجي المطعم بصبغة شيعية، فكان طبيعياً أن يقف موقفاً مناوئاً من النظام الوراثي، لكنه لم يقدم لنا بديلاً سوى نظريات مجردة لم يتمكن من تطبيقها، وجرى تجريب مثلها من قبل أنظمة جمهورية علمانية قدمت نموذجاً تقليدياً سيئاً للنظرية المقابلة للتوريث.

لم يستطع الفكر الإسلامي تقديم دليل شرعي على حرمة التوريث. أما الأدلة العقلية فأقوى ما فيها قولهم: إن الحكم الوراثي يمكن أن يأتي إلى السلطة بحكام ضعفاء. لكن التجربة أثبتت أن الحكم الجمهوري هو الذي عادة ما يأتي لنا بحكام غير مؤهلين للحكم يستوي في ذلك القوي منهم والضعيف. وغاية ما يفعله القوي فيهم مجازفات تدمر الدولة، فإن سلمت فلن يسلم الشعب من الطغيان ومرارة الحرمان.

في المقابل رأينا الدول الوراثية أكثر استقراراً ونماءً وعدلاً ورخاءً. انظروا إلى دول الخليج العربي كيف ينعم أهلها بخيرات بلدانهم! وانظروا كيف استعصت جميعها على موجة (الربيع العربي) أن تغرقها بالفوضى والقتل والدمار. لقد كان الجمهوريون ينعتونها بالرجعية والتخلف. لكن الأيام بتجاربها وأمثلتها أثبتت أنهم هم الرجعيون المتخلفون.

إن حاكم المستقبل في الدول الوراثية يتلقى في ظل سلفه تدريباً هادئاً مطولاً على كيفية ممارسة الحكم حتى يكون قد نضج وتهيأ لاستلام المنصب أكثر من أولئك الذين يحتلونه قفزاً في الدول الجمهورية، التي رأينا السلطة في بعضها انتقلت داخل العائلة، والبعض الآخر كان يتهيأ لمثلها لولا أن الأحداث قد عصفت به فلم تمهله ليتم المشوار.

وإن في طبع الناس ميلاً إلى التسليم بطاعة البيت المالك. كما أن الوحدة البنائية لغالبية شعوب المنطقة العربية هي القبيلة. والقبيلة عادة ما تتوارث المشيخة داخل الأسرة الواحدة. فالنظام الوراثي يأتي منسجماً تماماً وطبيعة المجتمع العربي.

 

الحكم الوراثي في النظام الأمريكي

منذ سنة 1789 أي مئتين وثلاثين عاماً والولايات المتحدة الأمريكية قائمة ومستقرة دولةً ونظاماً. وما زالت طوال هذه الحقبة تزداد سعة وقوة ونماء حتى أصبحت الدولة الأولى في العالم. بدأت بـ(13) ولاية و(4) ملايين نسمة. ثم صارت (50) ولاية، بمساحة تقرب من (10) ملايين كم2، يقطنها (320) مليون نسمة. تمثل على صعيد العالم ثالث دولة في عدد السكان بعد الصين والهند، وثالث دولة كذلك في سعة المساحة بعد روسيا وكندا. وهي من أكثر الدول في تعدد ثقافاتها وأعراقها البشرية. ولا أظن أحداً يستعرض تاريخ وجغرافية وديموغرافية الولايات المتحدة إلا ويسأل: ما سر استقرار هذه الدولة طوال هذه الحقبة؟ وما سبب نمائها وتعاظم قوتها ونفوذها؟

يتصور معظم الناس أن رئيس الدولة في أمريكا يأتي عن طريق الانتخاب المباشر من الجمهور. وهذا التصور غير دقيق. فعملية انتخاب الرئيس أعقد من أن يجرى التصويت بالطريقة المباشرة، ثم تجمع أصوات الناخبين ويتم فرزها ليتبين من هو الفائز بالعدد الأكبر من الأصوات كي يفوز بالرئاسة كما يتوهم الكثيرون. ثم إن الكلمة الأخيرة ليست لعدد الأصوات وإنما لـ(المجمع الانتخابي) وإن لم يكن المرشح فاز بأكثريتها. حصل ذلك أربع مرات آخرها مع جورج بوش الابن في دورته الأولى إذ تفوق عليه منافسه آلغور بأكثر من ستمئة ألف صوت لكن المجمع الانتخابي حسم الأمر لصالحه. واختيار أعضاء المجمع الانتخابي أصلاً ليس شرطاً أن يكون بالانتخاب المباشر من الشعب، بل قد يكون مقتصراً على أعضاء الحزب. هذه لمحة بسيطة عن إجراءات انتخاب الرئيس في أمريكا. فإذا وصلت العملية إلى مرحلتها الأخيرة صوت الشعب لواحد من مرشحين اثنين تم اختيارهما مسبقاً على الآلية غير المباشرة التي ذكرت.

 

التوارث بين عائلة الحزب بدلاً من عائلة النسب

بذكاء نادر ومنذ عام 1856 استطاع أساطنة الحزبين: الجمهوري والديمقراطي أن يديرا عملية سياسية يتناوبان فيها وحدهما دون سواهما على حكم الولايات المتحدة، في عملية نقل للسلطة تشبه مثيلتها في نظام الحكم الوراثي، مع فارق ذكي ذي شقين:

الأول: وجود عائلتين تتوارثان الحكم لا عائلة واحدة.

والثاني: أن كلاً من العائلتين يجمع بين أفرادها رابط الحزب بدلاً من رابط النسَب.

يبدو أن قادة الحزبين أدركوا أن التوارث الحزبي يحقق قبولاً شعبياً أكثر من التوارث النسبي، لا سيما إذا كان الباب مفتوحاً لحزبين اثنين لا حزب واحد، مع ترك الباب مفتوحاً – ولو نظرياً – أمام الآخرين أن يقدموا مرشحيهم دون حرج. إن هذا يحقق نوعاً من الإشباع النفسي الجمعي على صعيد التنافس بين الجمهور المنقسم فريقين أشبه بجمهور المشجعين في لعبة كرة القدم. وفي رأيي أن الطبقة السياسية كانت من الذكاء بحيث راعت الناحية النفسية الجمعية، ومن ذلك اختزال فترة الرئاسة بأربع سنوات ما إن تذهب سريعاً قبل أن يشعر الجمهور بالملل حتى تتبعها دوامة أخرى من الإلهاء… وهكذا دواليك!

التداول الوراثي للسلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي أحد ركائز الاستقرار الذي تنعم فيه أمريكا حتى اليوم. وليست الفوضى التي يصدرونها إلينا باسم الديمقراطية.

 

نقل السلطة في أدبيات ( الفكر الرابع )

يدور في بالي منذ سنين سؤال في غاية الأهمية: إذا كان الحكم الوراثي أكثر أنظمة الحكم استقراراً في العالم عامة، وفي منطقتنا العربية خاصة.. ألا يمكن مع ذلك أن نضع آلية متطورة لانتقال السلطة أرقى منه بنوعيه الحزبي والنسبي، يجمع ما استطاع من حسناتهما ويجتنب ما أمكن من سيئاتهما، لا سيما والإسلام لم يحدد لنا خياراً محدداً يقيدنا به، وعقل الإنسان أكبر من أن تحده قيود البشر؟

أستطيع القول: إنني أمتلك في ذلك رؤية عامة تصلح لرسم مسار قابل للتطوير في المستقبل لنظام حكم يتم نقل السلطة فيه بطريقة أرقى. مثل تشكيل لجنة خاصة من بين أعضاء الهيئة المدنية العليا، تقع على عاتقها عملية تعيين القائد المناسب قبل خلو المنصب لأي سبب بفترة مناسبة، ثم نقل المهام القيادية إليه عندما يحين وقته.

يكون القائد – وليس الرئيس – هو الرجل الأول في الدولة طبقاً لهذا النظام، وأفضل تسميته بـ(القائد). والفرق بين القائد والرئيس يتضح بما يلي:

القائد هو رأس الجسم المدني أو المنظومة المدنية التي تمثل القيادة العليا. يمارس القيادة – وليس السلطة – طبقاً لقاعدة (من يملك السلطة لا يمارسها، ومن يمارس السلطة لا يملكها)، التي شرحناها في (منهاجنا). لا تقل فترة قيادته عن عشر سنوات وأميل إلى بقائه في موقعه مدى الحياة؛ تلبيةً للحاجة النفسية إلى الرمز الأبوي لدى الناس. وإشباع هذه الحاجة النفسية الجمعية ضرورة من ضرورات الاستقرار السياسي.

أما الرئيس فهو رأس المنظومة السياسية، وليس القيادة العليا، يمارس السلطة السياسية ولا يملك قرارها الأعلى. وإلى جانبه رأس المنظومة العسكرية الذي يمارس السلطة العسكرية ولا يملك قرارها كما هو الحال مع الرئيس. ويجري تغييرهما على فترات ليست طويلة تحدد في حينها.

أما بقية الأمور من الدستور والنظام الداخلي وتفاصيل الآليات والمؤسسات الرقابية وغيرها، فتأتي في حينها كما هي طبيعة الأمور؛ إذ كل شيء ينبغي أن يأتي في أوانه ومكانه.

10/3/2018

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: