التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات الدكتور طه الدليمي

القضية الكردية في منظور ( التيار السني )

د. طه حامد الدليمي

 

1. العربي والكردي من منظور متبادل

تعاني القضية الكردية من تشوش في نظرة العربي والكردي كل منهما تجاه الآخر، جراء حوادث ومطبات تاريخية تعرضوا لها منذ مئة عام، أنتجت عقداً فكرية ومفاهيم فجة ومواقف مأزومة يتسيدها تعصب قومي متبادل، يرى في أجوائه كل فريق أن الحق كله معه، وأن الباطل كله مع الآخر. ويريد مع ذكر من المقابل أن ينظر للحالة من منظوره هو، ويخضعها لقناعاته هو. وأقصد بالعرب العرب السنة منهم. أما الشيعة فخارج هذه الحسبة.

لذا سأقسم المقال إلى أكثر من جزء: الأول أستعرض فيه نظرة كل من الطرفين إلى الآخر. والثاني أتناول فيه المفاهيم الخمسة (الدين والمذهب والوطن والقومية والهوية) ملتقطاً ما شاع فيها من عقد، ثم أقوم بتفكيك تلك العقد كي تصبح واضحة يُرى فيها مكمن الخطأ وموضع الصواب؛ وذلك من أجل تيسير عملية العلاج. وقد تكون لي وقفة ثالثة للنظرة الميثولوجية والموقف الانتهازي للشيعة والشيعة العرب من الكرد (السنة).

 

الكرد من منظور عربي تقليدي

لنضع الناظور العربي التقليدي أمام أعيننا وننظر من خلاله إلى الكرد؛ فماذا نرى؟

  • ما زال السنة العرب يخلطون بين الهوية والمذهب والدين.
  • ما زال الإسلاميون منهم يستصحبون في الذاكرة الجمعية اللاواعية حالة وجود دولة الخلافة كأنها حقيقة ماثلة يتصرفون على أساسها دون وعي ويطالبون الكرد باستحقاقاتها، رغم زوالها قبل قرابة قرن من الزمان.
  • ما زال القوميون العرب يستصحبون وجود الدولة الوطنية بما يشبه حالة الإسلاميين سواء بسواء.
  • يتوهم الكثير من العرب أن الإحساس بالعروبة لدى الكردي كما هو لدى العربي ما دام أنهم مسلمون. وربما يريدون منهم ذلك. مع أن الإحساس بالعروبة ناتج من نواتج الانتماء أو الشعور القومي، والكرد انتماؤهم القومي كردي لا عربي.
  • القوميون العرب يريدون من الكردي أن يشعر بانتماء وطني لبلد اسمه العراق صفته عربي. بينما الكردي في زمن القوميات لا شك في أن نظره مشدود إلى دولة قومية كردية؛ فيكون العراق العربي خارج نطاق شعوره وانتمائه.
  • يزداد المنظر تشوشاً عندما يدخل المذهب في بناء المعادلة. ولا أجدني أعدو الحقيقة إن قلت: إن معظم السنة العرب يريدون من الكردي، باعتباره سني المذهب، أن يتبنى قضايا السنة العرب، بينما السنة العرب أنفسهم لم يتبنوا حتى اللحظة قضاياهم باسم (السنة العرب)، ولم يعترفوا هم قبل غيرهم بأنفسهم كـ(سنة عرب)، ولا يدركون حتى الفرق بين مصطلح (السنة العرب) ومصطلح (العرب السنة). أو – ربما – لأنهم يدركون ذلك يتحاشون المصطلح الأول. هذا إن اضطروا اضطراراً إلى التلفظ – على خجل وشعور بالنقص – بلفظ (السنة). ويرفضون حتى إقامة إقليم سني عربي ولو ضمن العراق الواحد!
  • يتعقد الأمر أكثر حين يريد السنة العرب من الكردي أن يخضع لدين الإسلام لا كدين فقط، وللمذهب السني لا كمذهب فقط، وإنما كسياسة أيضاً، فتكون مواقفه السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها لصالح السنة العرب ما دام أن دين الإسلام والمذهب السني يجمعهما، حتى ولو على حساب مصلحة الكرد. بينما السنة العرب أنفسهم، وفي أولهم رجال الدين، يفرون فراراً من الدين والمذهب عند الخوض في السياسة، وإن تشدقوا بذلك في دروسهم ومجالسهم الخاصة!
  • يرى العرب في العلاقة بين الكرد وإسرائيل عمالة وخيانة، ولا يرون فيها علاقة مصلحة متبادلة. لقد تخلى الجميع عنهم وتقدمت إسرائيل فلم لا يستثمرون هذه الفرصة؟ لم لا ينكر العربي الفلسطيني (من فعل ذلك منهم) على نفسه علاقته بإيران، والعربي العراقي علاقته بالمحتل الأمريكي، وعدة دول من العرب لهم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وينكر بعض من هؤلاء على الكرد علاقتهم بإسرائيل؟ هكذا ينظر الكردي للموضوع فلم التخوين والنكير؟!

باعتبارنا عرباً نحتاج إلى استعمال المنظور الكردي في النظر إلى الحالة، كي ننصف الآخر؛ فننصف أنفسنا. وفي الوقت نفسه ندعو الكردي إلى استعمال المنظور السني العربي للأهداف السامية نفسها. وذلك على قاعدة (أحب للناس ما تحبه لنفسك، واكره لهم ما تكره لها).

 

العرب من منظور كردي تقليدي

لنستعمل الآن الناظور الكردي وننظر من خلاله إلى العرب فماذا نرى؟

  • ما زال كثير من الكرد، أو بعض منهم، يعيش في أجواء نفسية جمعية مترشحة عن الفترة الماضية. ويرى في العربي صورة الجندي الذي كان يحاربه من قبل. أو الحزبي وكاتب التقارير والمخبر ورجل الأمن. فتنبعث فيه عواطف الثأر والانتقام تجاه شباب ربما لم يكونوا قد خلقوا في تلك المرحلة، وأشخاص ربما لم يكونوا آنذاك داخل العراق، أو كانوا عرضة للملاحقة في داخله.
  • يرى كثير من الكرد أن الشيعة أصدقاء لهم، وإخوة يمكن التعايش معهم. والحقيقة أن الشيعة يتعاملون مع الكرد مرحلياً ريثما ينتهون من شأن السنة العرب، وتحين الفرصة لضرب الكرد كلياً (كتبت هذا الكلام في المنهج الخاص بالتيار السني قبل بضع سنين قبل أن تتبدل الأمور ويحتل الشيعة مناطق السنة ثم بعد الاستفتاء على استقلال كردستان احتلوا كركوك وارتكبوا الفظائع في حق الكرد).

إن كلتا الرؤيتين ليست في صالح أيٍّ منهما على المدى البعيد. والجهة التي تملك القوة اليوم سرعان ما تفقدها غداً، والضعيف لن يبقى ضعيفاً أبد الدهر. فلا بد من إنهاء هذه الحالة الطارئة على تاريخ التعايش بين الشعبين.

نحن بحاجة إلى تفكيك بعض العقد كي نصل إلى معادلة راسخة للتعايش والحل المتوازن السليم.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: