التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات الدكتور طه الدليمي

الشيعة .. تنوع أدوار ووحدة هدف

د. طه حامد الدليمي

لأحد كبراء الشيعة المعروفين، كتاب بعنوان (أهل البيت.. تنوع أدوار ووحدة هدف)، يفسر فيه التناقض الظاهر في مواقف أئمتهم الاثني عشر بين مسالم للدولة ومحارب لها، بأن هذا الاختلاف مرتبط بالظرف المحيط فإن سنحت الفرصة خرج فقاتل، وإلا سالم وخاتل.

مؤلف الكتاب مؤسس (حزب الدعوة) محمد باقر الصدر، من العائلة الصدرية التي ينتمي إليها مقتدى الصدر وحسين الصدر اللذين كان الرئيس صدام حسين (رح) يغدق عليهما بهداياه، بينما كانا يعملان في السر لجلب المحتل وإزاحته عن عرشه. وقد يكون مقتدى أحد الرجلين الملثمين اللذين وضعا حبل المِشنقة في رقبته. وهما اليوم يحاولان تصدير البضاعة نفسها إلى المملكة العربية السعودية. كان محمد باقر الصدر عند مجيء الخميني للسلطة في إيران سنة 1979 يتحفز للإطاحة بالدولة؛ فأعدمته الحكومة العراقية عام 1980/1400.

 

هكذا هم في كل أوان ومكان

يحضرني هنا وأنا أقلب ملفاتي القديمة موقف امرأة تكنى بالحاجة أم عبد العزيز من أهل مدينة السماوة (280 كم إلى الجنوب من بغداد)، تركت منزلها هناك مع خمس بنات لها: كبراهن عمرها (22) عاماً أيام موجة الذبح الطائفي بعد تفجير مرقد سامراء المشؤوم سنة 2006 ولجأت إلى (الفلوجة) لتقيم في إحدى خيام المهجرين. التقاها مراسل موقع “مفكرة الإسلام” فأخبرته بأنها هربت بدينها من السماوة. وأن أشخاصاً من مكتب السيستاني حضروا إلى دارها وأمهلوها مدة ثلاثة أيام للتفكير في اعتناق (مذهب أهل البيت) أو الرحيل إلى مدن (النواصب). وأنها إذا رفضت فإن (المؤمنين) من فيلق بدر وجيش المهدي سيقومون بواجبهم حيالها وحيال بناتها – على حد تعبيرهم – وأضافت الحاجة أم عبد العزيز تقول: تركت كل شيء من أجل ديني، وجئت إلى الفلوجة؛ فقد علمت أن أهلها أهل نخوة وطيبة وجهاد([1]).

هذا نموذج لآلاف مؤلفة من أهل السنة، هجرتهم عصابات المجوسية المقنعة، وبفتاوى العلماء، وعلى رأسهم السيستاني، وفروا بدينهم وكرامتهم منهم.

السيستاني يظهر للناس بمظهر المرجع الديني المحايد، لكنه يمارس التهديد بأسلوب آخر.. على يد (المؤمنين من فيلق بدر وجيش المهدي). لا فرق – في النهاية – بين مقتدى والسيستاني وآل الحكيم وآل الصدر في عداوتهم لأهل السنة. من السياسة أن لا يوضع العنب كله في سلة واحدة. ومن السياسة أن تتعدد السلال حتى يكون لديهم سعة في الاختيار؛ لا بأس أن تكتشف سلة أنها تالفة؛ هناك سلة أخرى يحوَّل العنب إليها… وأخرى وأخرى كلما لزم الأمر.

 

لعبة قديمة جديدة

القوم واعون، يعرفون بأي نول ينسجون، وعلى أي وتر يعزفون، ومع أي جيل ساذَج يتعاملون.. ولقد قالوا لنا لكننا لا نسمع أو لا نريد أن نسمع: (أهل البيت تعدد أدوار ووحدة هدف).. لكن المشكلة في جماعتنا، يدورون بين السلال؛ كلما ثقبت سلة تناولوا أختها. الاعتلال ليس في السلال، وإنما في العنب الذي فيها. والشيعة قوم يتميزون بقابلية لا تضاهى على رفد الميدان بألوان وأشكال، تبدو في ظاهرها مختلفة، لكنها في الباطن متحدة. فإذا انكشف أحدهم، أو احترقت ورقته، جاءوك بآخر يلعن سابقه، ويتبرأ من سابقته. وجماعتنا لـ(طيبتهم) – بل لغفلتهم – لا يدركون اللعبة، أو لا يريدون أن يدركوا؛ فيظلون يدورون ويدورون، كحمار الناعور، يظل زمانه كله يدور ولا يبرح مكانه.

هكذا في كل يوم يخرج لنا (وطني) جديد! و(معتدل) غير القديم! والحقيقة أن اللعبة قديمة، وأنه ليس من جديد. وصدق الأستاذ محمود الملاح (رح)، وهو الخبير بالقوم حين قال: لا فرق عند الشيعة بين الكاشاني (مرجع شيعي) والكشواني (حارس الأحذية في المراقد). الدعوى هي الدعوى، والعمامة والكالوش هما هما. وما تغير إلا الشاخص. ولربما كان اللاحق ألعن من السابق!

 

شاهد من الأحواز

حدثني بعض إخواننا من الأحواز حين كنت أقيم في سوريا سنة 2006 عن أحد العارفين منهم عند أول تسنم الخميني سُدة الحكم، والناس قد افتتنوا به، يظنونه المنقذ الذي جاء به القدر في ليالي اليأس وأيام القنوط! يومها جمع ذلك العارف الحكيم أقاربه، وكلهم شيعة، وقال لهم: ” يا جماعة! إياكم والانخداع بهذا الرجل! إن هو إلا دجال من دجاجلة الفرس، لا علاقة له بالدين “.

ما إن سمع أقاربه كلامه حتى ثاروا في وجهه منكرين مستنكرين. وسكت الرجل ربع قرن. حتى إذا ظهر كل شيء على ما هو عليه، وصار الناس يئنون ويصرخون من ظلم آيات الدجل في قم وطهران. جمع ذلك الرجل أقاربه مرة أخرى وخاطبهم فقال:

  • هل تذكرون يوم قلت لكم كذا وكذا قبل كذا من السنين، وماذا كان ردكم علي؟
  • قالوا: نعم.
  • قال: هل كنت صائباً فيما قلت يومها، وكنتم مخطئين؟
  • قالوا: ” نعم والله!
  • قال: فالآن أقول لكم: ليس العلة في الخميني، وإنما العلة في دينه. التشيع دين باطل، والحق مع أهل السنة.

وثار الحاضرون في وجهه كما ثاروا في المرة الأولى! فقال لهم:

  • يا جماعة الخير، ارحموني وارحموا أنفسكم، لقد عشت ربع قرن على أمل أن أراكم يوماً من الدهر تصدقون ما قلت لكم. وها قد حقق الله تعالى أملي. ومنحني عمراً فعشت حتى رأيت بعيني ما أمّلت. هل تظنون أن لي عمراً كعمر نوح لأعيش ربع قرن آخر حتى أراكم تصدقون ما قلته لكم الآن؟ أفكلما أخبرتكم بحقيقة احتجتم إلى ربع قرن آخر لتصدقوها؟!

 

وتقولون : ما الحل ؟

وأقول: الاعتبار تجربة من دون تجريب. وقول العارف يضاعف العمر، ويختصر الجهد. والعاقل من اعتبر بغيره، لا بسيره. لكن أكثر الناس يأبى إلا أن يمر بجسده على مبضع التشريح؟ ألا ما أكثر العبر! – كما قال الأولون – وأقل المعتبرين!

الحل في مشروع سني ترعاه مؤسسة سنية يقوم على الجيل الجديد؛ فإن الجيل القديم قد طال عليه الأمد وأصابه الأود. إلا من رحم. وفي سيرة سيدنا موسى عليه السلام درس بليغ.. يستتبع الهدى ويبلغ بنا المدى بإذن الله جل في علاه.

………………………………………………………………

  1. 1- مفكرة الاسلام، 24 أغسطس 2006.

 

اظهر المزيد

‫2 تعليقات

  1. الله .. الله…
    “”تعدد أدوار ووحدة هدف””
    ….
    مقال بليغ ، يختصر القصة والطريق، ويضع اليدَ على الجراحِ…
    مقالٌ يصفُ التاريخَ… والعقيدةَ…ونفسيةَ الذي يحملُ عقيدةَ أهل البيتِ.
    …..
    الله.في هذا المقال جملةٌ تُكْتبُ بماءٍ من ذهب ِ..وهذه هي عقيدة أتباع أهل البيت حين قلت:
    (فإن سنحت الفرصة خرج وقاتل، وإلا سالم وخاتل)

    كم عانينا من أمثال هؤلاء ، وكم يعانون اليوم في دول الجوار منهم …. وهم لا يفقهون هذه القاعدة!

    وأما مثالك في قصةالحاجة أم عبدالعزيز :- فهي تقتصرُ معنى التعايش اللاسلمي للشيعي عندما يسيطر على من هو يخالفه، أو أضعف منه.
    فهذا الفعل يؤمنون به قلباً، ويطبقونه واقعاً ، وفعلا.
    ….
    وأما قصة الاحوازي —
    فهي تختصر معاناة كل مصلح ،وعارف، ومجدد في هذه الأمة مع قومه ، عندما يريد أن يخلص أمته من الواقع الأليم، ويضع أيديهم على الحل، وينقذ نفسه وأهله… … فإذا بهم يقفون منه كموقف أهل العارف الاحوازي الذي لا يتعضون بنصيحته إلا بعد ربع قرن . وبعد ما يستفحل المرض ، ويصبح العلاج القديم لا ينفع.
    ….
    وأما هنا ألم الجراح واضحاً في قولك: (القوم واعون، يعرفون بأي نول ينسجون، ومع أي جيل ساذج يتعاملون)… الله أكبر…. هنا تحشرج الحروف في الحلقوم ،حيث يغص بها من ألم الأنين، ويثقل اللسان بالكلماتِ كثقل السنين التي مر بها القائل والكاتب .
    هذه لا تقرأ جملة واحدة، بل جملةبعد جملة. لأننى أرى بين جملها سنين من التجارب والآهات حتى كتبت أول جمله. ثم سنين من التجارب والآهات حتى كتبت الجملة الأخرى .
    كأن قائلها قد دار ظهره من حرب ضروس ، ونار محدقه قد اكتوى بها هو وأهله… .. وهو يقول لأبنائه الصغار ويوصيهم بتلك القواعد أو العبارات. ويبين لهم كل تلك الالاعيب حتى لا ينخدعوا بها….. وكما قال القائلون (اسأل المجرب ، ولا تسأل الحكيم)..
    ….
    وبعد ما أرجعت بصري من ذلك الأفق الطويل، وتلك السنين … وإذا بك تكمل وتقول :(ولقد قالوا لنا لكننا لا نسمع أو لا نريد أن نسمع (أهل البيت تعدد أدوار ووحدة هدف)…
    واللهِ..واللهِ… أنا قرأتها أول مرة وضننتها هي مقولة لك… ثم في القراءة الثانية ذهبت أنظر إلى صورة الكتاب واسم المؤلف ولم اصدق … فقلت لعله كتاب جديد لك … ففركت عيناي مرتين ونصف، وكبرت الصورة ، وحدقت بها جيداً…. حتى قمت اقرأ اسم المؤلف (محمد باقر) حرفاً حرفاً…. وقلت هل معقول هو يقول هذا ونحن لا نسمع ولا نرى لهذا الحد….!!!!!!!!!!!
    …..
    وأجمل شيء عندما تعرض المشكلة ومن ثم تضع الحل… هو هذا الطبيب يشخص المرض ثم يصف العلاج للجيل الجديد…..
    …..
    حفظك الله ، وأقر عينيك بما تحلم وتصبوا له وتتمناه…. وجعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه…

  2. يبدو أن السنة قد انطلت عليهم حيلة التنوع وفي كل مرة يخدعون بأحد الأدوار ولنفس الممثل – مقتدى أو الصرخي أو الخالصي – وكلما نبههم خبير على دور من الأدوار احتاجوا لخمس وعشرين سنة ليعوا الدرس ثم ما يلبثوا أن يعودوا وفي كل مرة لا يتعضون ولا يرجعون ما دامت الأدوار تتعدد والممثلون يتعددون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: