التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

أبو حنيفة كان السبب

د. طه حامد الدليمي

في نهاية عقد التسعينيات فتحت كلية الشريعة فرعاً مسائياً لها مقابل مبلغ محدد يدفع كأجور دراسة. كانت فرصة تستحق الاغتنام لولا مشاغل القضية والصراع الصامت المحتدم حولها آنذاك مع (اللوبي الشعوبي) الذي يغزو البلد بكل مؤسساته، و(الرفاق) بعقليتهم الوطنية والقومية لا يدرون، وإذا دروا لا يدركون حقيقة ما يدور.

أخيراً حسمت أمري وأقدمت.

لم يكن بالإمكان الذهاب إلى الكلية كل يوم؛ فلنا وظائفنا وأشغالنا والتزاماتنا الاجتماعية، وكان للأمر الواقع أثره؛ ما جعل الأساتذة يتساهلون معنا، حتى الذي يفوته الامتحان منا بسبب غيابه يمكنه أداؤه مع شعبة أخرى.

ولم أتفاجأ بجو الدراسة وأسلوبها التقليدي المعروف. أمر متوقع منذ البديئة، وله مقدماته الكثيرة. ودرس تكاد تتلقاه كل يوم على يد الأستاذ أو الشيخ: سلب الطالب ثقته بنفسه، مقروناً بتضخيم الشخصيات التي صارت على ذمة التاريخ؛ قصص لا خطم لها ولا زمام يرفضها العقل وينبو عنها الذوق، يُتبعها الشيخ بالمقولة المكرورة: “أين نحن من أولئك؟”. كتحصيل حاصل يتضخم الشيخ – في اللاوعي – متماهياً بتلك الشخصيات، قاطعاً الطريق على أي بادرة ذكاء يتوقع لها أن تأتي بما يهدد وجوده المتضخم، أو تهوي بفأسها على صنمه الذي يلوذ بعيداً في الأعماق.

على أية حال مرت السنة الأولى على خير.

لم أدر أن السنة الثانية تخبئ لنا في طياتها مدرساً بدرجة ماجستير. هو طيب النفس حسن الخلق، لولا أنه – الوحيد من بين الأساتذة – لا يتفاهم ولا يقبل عذراً للغياب عن دروسه. وتشدد فقرر أن يكون الامتحان مفاجئاً دون تحديد موعد سابق، ومن فاته الامتحان فليعتبر نفسه محروماً من أي فرصة لامتحان بديل، ولو مع شعبة أخرى!

كلمناه في هذه القرارات القاسية فلم نجد له أذناً صاغية ولا واعية. وبرر طريقته الغريبة هذه بأن ذلك سيجعلنا نلتزم بالدوام. قلت له: لا تظن، يا أستاذ، أن هذا الأسلوب يصل بك إلى ما تريد، وأنا أول من يعلن أنه لن يلتزم بالدوام اليومي؛ نحن إنما نغيب اضطراراً لا اختياراً يا شيخ.

لم تمر أيام كثيرة حتى أجرى الشيخ امتحانه الفجائي. وكنت – مع آخرين – غائباً ذلك اليوم. وبر بوعده فرفض أن نؤديه مع شعبة أخرى رفضاً باتاً، وأمرنا جميعاً بمغادرة الصف سوى واحد، ضابط برتبة متوسطة كان جالساً بزيه العسكري. ولما سألته لمَ استثناه دوننا؟ قال: لقد استأذنني. قلت: فها نحن نستأذنك. قال: أما الآن فلا. قلت: قطعاً كنا ننوي استئذانك لكن أين نجدك إلا حين تدخل الصف؟ قال: أنتم طلاب شريعة ينبغي أن تكونوا أكثر التزاماً من سواكم. واستمر في مواعظه المحلقة على طريقة الملالي. أخيراً اضطررنا فغادرنا الصف!

صبّرت نفسي، وحاولت مقاومة أشباح التاريخ التي تحتل جغرافيتنا دون احترام لسلطان الزمن، وهي تعلن انتصارها على عقولنا في كل مرة. حتى كان يوم!

قبل أن أدلف بكم إلى محراب ذلك اليوم أحتاج إلى مقدمة قصيرة لكي تكتمل الصورة.

 

شريط صوتي للشيخ ( كشك )

لا أذكر أي (مرحوم أبو) أعطاني شريط خطبة جمعة، مؤكد أنها أعجبته فأراد إمتاعي بها. لكن الخطبة ساءتني وفي نقطتين لا واحدة: تقليد الخطيب الحرفي للشيخ المعروف بخطبه الرنانة عبد الحميد كشك. والتقليد مهما كان مطابقاً للأصل يستهجنه الحس وتمجه النفس؛ لأنه يكشف عن ضعف يتخفى في داخل صاحبه، ويضعك أمام نسخة مزورة لنسخة أخرى لا أكثر. فكيف وقد استنفد الخطيب طاقته بالصياح من أول عشر دقائق؟!

والنقطة الثانية إتيانه بقصة مصنوعة يضعها الشيعة للطعن المبطن بعظمائنا، يبلعها الأغبياء – وما أكثرهم! – دون أن تقدح أمام غبائهم أي إشارة حمراء تعلن له بوضوح: “قف؛ إنهم يدلعون لك ألسنتهم”!

رأى عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان فقال له: كيف أصبحت يا حذيفة؟ قال: أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق، وأصلى دون وضوء، ولي فى الأرض ما ليس لله فى السماء. فغضب عمر غضباً شديداً.

كان صياح الخطيب يملأ الشريط يمط به صوته ويصرخ بأعلى ما يمكن كيف أن عمر بن الخطاب غضب وأخذ يعنف حذيفة، وكأن عمر – حاشى له – غلام غرير أو  معتوه خَبِل. طبعاً حتى تكتمل المسرحية لا بد أن يظهر على خشبة المسرح في هذه اللحظة علي مهيباً هادئاً رزيناً:

– ما بك يا أمير المؤمنين؟

وصاح عمر وعيناه محمرتان من الغضب:

– اسمع ما يقول حذيفة!

وبهدوء يجيب عليٌّ:

– لقد صدق الرجل يا أمير المؤمنين.

– لقد صدق؟ كيف؟! (وما زال الخطيب يصرخ!).

– أما أنه يحب الفتنة فالمال والبنون؛ يقول سبحانه: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ). وأما أنه يكره الحق فيعنى الموت. ويصلى دون وضوء أي يصلى على النبى صلى الله عليه وسلم. وله فى الأرض ما ليس لله فى السماء أي له زوجه وأولاد وليس لله زوجة ولا ولد.

وعقّب الخطيب هنا قائلاً وقد غير النبرة فصارت كأنها قذيفة مدفع آخذة بالهبوط من رأس جبل (حصاروست) إلى وادي (غدف):

– وهنا قال عمر قولته التي ما تزال ترن في أذن الزمان (ومدّ الألف عشرين حركة!): لا أبقاني الله في أرض ليس فيها أبو حسن!

الحمد لله لم يقل: “لولا علي لهلك عمر”!

ألم أقل لكم: الشيعة يدلعون، والأغبياء يبلعون!

هل تعلمون من الخطيب؟ إنه الشيخ (إياه).. الشيخ الذي لا يتفاهم. أرجو أن لا تكونوا نسيتموه.

 

أبو حنيفة

دعونا الآن ندلف – كما وعدتكم – إلى محراب ذلك اليوم. أرجو أن لا تكونوا نسيتموه.

افتتح الشيخ درسه بقصة مشابهة، لكن هذه المرة كان بطلها أبا حنيفة، مع شيء من تبادل الأدوار، يجري في ساحة اللاواعي، وهي أخطر الساحات في كيان الإنسان؛ ذلك أن محتوى اللاوعي هو الذي يمثل الكيان الداخلي أو الحقيقي للشخصية. نحن التلاميذ أخذنا دور عمر. وأبو حنيفة أخذ الشيخ دوره بالاستعاضة. وكان الشيخ أثناء رواية القصة يُذرذر عليها بهارته أو عبارته المعتادة: “هذا أبو حنيفة مو إحنا!”:

– اقتحم مجموعة من الخوارج على الإمام أبي حنيفة بيته وقد تركوا جنازتين على الباب، حتى وقفوا على رأسه، ثم سلوا سيوفهم وقالوا:

– يا أبا حنيفة، هاتان جنازتان على الباب، أحداهما لرجل شرب خمراً فغص بها وحشرج فمات، والأخرى لامرأة زنت، فحبلت، وعندما جاءها الطلق أعسرت فماتت.. ماذا تقول فيهما: أكافران هما أم مسلمان؟

وأردف الشيخ: “شوفوا بماذا أجابهم! هذا أبو حنيفة مو إحنا!”:

– أوَيهوديان هما؟

قالوا: لا.

قال: أنصرانيان هما؟

قالوا: لا.

قال: أمجوسيان هما؟

قالوا: لا.

قال: فما هما؟

قالوا: مسلمان.

قال: ماذا؟

قالوا: مسلمان.

قال: ها أنتم أقررتم أنهما مسلمان!

فألقوا السلاح، وقالوا: جزاك الله لقد بصرتنا وأنقذتنا.

قال الشيخ: وأغمدوا سيوفهم وخرجوا. شوفوا! هذا أبو حنيفة!

فبادرته قائلاً: والجنايز وين صارن؟

يبدو أنه نسي فقد رد عليّ قائلاً: أي جنايز تقصد؟

قلت: الجنايز اللي بالباب مالة الرجل السكران والمرأة الزانية.

قال: ماذا تقصد؟

قلت: يا أستاذ، لا تحسب أننا طلاب صغار كأولئك الذين يدرسون في النهار. ولا أظنه يفوتك أننا جميعاً قطعنا مرحلة من العمر وفينا العالم والمثقف والخبير. تعال من فضلك فأقنعني أي صدفة هذه التي جمعت بين هاتين المِيتتين الغريبتين؟ وكيف علموا أنهما ماتا تلك الميتة؟ أين أهل الميت؟ كيف يُسْلِمون ميتهم لغرباء عنهم لا يدرون ما يفعلون به؟ ثم أين الدولة؟ وأين الشرطة؟ هل الأمر فوضى على عهد أبي حنيفة بحيث يفعل من يشاء فعلة لا يمكن أن تمر هكذا دون أن ينقلب البلد، لا سيما أن أحد الميتَين امرأة وقد فضحت على رؤوس الأشهاد! فمن فضحها؟! وكيف؟! احترموا عقولنا قليلاً يا شيخ.

ودار بيني وبين الشيخ جدال قلت فيه متقصداً: يا شيخ هذه حكايات خيالية يصنعونها لمقاصد مبيتة، مثل حكاية عمر وحذيفة (وشرعت في بيان القصة باختصار). ولم يمهلني الشيخ لأكمل؛ كأنه أحس أنني أقصده بإيراد هذا الشاهد، وقال مغضباً: أتسخر مني؟! أو كلمة مشابهة. وانتهت الأمور نهاية لم تخْلُ من سخونة تجاوزت الحد.

 

النهاية

كانت هذه هي القشة التي كسرت ظهر علاقتي بكلية الشريعة. لا سيما أن الصراع قبلها كان شديداً في داخلي بين الانقطاع والاستمرار.

بعد مدة، وقد انقطعت عن الدراسة، كنت أدخل المسجد حين استقبلني المؤذن ليخبرني أن شابين قدما من بغداد في سيارة (كابرس) جاءا إلى المسجد يسألان عنك: نريد د. طه. وقصا عليّ قصة ملخصها أن الشيخ (فلان) حصلت بينه وبينك مشادة كلامية. وبعد أن ذهبتَ أخبره بعض الذين شهدوا (الوقيعة) أن الذي تشادد معه هو د. طه. فتفاجأ لذلك وأظهر تأسفه لما سمع منهم!

وانتظر إلى الغد عسى أن تأتي فيعتذر منك. ولم تأت ذلك اليوم، بل ولا الأيام التي تلته. حتى إذا استيأس وتأكد أنك تركت الدراسة بسببه.. ندم وتأثر كثيراً لذلك. ولم يهدأ حتى سعى لدى العمادة والمدرسين أن يتجاوزوا لك عن الغياب ويمنحوك درجات نجاح في كل الدروس التي فاتك الاختبار فيها لتستأنف الدراسة من جديد.

لم يكن قرار البدء بالدراسة، من أصله، سهلاً. بل هو في غاية الصعوبة. وفي حاجة أولاً وقبل كل شيء إلى تهيؤ نفسي كبير. كنت أقطع مسافة طويلة تستغرق من الوقت – عدا وقت الدراسة – أكثر من ساعتين ذهاباً وإياباً؛ فالكلية في الجانب الشرقي من بغداد، وأنا مثقل بأعباء وسفر ورحلات دعوية وكتابة وأشغال رسمية وغير رسمية وواجبات عائلية وغير ذلك. وكان هاجس ترك الدراسة كثيراً ما يراودني، لكنه في حاجة إلى قرار. ولم يكن قرار الترك سهلاً أيضاً، حتى كان ما كان.

تأثرت لموقف الشيخ النبيل. ودفعني ذلك دفعاً للتفكير في العودة إلى الدراسة ثانية. وحاولت، حاولت مع نفسي أولاً. لكنها استعصت عليّ. ولما كررت المحاولة وجدتها قد رمقتني بنظرة عاتبة ثم صفقت جناحيها وحلقت بعيداً في ذلك الفضاء الرحب الجميل.

لو لقيت يوماً ذلك الشيخ لقلت له: غفر الله لك أيها الشيخ النبيل، ورحم الله الإمام أبا حنيفة؛ فقد كان هو السبب – لا أنت – وراء عتقي من ذلك القيد الثقيل.

“هذا أبو حنيفة، مو أنتو يا شيخ”!

2019/1/13

 

اظهر المزيد

‫4 تعليقات

  1. كثير من الناس إعتادوا على الألقاب العلمية ونسوا أنها إن لم تكن معها العلم النافع وليس العلم الذي لا ينفع صاحبه ولا غيره، وإلا فما فائدة الألقاب التي ملئت البلاد وواستغاثت منها البلاد وحالنا كما هو معلوم.
    كم من عالم حمل علماً لو وقف أمامه عشرات ومئات من حملة الشهادات لما وصلوا إلى علمه وفائدته وآثاره ؟
    نعم الألقاب صارت مطلوبة وعلامة على التخصص ولكن لابد أن يكون العلم يقدر اللقب أو يزيد فكم ممن لم يحملوا لقباً حملوا علماً فاقوا به أهل الألقاب؟
    وأنت ياشيخنا قد فاق علمك كل الألقاب والشهادات، واللقب يفتخر بك، وليس أنت من يفتخر بالشهادة واللقب.

  2. ضحكة رسمت الأسى على وجه القاريء وهو يقرأ ويلات المواعظ التي تسربت إلى العقل السني حتى إصابته في الخرف والالتفات إلى العقل و التفكر وفحص العبارات ولهذا السبب كان السلف الصالح ينظرون إلى الوعظ انه إحدى أدوات الشعوبية التي تتسلل إلى الثقافة السنية وعطلت أهم مآ امر به القرآن الكريم وهو التفكير والتأكد من كل مايقال وينشر

  3. تعليق لي في صفحة أخرى , مناسب جدا لهذا الموضوع:
    مضحك المبكي هنا , ان الخالصي كان يلعب في عقول شيوخ سنة بغداد بين مرقدي موسى الكاظم وقبر بي حنيفة النعمان. وهو يعلم ان هؤلاء الشيوخ مشلولين عقليا لأنهم يعتقدون أن أبا حنيفة النعمان إماما لأهل السنة والجماعة. والخالصي الخبيث يعلم أن أبا حنيفة خير من خدم ابا مجرم الخراساني في قتل مليون رجل دولة عربي في أخبث انقلاب دموي لإقامة ما سمي بالخلافة العباسية. لأقد أثبت الإمام مالك لأبي جعفر المنصور ان أخبث مولودين في الإسلام ابو مسلم الخراساني وابو حنيفة النعمان , فقام ابو جعفر المنصور بقتل أبي مجرم الخراساني , وقام بسجن أبي حنيفة النعمان متلبسا بالزندقة: القول بخلق القرآن والإفتاء من رأسه على هواه , سجنه لاستتابته , وبقي في السجن بلا توبة فمات زنديقا. لذلك جقد المجوس على ابي جعفر المنصور. سيبدأ العقل يشتغل شيئا فشيئا في قلوب شيوخ السنة في العراق ومصر والمغرب خاصة وفي سائر بلاد المسلمين عامة, عندما يدركون ان ابا حنيفة هو من المؤسسين الحقيقيين لدول المجوس الشيعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: