التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات أخرى

فقه المنصب .. ولماذا المشروع اولاً ..

أ. حسن القزاز/ التيار السني في العراق

فقه المنصب.. هو من المصطلحات التي احببت ان اطلقها على توصيف حالة المشاركة السياسية لاهل السنة في عراق ما بعد الاحتلال وانعكاساتها، والتي تدخل ضمن اطار فقه النوازل اذا ما عممنا التجربة على كل بلد يمر بحالة احتلال او هيمنة خارجية وما يصحبه من طريقة تعامل سكان البلد المحتل مع الوظائف او المسؤوليات الحكومية الكبيرة التي تعرض عليهم .

فبعد احتلال العراق في عام 2003 وسيطرة القوى الشيعية على معظم مفاصل الدولة العراقية ومؤسسات الحكومة وجد سنة العراق انفسهم في مهب الريح وسط تهميش متعمد واستهداف ممنهج لهويتهم عن طريق اتباع سياسة طائفية مقيتة تبيح لنفسها ارتكاب ابشع الجرائم باقذر الاساليب. ومع غياب اي مشروع يحافظ على كينونة اهل السنة ويرعى مصالهم المعطلة وحقوقهم المغتصبة طفا على السطح مجموعات من مشارب شتى لتتصدر المشهد وتحاول ان تدعي تمثيل السنة في الجانب السياسي تحت قبة برلمان وبين اروقة حكومة، نجح بعضها في الوصول الى مناصب مختلفة واستئزار وزارات معينة بحسب الاستحقاق الانتخابي كما يدعون.

 

حصاد خمسة عشر عاماً

وبغض النظر عن دوافع تلك المجموعات المؤتلفة على شكل احزاب او كيانات سياسية او تجمعات عشائرية وسواء اكانت تلك الدوافع نابعة من الحرص على مصالح الجمهور او الاستئثار بالمنافع الشخصية او كانت صادقة في دعواها ام كاذبة فيها، فان نظرة بسيطة الى الواقع واستقراء سريع (لمنجزات) خمسة عشر عاما من الحصاد المر يخبرك بان هناك عناصر مشتركة وعوامل متشابهة لدى كل سني يتسنم منصب في عراق ما بعد 2003.. اهمها:

1. عدم امتلاك القرار لصاحب المنصب في ما يتعلق بالامور التي بموجبها تتحقق مصلحة جمهور اهل السنة؛ فسياسة الدولة مرسومة مسبقا بريشة ايرانية سوداء تجاه السنة ومناطقهم، ومصير من يخالف ذلك هو التهديد او القتل او التهم الجاهزة كالارهاب وغيرها، ومع غياب اي قوة او جهة تحمي ذلك المسؤول يتحول ذلك السني صاحب الشعارات الرنانةالى مجرد موظف (كبير) وشاهد زور مهمته تنفيذ الخطة الشيعية في العراق. وتشغله المهام الوظيفية بتفاصيلها – والتي تختلف باختلاف المنصب الذي يشغله (تشريعي . رقابي . تنفيذي… الخ) – عن الهدف العام والغاية التي جاء من اجلها.

2. ان الفائدة التي يظن انها مستجلبة من خلال مشاركته في برلمان او حكومة تقابلها من – اجل استمراره وبقائه – مفاسد اضعاف تلك المصالح التي سيحققها في ذهنه فقط؛ فهو مضطر الى المداهنة والتماهي مع العادات والاساليب الشيعية من عبارات او زيارات او مناسبات او طقوس مجوسية -حتى في حالة عدم ايمانه بها – في سبيل اثبات حسن نيته وعدم طائفيته، فيمسي ايقونة سنية بمضمون شيعي. مما يعطي انطباعا خاطئا امام جمهوه المحلي وامام السنة بشكل عام بانه ليس هناك فرق بين السنة والشيعة وان لا ضير في ممارسة تلك الامور على المستوى الشعبي لان قادتهم يقومون بذلك عن طيب خاطر وعن قناعة وان كانت ظاهرة للعيان فقط على اقل تقدير.

3. اذا افترضنا جدلا ان هناك نجاحاً يتحقق – ولو بشكل جزئي – في مهمة ذلك المسؤول فإنه سيكون من نصيب الحكومة الشيعية وستسلبه ماكنة التوجيه والاعلام الشيعي هذا النجاح او التميز وتنسبه الى دولة الامام وحكومة المهدي. وهذا ما يفعلونه ايضا مع كل مجهود متميز ولو صدر من اصغر موظف في الدولة، ولو كان عامل خدمة.

4. لا شك بعد من ذاك كله من اتساع الهوة بين المسؤول وبين جمهوه الذي انتخبه لتصل الفجوة الى حد السب والشتم والاستهزاء؛ لانه لم يوف بوعوده الانتخابية التي كان على الجمهور ان يعرف انها غير قابلة للتطبيق وعلى السياسي ان يعرف حجمه فلا يرفعها من البداية. فتجد ذلك السيناريو يتكرر كل اربع سنوات ومع تكراره يفقد ساسة السنة مكانتهم وثقتهم لدى جمهوهم على حساب اتساع المد السياسي الشيعي في مناطقنا السنية.

 

المشروع

عندما اطالع في وجوه هؤلاء الساسة، وارى المستنقع الذي اوردوا فيه اهل السنة والتخبط في المواقف والتحالفات التي يقيمونها مع اعداء الماضي من الخونة و المتآمرين على بلدهم ، استذكر المنهج الذي رسمه مؤسس التيار السني في العراق الدكتور طه الدليمي (حفظه الله) عندما جعل من المشاركة السياسية دون وجود هدف مرسوم ضمن مشروع سني متكامل – يشكل بيئة حاضنة تلتف حول القيادة – هو من اكبر الاخطاء واعظم الجرائم التي ترتكب بحق قضية اهل السنة وهويتهم.. فبغياب الجسم المدني الذي يمسك بالجناح السياسي – وحتى العسكري – ويحركه فان ذلك الجناح مصيره الكسر او الافتراس في سماء السياسة الشيعية الهابطة او السقوط على الارض. وما على اهل السنة الا دفع مزيد من التضحيات من الوقت والجهد والدم لكي يعودوا من حيث ابتدأوا في كل مرة .

يقول الدكتور طه حفظه الله عن هذه الموضوع بعد ان بين التوازن المطلوب بين القوى الثلاث ( المدنية، والعسكرية، والسياسية) :

(يوم يتم تفعيل عناصر هذا المشروع، ويتكامل الربط بين أجزائه جميعا، يكون قد ولد فينا (جيل النصر)، الذي يستعصي على القوى الخارجية، والداخلية أيضا، أن تمنعه من الوصول إلى هدفه، أو أن يقطف ثمار جهده بنفسه لنفسه. أو أن يضطر قادته لأن يكونوا عملاء أو أجراء عند غيرهم. وعندها لن يقاتلوا بعد اليوم بالنيابة عن الأعداء – كما هو الحال التي وجدنا عليها أمتنا منذ مئة عام – ولن يكونوا ضحية لمشاريع الأخرين. وهذا بعد عناية الله تعالى ورعايته.

هذا باختصار مقصودنا بالمشروع المدني المفقود منذ اضمحلال دولة الإسلام ثم زوالها قبل مئة عام).

وختاما اقول ان هذا القصور في الفهم لفقه المنصب عمره في الامة اكثر من مئة عام .. بل ان عمره الف واربعمئة عام.. فمنذ ان قَبل علي رضي الله عنه منصب الخليفة الذي تم عرضه على الصحابة من قبل قتلة عثمان رضي الله عنه، اصبح هناك شرخ وهوة بين الحاكم والمحكوم. ولو ان عليا رضي الله عنه علم بما سيفعله الذين يسمون انفسهم (اتباعه) من بعده منذ مقتله وصولا الى شيعة العراق، لكان عدل عن قراره بقبول المنصب في دولة عاصمتها يحتلها البغاة والقتلة والمتمردون.

 

اظهر المزيد

‫2 تعليقات

  1. عنوان ومضمون متميز، وتشخيص لتجربة سنية فاشلة تستدعي الوقوف عليها وتجاوزها كي لا نبقى ندور في فلكها.

  2. بسم الله الرحمن الرحيم
    جزى الله خيرا الاستاذ الكاتب على مقالته الواضحة الموجزة, وقد ضرب مثلا جميلا بطريقة استخلاف سيدنا علي رضي الله عنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: