مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

قمة وارسو .. وغيبوبة فلسطين

د. طه حامد الدليمي

ليس حدثاً عادياً (قمة وارسو) التي عقدت بقيادة أمريكا في العاصمة البولندية يومي (13و14) من الشهر الحالي (شباط/2019)، وحضرها مندوبو إحدى عشرة دولة عربية: تسع منها (السعودية والإمارات وقطر وعمان والأردن واليمن والبحرين والمغرب والكويت) مثّلها وزراء الخارجية، واثنتان (مصر وتونس) مثلهما نائبا وزيري الخارجية؛ إنه خطوة كبيرة للأمام تجاه عهد جديد يختفي فيه – بإذن الله تعالى – نفوذ إيران، وتنطفئ نيرانها التي أشعلت المنطقة منذ غزو أفغانستان سنة 2001 حتى اليوم. بل منذ وصول نظام الخميني إلى رأس السلطة في إيران في شباط/ 1979 وشنه حربهه العدائية ضد العراق بعد سنة ونصف من وصوله المشؤوم.

لن يختفي نفوذ إيران أو تسقط وحدها، بل ستجر معها كل من ربط مصيره بها. وهذا استحقاق طبيعي وعادل. لكن.. ليس محور موضوعي إيران؛ فالأحداث التي تتابعت منذ مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب إلى قمة السلطة في أمريكا حتى اليوم، تتصاعد في سياقها المعهود لإنهاء نفوذ إيران. وليس من جديد سوى نوع الحدث وتوقيته. أما السياق والدلالة فواحدة. إنما أريد أن أتكلم عن العلل الحقيقية التي جعلت فلسطين تغيب عن الإجتماع وتظهر مكانها (إسرائيل) التي لم يكن العرب من قبل يتقبلون وجودها معاً في أي لقاء دولي، ولو على مستوى السباقات الرياضية!

هل ما نشهد غياب.. أم غيبوبة لفلسطين؟ وهل السبب في العرب أم في الفلسطينيين؟

لصالح فلسطين هذا الذي أقول؛ فالله تعالى حين حمّل الصحابة مسؤولية خسارة معركة (أُحد) فقال: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165)، كان ذلك لصالحهم. ولو لم يعد ذلك الجيل إلى ذاته فيشخص علته ويتولى علاجها بنفسه ما قام من كبوته ولا شفي من علته، وما شهدت البشرية وجود أمة كانت (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110).

يتحمل الفلسطيني القسط الأكبر من المسؤولية. وعليه أن يغادر ثقافته الثورية ويترك خطابه الحماسي؛ فذلك يشغله عن رؤية علته، وعليه أن يعود إلى ذاته فيتولى علاجها، وإلا فلن يزيده الصراخ إلا تردياً، وسيجد نفسه أخيراً وحده في الطريق بلا أنيس.

 

من شواهد العلة

1. أول جناية ارتكبت بحق فلسطين والفلسطينيين أنهم صدقوا أن فلسطين قضية الأمة المركزية. لا يهم إن سخر مني اليوم الكثير، سيعون الحقيقة يوماً.. هذا هو المهم. والحقيقة تنتظرنا على صعيد الواقع الجيوسياسي، لا على صعيد الأحلام أو الأوهام. وعلى صعيد الواقع لا توجد أمة، إنما أقطار متفرقة، ولكل قطر قضيته. ومفهوم (القضية المركزية) مفهوم سياسي، ولا سياسة دون واقع جيوسياسي، فالمفهوم إذن لا وجود له من الأساس.

2. سبعين سنة والناس تردد (فلسطين قضية الأمة المركزية)، وخيضت حروب وبذلت دماء وأموال وأهوال في سبيل فلسطين. فماذا كانت النتيجة؟

أ. تضخم خطير أصاب شخصية الفلسطيني حتى ما عاد يرى في الميدان غير نفسه، بل صار الفلسطيني يرى كل صاحب قضية غير قضيته منافساً خطيراً له، وعليه أن (يحترم) نفسه ويلملم قضيته وينسحب، وإلا اتهمه بشتى التهم.

ب. تمدد إيران وشيعتها فابتلعوا أربع دول عربية، وطالت صواريخها (الرياض)، وفحيح تهديداتها حمى مكة!

3. نظرت شعوب هذه المنطقة فوجدت أدعياء المقاومة هم وإيران يداً واحدة. ونظرت فرأت أن هؤلاء غضوا الطرف حتى عن الفلسطينيين الذين قتلوا في العراق والشام خشية أن  تقطع إيران أموالها عنهم. شيء غريب حقاً! وكان أول المنتبهين إلى هذه المفارقة نحن سنة العراق. وللتاريخ أقول: كان إخواننا في سوريا والخليج ينكرون علينا اعتراضنا على هذه المفارقة الغريبة حتى وصل الخطر إليهم: واقعاً أو تهديداً؛ فصاروا يتفهمون موقفنا بالتدريج وينتبهون إلى ما انتبهنا إليه من قبل. والأهم أنه صارت لهم قضية خاصة بهم تخرجهم عن نطاق الحلم وقيد الوهم.

4. لم ينظر الأخ الفلسطيني إلى قضية أخيه العراقي – ولا إلى بقية القضايا – كما نظرنا إلى قضيته. ولم يرد أن يفهم أن قضيته ما عادت القضية الوحيدة، بل راح يهاجمها ويتهمنا بالعمالة، وزاد فاصطف مع عدونا. وفي الوقت نفسه يريد منا أن نصطف معه ضد أنفسنا! لم ير الفلسطيني أن قضية فلسطين والحالة هذه غرقت في محيط دمائنا، وما عاد لنا وسط هذه الدماء من قدرة على أن نرى شيئاً خارج محيطنا الدمائي هذا، الذي حفرته إيران.. حليفته وصديقته!

5. كانت أكثر الشعوب دعماً للفلسطينيين شعوب الخليج والعراق والشام. ولما لجأت السعودية ومن معها من دول الخليج إلى مواجهة إيران، اختار الفلسطيني إيران ضد إخوانه، حتى دون أن يلجئه إخوانه إلى أحد الخيارين! وهنا أطلق الفلسطيني – لَلأسف – سهمه الأخير، لكن في نحره هو، فأعلن عداءه لمن كانوا يدعمونه من قبلُ بلا مقابل. وكان من الحكمة، بل السياسة، أن يختار – على الأقل – جانب الحياد وملاذ الصمت. لكن حتى هذا المستوى الواطئ من الحكمة لم يكن خياره، مع الأسف!

الغريب أن الفلسطيني حتى اللحظة لم ير مدى الجناية التي ارتكبها في حق نفسه بنفسه. وما زال يتوهم – بسبب من ذلك التضخم – أنه مهما فعل فعلى الآخرين أن يتقبلوه، بل عليهم أن يدعموه!

ولأن الحقيقة لا بد أن تقول قولتها. ولأنه لا بد للواقع أن ينتصر على الوهم أو الحلم. ولأنه يستحيل أن تفرط الدول بأمنها ومصلحتها لأجل غيرها فتترك إيران تعيث يميناً وشمالاً في بلدانها.. عمدت شعوب المنطقة قبل حكامها، إلى أن يغادروا أوهامهم وأحلامهم وعواطفهم وراء ظهورهم وينصرفوا لمواجهة الخطر المحدق بهم قبل قضائه عليهم. هكذا وجدوا أن الجلوس مع بومبيو ونتنياهو أولى من الجلوس مع روحاني وخامنئي، وفلسطيني يتمترس بهذا العدو العاهر السافر الذي انتهك جميع الحرمات وهو ينظر ولا ينكر.

أيها الأخ الفلسطيني، يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (الأنفال:72)! إن إيمانك وعروبتك لا تعنيني قدر ما يعنيني موقفك، كما أنه لا يعنيك إيماني وعروبتي قدر موقفي. فكيف وقد وقفت إلى جانب عدوي، أنا الذي كنت أقف معك!

ويقول تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (الأنفال:75)؛ فالعراق أولى بي من فلسطين، وبغداد أولى بالذود عنها من القدس. وكذا هو غيري من شعوب العرب. هذا هو مقتضى الفطرة. ولسنا – لله الحمد – ممن انتكست فطرته أو أصيب في عقله، أو ارتكست آدميته.

انتبه إلى الحقيقة فأصلح من نفسك، ولا تكابر، ولا تسمع لهتافات الحمقى ولا المتاجرين بدمك وأنين ضحاياك.

 

فلسطين .. غيبوبة لا غياب

لم تغب فلسطين عن (قمة وارسو)، بل ضربتها (غيبوبة) منعتها من الحضور. ونصيحتي لإخواننا الفلسطينيين أن يعالجوا أسباب هذه الغيبوبة قبل أن يدركها الموات، وأن يحملوا أقوالنا محمل الأخوية الناصحة، ومواقفنا على أنها محض العدل والواقعية المبصرة؛ فيبادروا إلى إصلاح حالهم، ويدعوا الخطابات الثورية والهتافات الحماسية التي لا يستفيد منها إلا المتاجرون بقضيتهم: منهم أو من غيرهم. وينبذوا إيران وحضنها الملآن بالأشواك والصقع والصقيع، ويعودوا إلى حضنهم العربي فلن يجدوا أدفأ وأحنى وأحن منه! وإلا فيلحمل كلٌّ عبئه على ظهره، وليمض في طريقه غير عابئٍ بغيره. ومن لام فلا يلومن إلا نفسه ولا يلعنن إلا نحسه.

2019/2/20

 

اظهر المزيد

‫12 تعليقات

  1. مقالة تحمل الالم والامل، عليهم ان ياخذوا مماطرحه مؤسس التيار السني محمل الجد ولا تاخذهم العزّة بالاثم.

  2. وحين تنظر للصفحة الثانية ان عرب الاحواز مع تشيع فيهم وبعدهم لقرن عن الحضن العربي حين بدأوا بالوعي بالقومية العربية ويرفعون العلم السعودي بدأت لهم من العرب حرمة اعلامية وتقارير على ان لهم نسب رابط وانهم مظلومين وبدأت الكامرة تتجه صوبهم وقبلها لم نكن نحس لهم ركزا صورتان متضادتان في بلدين عربيين طال احتلالهما لكن المشاعر تختلف بناء على الخطاب علما ان الاحوازي شيعي والفلسطيني سني في حضن ايران .

  3. مقال صحيح ويصف الواقع بدقه
    وكان عندي استفهامات كبير عن الفلسطينيين ورئيسهم
    واتضحت لك الصور بعد مقالك الأكثر من رائع
    وعندي سؤال لك
    لماذا لم تذكر قطر معهم ؟؟؟

  4. حماس والجهاد ومن شاكلهم جزء من جماعة الإخوان المسلمين تنظيم مصر, مثلهم مثل تلاميذ محمد محمود الصواف , اشاعرة يأخذون علمهم عن اشاعرة بنفس خارجي يفضلون الشيعة بسيئاتهم على العرب السنة بحسناتهم والمنافع التي يصبونها على جماعة الإخوان صبا. ولن يعيد أتباع الإخوان ذوي النوايا الحسنة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا قيام شيوخ السنة بترك أخذ العلم عن الأشاعرة ابتداء من الكذابين الثلاثة ابن الجوزي والبيهقي وابن حجر العسقلاني الذين يتهمون امير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنهما باغتصاب نساء الصحابة والتابعين من مهاجرة وانصار في وقعة الحرة, وليذكروا ان بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم ليزيد وجيشه بالمغفرة هي بشارة بالجنة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم بعيارة أخرى! وشيوخ المسلمين السنة يصيبهم جزء كبير من مسئولية اتخاذ شيوخ الشاعرة والخوارج مثل سعيد بن جبير وعمر بن عبدالعزيز مراجع لأبناء السنة, فأتلف ذلك عقلهم السياسي ! عند انتقادكم لحماس والجهاد وعبد الملك السعدي ذكروهم بخيانة شيوخ الأشاعرة بلا استثناء لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين . والله منن وراء القصد !

  5. حماس تلعب بالنار مع الأسف وستحرق المنطقة بلهيب التشيع الرافضي المشرك أن لم ترعوي وتثيب إلى رشدها.

  6. هكذا تنحر إيران الدولة السنية بفكرها المتلون الملتوي المخادع تارةً بسم الدين وتارةً بسم المقاومة لتطيح بها ارضا لتبعدها عن محيط أخواتها من الدول العربية لترسخ في عقلها المظلومية من قبل أصدقاها العرب .هذا حل فلسطين عندما تخرج عن المسار الصحيح

  7. إن انتشار الفكر القومي بعد زوال الخلافة العثمانية، وبروز إسرائيل والقضية الفلسطينية جعلت هذا الفكر ينشر هذه القضية-ومن زاوية القومية- وكأنها القضية الوحيدة في الوطن العربي، وشارك الفكر الاسلامي كذلك -ومن زاوية الدين- لترسيخ مفهوم المركزية والقدسية لهذه القضية بحيث تحجب رؤيتها كل القضايا. ودار الزمان دورته ليفصح عن حقيقة القضية المركزية لكل بلد وأن لكل بلد مصاب يفوق ما أصيبت به وسل سنة والعراق وسوريا واليمن يأتيك الجواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: