التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

يرضيك يا ربيع ؟!

بمناسبة الذكرى السنوية للحرب الأمريكية الإيرانية على العراق 2003

د. طه حامد الدليمي

 

فتحتُ عينيَّ باكراً لصلاةِ الصبحِ فجرَ ذلكَ اليومِ.

إحساسٌ ثقيلٌ بالتوجسِ من شيء أحاول عبثاً تجاهلَهُ.. يجتاحُني.

ذاكرتي ملأى بشجون ذكرى قديمة، أحتاج ستة أشهر فقط لأقول: “ها قد مرّ عليها عشرون سنة”. الحقيقة أنها ثلاث وعشرون، لكن ماذا أفعل إذا كان الجمال لا يظهر أحياناً إلا بالتمويه؟

الغريب أنني أختزن في داخلي ذكرى مشابهة، ومع أنها تحكي ما جرى ويجري أفضل مما تحكيه الأولى، عدا أنها أقرب إلينا منها بحزمة سنين، لكنها لم تشغل سوى مساحة قليلة جداً من حيّز ذاكرتي المشحونة صباح ذلك اليوم.

لماذا؟

الحقيقةَ أقول لكم: لا أدري.

الآن تذكرت.. لعل السر يكمن في دهشة الحدث الأول. الحرب لها دهشتها الأولى أيضاً. ليس الحب وحده.

بيت في صبيحة تلك الدهشة بُعَيْدَ بزوغ الشمس بقليل، كنت أحمل حقيبتي متوجهاً إلى الكلية، أقطع مشياً على الأقدام ذلك الطريق الزراعي الطويل بين بيتنا القديم في ريف (الخياميات) ومجمّع السيارات في مدينة (المحمودية)، والجو مُفْغَمٌ بنسمات أيلول، لأتخذ سبيلي من هناك إلى بغداد. وبينما أنا أخترق بستان (اجْلِوي) بنخيله الباسق، وأشجار البرتقال والرمان تتوزع فيما بينها، وبلبل يصفر فرحاً ويغرد جذلاً وهو ينتقل من شجرة ويحط على أخرى.. إذا بأصوات غريبة لم أعهدها من قبل تتناهى إلى سمعي من بعيد!

هل هي أصوات انفجارات؟! ابتسمت ابتسامةً جامدةً وهززت رأسي كأنني أنفي قشة سقطت عليه؛ حتى في عالم التوهُّمِ.. ذلكَ غيرُ معقول!

توقفتُ برهة.

تلفتُّ يميناً وشمالاً ولويت جيدي إلى الخلف.. لم أر أحداً أسأله. فإلى تلك اللحظة لم تألف أسماعنا مثل هذه الأصوات، بل لم نسمع بها من قبل إلا في نشرات الأخبار!

سكتَ البلبلُ وطار مذعوراً، وواصلت المسير.

عبرت سكة القطار باتجاه مجمّع السيارات. وأثناء مروري بالسوق المزدحم وجدت الناس يتحدثون عن.. عن الحرب!

كان ذلك آخر الأيام الجميلة في حياة أهل العراق. بعدها كثرت الأصوات والانفجارات فما عاد أهل العراك، عذراً؛ قصدت أهل العراق، ينامون، ولا يصحون، إلا على عزيفها.

**

هذا بعض ما رشح عن ذاكرتي وأنا أفتح عينيّ للتوِّ فجرَ ذلك اليوم.

قمت من فراشي متثائباً. ملأت الإبريق من حِب ينتصب في زاوية من الدار وخرجت أتلمس دربي بين الأحراج.

كان النسيم منعشاً وهو يلامس أطراف السنابل التي ما زالت خضراء والربيع في أيامه الأولى.

C:\Users\DR\Desktop\قبرة.jpg السكون سيد الموقف، إلا من سقسقة قُبَّرة ت رسل آخر تسبيحاتها المعتادة أولَ كل صباح.

كل هذا كنت أراه ولا أراه.. أسمعه ولا أسمعه.

وأتلفت هنا وهناك والقلب يبعث برسائل مريبة..

لقد توعدنا العلـج قبل ساعات، وسـحبت الأمم المتحدة لجانها من العراق يوم أمس.. نذر حرب باتت وشيكة، وعلى إثرها نقلت العائلة عجلاً إلى حيث بيتنا القديم في ذلك الريف الوادع الجميل، تاركاً بيتنا الجديد في حاضرة اللطيفية غارقاً في دهشته الأولى.

سلمت التسليمة الثانية والصبح قد أسفر، وقبل أن أستدير مستقبلاً بوجهي أفراد العائلة الذين كانوا يصلون خلفي دوّى الفضاء بأصوات ألِفْناها وألِفَتْنا منذ ثلاث وعشرين سنة.

وانفرط عقد التوجس!

واهتزت السنابل في الخارج أكثـر. لكنها هذه المرة ليست طرباً بمغازلة النسيم، ولا خشوعاً لتسبيح القبَّرات التي طارت خائفة مرتعدة.

هذا ما حدث يوم الخميس العشرين من آذار، بعد مفتتح الألفية الثالثة بثلاث سنين.

ومن يومها لم يعد الربيع إلى ديارنا.

**

يرضيك يا ربيع ؟!

***

 

اظهر المزيد

‫7 تعليقات

  1. آه كل حرف من هذه القصة لهو قطعة من روح وانا اتملى نهاية كل مقطوعة ما بين همس وتكرار وانين وقلقلة فارثي لكم ايها الشعراء انكم تهدون الينا قطعة من اعماركم والله اني حين المسها تشعل في فؤادي براكين تثور جمراتها فتتصاعد الى عيني لتسيل دمعا يحمل حرارة الكلمة فقلت هذا انا فكيف به هو ؟!!
    لكن النهاية كانت بحرف العين الذي حرف التوسط ليقول لك يا سيدي دع الكلمة في عقبك وساختزن كل هذا الجمال في بذوره تحت الارض كفاتنة حسناء عفيفة تخمرت بجمالها حدادا حتى تراك على ربوعها حينئذ ستبدي لك مفاتن لتقول لك انا على عهد الوفاء فهل رضيت ايها الربيع نعم لقد غادرت ولكن معك يا سيدي ولم يرني بهذا الجمال الا عينيك لا نني اعرف غيرتك فاغطيت وجهي وبحضرتك علما مني انك مغادري وحين تعود ستراني سفورا راقصة بموسيقى بلابلي واوتار حروفك .

  2. السلام عليكم الربيع ذهب ولن يعود الى ارضنا الا اذا عدتم فأنتم ربيع الارض ونسيمها وعبق زهورها .

  3. كأن الذاكرة خيمة تأوي إليها الذكريات فتحفظها من العوادي.
    ٢٤ أيلول ١٩٨٠ بداية قصة العزٍ لو كانت هوية المعركة سنية.
    و١٩ آذار ٢٠٠٣ بداية قصة تيه لا تجمع شتاته غير الهوية.
    سيرضى الربيع يوم تجد الأمة ضالتها (الهوية).
    شكرًا لمقال نضِّاخ بمشاعر لولا يصوغها شاعر فتكون قصيدته أختَ هذا الدُّر المنثور.
    فقد تكون أولى المعلقات السُّنية في عصر نبحث فيه عن ادب سُني.

  4. حفظك الله يا دكتور طه…
    أسأل الله أن تكون بداية النهاية ، وعبور مرحلة جديدة وان تعود القيادة للعرب لأنهم فقدوا القيادة من عام 132هجرية ….

  5. الربيع يعود ولكن
    نعم رحل الربيع عن عراقنا، بوصول خميني إلى الحكم ليصدر لنا ثورته البائسة والتي كفانا الله تعالى شرها طيلة سنوات، ليأتي إلينا بوش الأب ليكمل علينا ما نقص من شر الخميني، وياليتها انتهت عند هذا الحد، بل جاءنا الصغير بن الصغير ليقضي على ما تبقى من ربيع العراق ، ويقفز بنا إلى الخريف الذي طالت أيامه.
    ولكن يبقى الأمل أن الربيع يمكن أن يعود ولكن هذه المرة من خلال المشروع.

  6. يخزن القلب ذكرى السنين الماضية البعيدة وكأنها حدثت قبل أيام
    يحفظها القلب بأبسط تفاصيلها على قدر حبها وتأثيرها به
    إقرأ ماكتبت يادكتور وكأني أعيشها بلحظاتها
    صغتها بطريقة لامست قلوبنا وصدمت عقولنا لما وصلنا إليه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: