التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

حين يكون العلم دُولة بين العلماء

بين علم العليم وبول المريض

د. طه حامد الدليمي

ثمت دعوى عريضة، مُفادها أن معظم علماء الإسلام كانوا من الفرس، يستوي في ذلك علماء الدين وعلماء الطبيعية. تتوجها مقولة مصنعة بطريقة جاذبة: (السيف للعرب والدرع للترك والقلم للفرس)! وتترجم هذه العبارة إلى عبارة أخرى: (اللغة العربية لغة الدين والتركية لغة الحرب والفارسية لغة العلم)!

ضع هذه الدعوى في جيبك ثم تعال معي في سياحة قصيرة ريثما نعود إليها.

قبل عام ونيف التقيت أحد علماء الحديث العراقيين المعروفين. وتشعب الكلام بيننا حول بعض الأحاديث الشعوبية الملوثة للثقافة السنية، ومنها حديث (عمار تقتله الفئة الباغية). وكان مما قاله وهو يجادل في بعض ذلك بعد أن وافقني على ضعف هذه الزيادة: هل ما زلتم تأملون أن يعود العراق سنياً؟ لقد انتهى العراق وقضي الأمر وصار شيعياً ولن تقوم للسنة فيه قائمة بعد اليوم! فقلت له: بل سيعود العراق بإذن الله تعالى. ومهما يكن فإن علينا أن نؤدي ما علينا، ثم نكل الأمر بعد ذلك إلى الله تعالى.

وقلت نفسي: ما فائدة هذه المجلدات التي قضيت عمرك في كتابتها ما دام أنها لا تغير من أمر الواقع شيئاً ولا تعالجه في أخطر قضاياه؟ لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في زماننا أكان يجلس يؤلف الكتب ليملأ بها رفوف المكتبات، ويترك المجتمع وشأنه تعيث فيه دواهي العاديات؟! عجباً كيف يفكر هؤلاء (العلماء)! وقفزت إلى رأسي في تلك اللحظة عبارة لم تخطر فيه من قبل: لقد صار العلم دُولة بين العلماء.

 

حين يكون العلم دُولة بين العلماء

يعاني المشرق من ثلاث علل رئيسة قائمة على التدويل والاحتكار الزائد عن الحد لثلاثة أسس تقوم عليها الحضارة: الحكم والمال والعلم. الحكم صار دولة بين الأقوياء، والمال دُولةً بين الأغنياء. أما العلم فصار دولة بين العلماء.

وإذا كان العلم ثلاثة أنواع: علم ينفع، وعلم لا ينفع، وعلم يضر.. فإن معظم العلم المتداول اليوم هو من نوع العلم الذي لا ينفع. حشو أدمغة يجبر فيه طالب العلم على أن يُثبت لغيره أن صندوق رأسه أقدر على الحفظ من صندوق غيره. حتى إذا اجتاز الامتحان ذهب فأفرغ ما في صندوقه في مكب النسيان، أو تركه يتسرب تلقائياً إلى هناك.

وهذا يعم جميع أنواع العلم: الدينية وغير الدينية. إلا ما ندر من العلوم التطبيقية التي لا بد لها؛ بحكم الاحتياج الاضطراري للمجتمع، أن تكون منتجة كالطب والهندسة. أما العلوم النافعة الأخرى التي لا تدخل في باب الاحتياج الاضطراري كعلم الاجتماع والنفس – مثلاً – فتحولت إلى بحوث ودراسات يتداولها العلماء فيما بينهم دون غيرهم، بحيث لا يتسرب منها للجمهور شيء ينفعه إلا القليل.

الغريب أن منزلة العالم في المجتمع لا تأتي على قدر نفعه لمجتمعه، إنما على قدر ما يركمه من معلومات في حافظته أو كتبه.

ما الفرق بين عالم يكنز العلم فلا ينفقه وغني يكنز المال فيحتجنه؟ وما الفرق بين ذلك العالم وبين قارون؟ إن مثل علماء اليوم – ومنذ قرون – ومثل الجمهور في تعظيمه لهم كمثل جمهور بني إسرائيل على عهد فرعون ومثل قارون الذي حين (خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص:79). الذي كان ذلك الجمهور يستفيده بالأمس من قارون هو مماثل تماماً للذي يستفيده جمهورنا اليوم من هؤلاء الطفيليات، إلا من رحم.

 

بين علم العليم وبول المريض

يذكرني هذا المشهد التداولي للعلم بمريض (البول السكري).. شرايينه ملأى بالسكر تتداوله فيما بينها، وخلاياه تشكو الجوع ونقص التغذية بكل عقابيله!

هذا هو العلم الذي لا ينفع. علم كان يتعوذ منه النبي إذ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) رواه مسلم. وقرن ذلك بالتعوذ (من قلب لا يخشع)؛ فكأن هذا النوع من العلم نافٍ للخشوع! ثم قال: (ومن نفس لا تشبع). وقد نظرت فوجدت من طريف التشابه بين الإصابة بداء (العلم الذي لا ينفع) والإصابة بداء (البول السكري) أن المصاب بهذا الداء يأكل ولا يشبع، ومع ذلك يعاني من فقدان الوزن والإرهاق، كما يشعر بحاجة دائمة إلى شرب الماء وكثرة مرات التبول في الليل والنهار؛ لأن السكر لا يصل منه إلى خلايا المصاب إلا القليل، كما أن ذلك العلم لا يتسرب منه إلى الجمهور إلا القليل؛ فمتى يشبع ذاك وهذا؟ والخوف كل الخوف من خاتمة الدعاء.. (من دعوة لا يستجاب لها)!

الهدى أم العلم ؟

هل أدركت الآن لم جعل الله تعالى أعظم دعاء المسلم: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6)؟ فكان (الهدى) – وليس العلم المجرد – أعظم الدعاء. وإذا كان لكل شيء ضابطه وإطاره وقانونه وسياقه ومساره؛ فالحركة ضابطها الهدف، والمساواة ضابطها العدل، والسياسة ضابطها المصلحة.. فإن العلم ضابطه الهدى.

والهدى مركب من شيئين: العلم والعمل به. أما العلم المنزوع الهدى فهو العلم الذي لا ينفع. وهو عامة العلم الذي تجد أمتنا مشغولة به اليوم، يستوي في ذلك العلوم الدينية وغير الدينية. علوم نظرية تجريدية، عامتها غير قابلة للتطبيق. ولا أستبعد أن هذه العلوم المنزوعة الهدى هي وراء ما نعانيه على المستوى الجمعي من قلة الخشوع وشيوع الجوع وضعف استجابة الدعاء رغم كثرة النداء!

فكيف إذا كان العلم يضر فوق أنه لا ينفع؟!

 

بين تدويل العلم وتهجين الثقافة

إذا تحول العلم إلى دولة بين العلماء تهجنت الثقافة!

والثقافة الهجينة ضعيفة المناعة، واهية الدفاعات، قابلة للاختراق من قبل جراثيم الثقافات الغازية ومقولاتها الممهدة لما هو أدهى. وإذا غزيت ثقافة أمة غزيت في عقر دارها. وهذا ما حصل لنا نحن شعوبَ المشرق العربي – ومغربه أيضاً – وصار بعضنا يُعدي بعضنا بجراثيمه، يستوي في ذلك المتوطنة منها والوافدة.

هل أدركت الآن في أي تربة نبتت هذه البذرة الخبيثة: (السيف للعرب والدرع للترك والقلم للفرس)؟ وفي أي جو نمت وأثمرت فلم يعد غريباً على أسماعنا أن يقال: (اللغة العربية لغة الدين والتركية لغة الحرب والفارسية لغة العلم)؟ لقد ترك العالم مهمته في حراسة الجمهور وحمايته من المفاهيم الخطيرة؛ فصارت أجيالنا نهباً لكل الثقافات الوافدة دون تمييز بين الغث منها والسمين.

لقد نام الحارس.. نحن في زمان نحتاج فيه إلى من يحرس الحارس!

هذه مهمتك أيها السني، أن تحرسَ الحارس!

هل كان أحمد شوقي رحمه الله  ينظر إلى زماننا يوم أن قال:

إذا الرعاةُ على أغنامها سهرت سهِرتُ مِنْ حبِّ أغنامي على الراعي

2019/3/25

 

اظهر المزيد

‫9 تعليقات

  1. أشبه حفاظنا في علوم الآلة كأولئك الشطار والعيارين الذين اعتمد عليهم الأمين في مواجهة أخيه المأمون فدوخوا العباد واقترن الفساد بالفساد فساد فساد غيرة عوام وجهلهم و طاهر ابن الحسين وخبثه وبين هؤلاء المتحاربين ذوي الشوكة ويعذرني شيخي على هذا الوصف ظهر جيل طفيلي يعيش كعلقات في المجتمع تمتص طاقاته هي تشبه أولئك الشطار والعيارين كظاهرة ملئت العاطفة والعقل العربي لكن بضجيج لا يعيه امي ولا عالم وتضخمت مكتباتنا في العقيدة والفقه والحديث ووو ….. كمتتالية في هاوية الثقافة الشعوبية ببحر لجي تغشاه ظلمات من بعده ظلمات ولا اكتم ان هناك ومضات برق بين فترة وفترة الا انها لا تكفي لنجاة غريق ولم يشرق الضياء ولم ترى نفوسنا وعقولنا الهدى على حقيقته وانه في القران الكريم وليس في غثاء المرويات او تخبط العقليات وكان كتابك من القطع الصغير الموسوم (القواعد السديدة في إثبات أصول الشريعة والعقيدة ) مع صغره كان دواء ضد مرض السكري الذي أصاب الثقافة السنية

  2. ارى ضرورة تجديد ( الفقيه ) قبل تجديد الفقه
    ولعلنا في مشروعنا السني المبارك قد فطنا الى هذه الاشكالية الكبيرة فتقرر عندنا ضرورة تأسيس منظومة الفقيه القائد، ومن جملة صفاته أنه رجلٌ ربّانيٌ يحمل في رأسه علماً يأكل الناس منه

  3. علماء اليوم كا غثاء السيل لا فائده منهم
    واصبحو عالة على الجمهور السني باكمله

    بإذن الله نخرج قادة بهوية وقضية سنية
    يزيحون لوثه الشعوبيه الفارسيه التي طغت على الثقافة السنية
    حفظك الله شيخنا المجدد الراشد

  4. المجوس لا يوجد عدهم حضارة ولا اي معالم معروفه العرب هم اهل الحضارات واهل الثقافة المجوس لا يوجد لديهم عالم معروف وحتى انهم معروفين بمنع العلم ليسيطروا على القطيع الجاهل من ملتهم واتباعهم من الشيعة ، لذلك هم معروفين بالقضاء على اي حضارة في العراق وهم ساس البلاء والتخريب.
    العلماء اليوم اصبحوا كهنوت اذا ناقشت حديث مع شيخ او انسان عادي ذو علم بسيط يقول لك هذا الحديث في البخاري او مسلم كيف تعارض قول الرسول (ص) لا نعارض قول الرسول بل نعارض ما قال في كتاب البخاري لان اي حديث اذا رجعته للقران يخالفه كيف اخذ به، وكأن البخاري كتابه مقدس واصبح مثل القران الكريم..
    نعم العلم هدى،
    والحركة يحب ان تكون ضمن مسار لتصل الى الهدف،
    والسياسة امها المصلحة،
    والعدل أساس المساواة،

  5. علماء اليوم في غيبوبة تامة في ضل الاوضاع الراهنة على ساحة الدول العربية والعراق خاصة من الإحتلال الإيراني الشيعي لايهمهم مايجري لنا السبب الانهم أضاعو بوصلت الطريق والمسار الصحيح الذي سار علية الإنبياء والرسل مع أقوامهم وتخذو الجانب الملائي الذي تربو علية في الدراسات الاكادمية من الحيض والنفاس والطلاق والوضوء وضنو أن هذا الواجب الذي أوكله الله للعلماء والمسلمين فقط وفي مجال العمل يقوم العالم أوالخطيب في حركة عملة بين البيت والوضيفة والجامع لايعرف عن المجتمع أي شيء ليس له خطة عمل يعمل بها لأنه موضف في دولة وليس داعية في سبيل الله لتغيير المجتمع وهو مطمئن في الحركة التي يمارسها في تاريخ حياتة في الجامعات الاسلامية الأكادمية ونسو كتاب الله وهو الحجة التي أوكلها لنا الله في تغيير المجتمع للعلماء وعامة الناس عندما تأتي طائفة لتأسيس دين يخالف القرآن والسنة هنا يجب على كل مسلم سني يقف أمام هذه الطائفة الشعوبية الشيعية للتصدي لها ومن لم يفعل فهو فقد الركن الكبرى من الدين هو الجهاد الفكري لنصرة الدين وهذا الذي حاد عنه علماء اليوم فهم على أي دين يسرون قال تعالى وقفهم أنهم مسؤلون

  6. نعم لقد حكر العلماء العلم بينهما فاصبح دُولة.
    اما الجمهور فبقي معلولاً ينضر الى افواه العلماء فهل من مجيب!
    اذاًاين الربانية الواقعية التي سار عليها الأنبياء والدعاة القادة في زمانهم
    وجزا الله خيرا المجدد الراشد طه حامد الدليمي الذي انطلق بعلمه من القرآن والسنة الى الواقع ونحن على اثره ماضين

  7. (شرايينه ملأى بالسكر تتداوله فيما بينها، وخلاياه تشكو الجوع ونقص التغذية)
    تشبيه في الصميم
    المكتبات مليئة بالمجلدات والمؤلفات الزاخرة بالعلم ولكن ليس هنالك اي اثر لهذا العلم في الواقع والمجتمع فقير علميا وثقافياً لانه علم لايمس الواقع ولا ينفع.

  8. كثيرة هي المفاهيم الخاطئة والمضللة التي انسلت لثقافتنا لتصير جزءً منه، دون رقيب أو نكير، والتي غفل أو تغافل عنها العلماء لتستقر مسلمات في الأذهان.
    ولكن أنّا لهذا العبث أن يستمر، وقد أخذ التيار السُنّي -برجاله ونساءه- على عاتقه التصدي لهذا العبث، وان يخرج هذا الدخن ويزيل الغبش لترجع ثقافتنا سُنّية صافية لأنها منبثقة من دين الله النازل من السماء لا من دين الشيعة الذي خرج من الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: