التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات الدكتور طه الدليمي

الفدرالية .. ما هي ؟ ولماذا ؟

محافظة واحدة خير من وطن لا دين فيه ولا حق ولا كرامة

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\USER\Desktop\فدرا.png قبل قرابة شهرين كتبت مقالة عن (الفدرالية) أردت أن أفتتح بها سلسلة حلقات أبين فيها حقيقة هذا النظام السياسي الذي يخضع له أكثر من 40% من دول العالم خصوصاً العالم المتقدم. وأرى يقيناً أن بلداً مثل العراق في كثرة مكوناته وتناشزها لا يستقر من دونه. لكن الأحداث المتتابعة ومحاولة ومواكبتها أخذتني بعيداً عن الموضوع. وفجأة انفجر الكلام قبل أيام قليلة في الإعلام العراقي عن الفدرالية ومن دون مقدمات. فكان مناسبة لأن أعود إلى ما بدأت به.

الفدرالية تقاسم لا تقسيم

الفدرالية تقاسم سياسي وإداري.. لا تقسيم جغرافي.

تقاسم سلطة وثروة.. لا تقسيم دولة.

إنها…….. تنظيم.. لا تقسيم.

وعلى العكس مما يخشاه العقل التقليدي العربي، المعبأ بالثقافة الوحدوية الاندماجية، من تقسيم البلاد، فإن الفدرالية تلجأ إليها الدول المتعددة الثقافات واللغات تجنباً للتقسيم. ومن قال بأن الفدرالية تقسيم فهو جاهل بالسياسة، أو – على أقل تقدير – لا يعلم شيئاً عن المفهوم السياسي للفدرالية.

الفرق بين الفدرالية وتوسيع الصلاحيات

في المقال السابق بينت معنى الفدرالية والفرق بينها وبين توسيع صلاحيات المحافظات وأكدت على التمسك بالأولى، بينما حذرت من الوقوع في مطب الثانية. في النظام الفدرالي (أو الاتحادي) تكون السلطة موزعة بين المركز والأقاليم باعتبار كل إقليم وحدة سياسية تمارس اختصاصاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية باستقلالية عن السلطة الاتحادية شرطَ أن لا تتعارض والصلاحيات الحصرية للدستور الاتحادي المتعلقة بالدفاع والخارجية، بما فيها التمثيل الدبلوماسي الخارجي، والمالية بما فيها العملة؛ لذا تسمى الفدرالية بـ(اللامركزية السياسية). وهذا كله محمي بالدستور؛ فلا يمكن للحكومة المركزية تغييره. وليس بالقانون الذي تشرعه السلطة المركزية وتنقضه متى شاءت، كما هو عليه الوضع في حال توسيع الصلاحيات لـ(المحافظات غير المنتظمة بإقليم)، أي (اللامركزية الإدارية). وأعدت الكلام نفسه لأهميته، وسأظل أعيده.

أما سيادة الدولة ونفوذها الذي يمنع انفصال الأقاليم قانوناً وفعلاً فيتجلى في ثلاث وزارات سيادية تنحصر جميعها – كما أسلفت – في يد الحكومة المركزية: الدفاع والمالية والخارجية، إضافة إلى التمثيل الدبلوماسي الذي هو فرع عن الوزارة الأخيرة.

تصارع القيم

ليست المطالبة بنظام سياسي معين شيئاً مزاجياً أو رغبوياً ينطلق من نزعة عابثة تنشأ عن فراغ يحتاج إلى ملء بأي شكل من الأشكال. بل هي أمر منبثق من حاجة واقعية.

كل حركة إنسانية فإنما تعود إلى قيمة معنوية أو مادية. مثلاً: الصلاة تعود إلى قيمة الدين. والزواج يعود إلى قيمة حفظ النوع أو النسل. والقيم تتعدد، وتعددها مع وجود التحديات تجعلها تتعارض في بعض الأحيان فيما بينها بحيث لا يمكننا التوفيق بينها جميعاً في وقت واحد. مثلاً: قد تلجأ إلى الخيار بين حياتك أو مالك، فليس لك إلا أن تختار واحداً منهما وتتنازل عن الآخر. وقد تتعقد الأمور فتضاف إلى المعادلة الحرجة قيمة أو قيم أخرى مثل استشعار العزة والكرامة. فماذا تصنع والحالة هذه؟ سيدور حوار بينك وبين نفسك: أيهما أعلى قيمة فتذهب إلى المحافظة عليه وإن عرضت الآخر إلى التفريط. والناس والأشخاص يختلفون في النظر إلى درجة قيمة عن أخرى.

لقد ابتلينا بنخب ذات تفكير كونكريتي فاقد للمرونة يجعل صاحبه يتمسك بقيمة تقبل المساومة وينقلها إلى مرتبة ما لا يقبل المساومة، مضحياً بأي قيمة أخرى أعلى منها. وهؤلاء هم عميان الوطنية. وأسميهم عمياناً؛ لأن الوطنية مبدأ صحيح، ينتج عنها مبدأ المواطنة الذي يقوم عليه التعايش بين مكونات الوطن الواحد. لكن هذا المبدأ لا يؤتي ثماره إلا مع من يؤمن به. أما من يتخذه وسيلة للتمكن من عنق الآخر – كالشيعة – فالتعايش على أساسه لا يعني إلا شيئاً واحداً هو هلاك بقية المكونات وأولهم السنة العرب؛ لأنهم الضديد النوعي للمكون الشيعي. والواقع أكبر شاهد.

هناك جملة أمور، يأتي على رأسها الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة من أجل وجودها وحفظها وهي (الدين والنفس والنسل والعقل والمال).. هذه الضروريات تتقدم على الوطن ومبدأ المواطنة. فإذا كان ذلك يستلزم التفريط الجمعي بتلك الضروريات أو بواحدة منها سيكون التضحية بالوطن هو الخيار الذي على كل عاقل الذهاب إليه. إن الوطن ليس هو الشيء المقدس إلى الحد الذي يجعله فوق كل اعتبار. إنما ذلك هو الدين والعرض والكرامة وبقية ما ذكر من تلك القيم أعلاه.

بين المواطنة والضروريات الخمس

  1. الدين والثقافة والهوية: فالله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97). وقد هجر الأنبياء عليهم السلام أوطانهم – رغم حبهم لها – إلى غيرها. وهجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكة – وهي أحب بقاع الأرض إليه – إلى يثرب، واقتطع من المشركين مدينة تحصن فيها وجعلها قاعدة ينطلق منها لاسترجاع البلد الأول.
  2. العرض والنسل: فوطن لا يسلم فيه على عرض لا يحل البقاء فيه، ولا يصلح.
  3. الحياة: فمن هددت حياته في وطن هجره إلى غيره.
  4. العيش أو الرزق: فالوطن الذي لا عيش فيه لا يعاش فيه.

ودون ذلك لا تكون من كرامة. ووطن لا كرامة فيه لا خير فيه.

هذا على المستوى الفردي. أما على المستوى الجمعي فالأمر أعظم وأعظم.

إن سنة العراق – فضلاً عن سنة الشام واليمن – تعرضوا إلى محو الدين والثقافة والهوية وانتهاك العرض والإذلال وسلب الكرامة والحرمان من حق الحياة والرزق والاكتساب. فماذا بقي من الفساد كي نلجأ لإقامة إقليمنا الخاص ونصل – على الأقل – إلى مستوى أولئك الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بأنهم (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) (الكهف:93)؟ ونجعل بيننا وبين المفسدين سداً لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم؟

على أن الفدرالية ليست سدأ جغرافياً كسد ذي القرنين، إنما هو سد سياسي يمنع الفساد أن يعبر من وإلى الجهتين. فأي عاقل يرفض مثل هذا؟! إلا إنساناً هو أدنى عقلاً من أولئك القوم الذين (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا). وليس أدنى منهم سوى المجانين.. مجانين العقلاء، الذين قالوا عن أنفسهم كما أخبر الخبير بهم: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك:10).

حقاً لا يرفض الفدرالية إلا واحد من ثلاثة: جاهل بها، أو مستفيد من رفضها، أو خبل لا يكاد يفقه قولاً. (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (النساء:98).

تباً لعراق تُهدر فيه كرامتي ويسلب حقي .. تباً تباً

وإذا كنت مجبراً على واحد فقط من خيارين: ديني ووجودي بما له من حقوق وكرامة، أو الحفاظ على وحدة العراق.. فإني كإنسان مسلم كريم لا أتردد في اختيار ديني ووجودي وحقي وكرامتي. وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان.. ولا عقل.

وإلا فلا خير في عراق لا دين فيه ولا حق ولا كرامة.. عراق تحكمه شراذم من رعاع ومتخلفين معبإين بالعقد. عراق شيعي شعوبي تابع لإيران محارب للعرب. بل إني لأكفر بمثل هذا العراق.

نحن أرفع شأناً وأعلى كعباً من أن نكون كالذين قال الله سبحانه فيهم: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (البقرة:96).

محافظة عراقية واحدة تلمنا وتحفظ ديننا وحقوقنا وكرامتنا، خير من وطن من المحيط إلى المحيط لا دين فيه ولا حق ولا كرامة، ولا نكون نحن سادته وقادته وذادته.

13 كانون الثاني 2020

 

اظهر المزيد

‫7 تعليقات

  1. جزاك الله عنا خير الجزاء شيخنا الجليل 🍂
    على هذا التفصيل الرائع والدقيق
    نتمنى منكم تسجيل حلقة خاصة لتوعية الناس على الإقليم
    خاصة نحن أمام مفترق طرق ويجب علينا بيان الحقيقة !

  2. نظام الاقاليم حق كفله الدستور العراقي، الشعوب تحتاج قيادة مخلصة تعمل من اجل اخراجها من الظلم، وتحقيق الامن والعيش الرغيد، والقيادة مسؤولة عن توعية الشعوب للوصول الى الهدف، السنة العرب في العراق بلا قيادة، من يرفض الفدرلة ليس جاهلا بها، فليس من المنطقي ان يكون هناك سياسي لايفهم في امور بسيطة جدا مثل النظام الفدرالي، انهم مجموعة من الفاسدين، يضحون بشعوب كاملة من اجل منصب او مصلحة مادية، باختصار: السنة العرب بحاجة الى قيادة تقتدي بتجربة كردستان التي اصبحت حقيقة لايستطيع احد ان يغيرها، بل العكس سيكون، اقليم كردستان ليس حالة خاصة كما يدعي البعض من السنة، انه بداية صياغة عراق فدرالي، وليس هناك مجال للرجوع الى ماقبل اقليم كردستان، ومن يعتقد غير ذلك ينطح رأسه بالصخر، قتلتنا الفلسفة الاسلامية، والشعارات الوطنية الفارغة. القرار بيد الجمهور، لكن الجمهور السني مغيب، ومظلل، لانه بلاقيادة.

  3. منذوا١٦ عام من القتل والتشريد والقهر والتخريب والدمار في ضل الحكم الشيعي لابد لنا أن نرسم طريق الحرية لنا ولأجيالنا ونبني مستقبلنا بأيدينا ونكتب منهجنا ونرفع هويتنا ونعمل لمشروعنا ونعمر أرضنا بإقليم أنقاذي والوقت في صالحنا في هذه الأحداث المثيرة بفكر جديد يكسر طوق الفكر الوطني الجامد الذي أدا بنا إلى هذا الحال من قبل شباب الوعي والتغير عن طريق التواصل الاجتماعي وعلى أرض الواقع للمطالبة بإقليم ، مقالة واضحة البيان عن الفدرالية ومن الله الهداية والتوفيق والسداد شيخنا الفاضل

  4. محافظه واحده خير من وطن لادين فيه ولاكرامه

    لافض فوك شيخنا .. كفيت ووفيت ولكن لاحياة لمن تنادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: