مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

كيف أصلح معاوية الوضع الأمني وطوره بعد تدهوره على عهد عثمان وعلي/ج2

جهاز الاستخبارات الخارجي

د. طه حامد الدليمي

اتخذ أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه جهازاً استخبارياً لمواجهة استخبارات الأعداء من الروم والقوط والهند والصين وغيرها.

وكان من مهام هذا الجهاز مكافحة التجسس الدبلوماسي، فكان ولاة الدولة على علم بأن للسفراء مهاماً أمنية غير تسليم الرسائل، فاتخذوا التدابير التي تمنعهم من الوصول إلى أية معلومة تخدمهم. وكان تحصين سفراء الدولة الإسلامية بالعديد من الوصايا والتعليمات الاستخبارية حتى لا تستل منهم أي معلومات تفيد العدو وتضر بالدولة.

وتنبه معاوية مذ كان والياً إلى ضرورة إظهار أبهة الملك لسفراء وجواسيس الأعداء حتى لا يطمعوا بالدولة. فكان يحصن الثغور ويبث العيون ويغدو في موكب ويروح في موكب.

 

قصة الأسير المسلم لدى البيزنطيين

C:\Users\USER\Desktop\3.jpg ومن شواهد قوة استخبارات الخارج على عهد معاوية: واقعة الأسير المسلم عند البيزنطيين، الذي لطم وجهه بين يدي إمبراطور الروم من قبل أحد قادته المقربين فصاح الأسير: وا إسلاماه أين أنت يا معاوية؟ أو قال: وا معاوياه!

ووصل الخبر إلى معاوية. فدبر مع جهاز الاستخبارات خطة محكمة أشرف عليها بنفسه تمكنوا بها من خطف ذلك القائد، والإتيان به من القسطنطينية إلى دمشق ليقتص منه الرجل المسلم. ثم أطلق معاوية سراحه وقال له: قل لملكك: تركت ملك الإسلام يقتص من أصحاب بساطك. وأوصلوه إلى مأمنه فعاد بالخبر العجيب إلى ملك الروم ووصف له ما صنع به معاوية، فقال: هذا ملك كبير الحيلة. فعظم معاوية فى أعينهم وفى نفوسهم فوق ما كان. والواقعة من عجائب قصص الاستخبارات العالمية، التي تدل على مدى استحكام جهاز المخابرات الخارجية وفعاليته على عهد معاوية. وهي جديرة بالاطلاع[1].

والقصة الكاملة في (نهاية الأرب في فنون الأدب):

ومن مكايد معاوية أن رجلاً من قريش أسر فحمل الى صاحب القسطنطينية، فكلّمه ملك الروم، فجاوبه القرشىّ بجواب لم يوافقه؛ فقام إليه رجل من بطارقة صاحب القسطنطينية فوكزه، فقال القرشىّ: وا معاوياه! لقد أغفلت أمورنا وأضعتنا. فوصل الخبر الى معاوية فطوى عليه، واحتال فى فداء الرجل. فلما وصل إليه سأله عن أمره مع صاحب القسطنطينية، وعن اسم البطريق الذى وكزه؛ فلما عرفه أرسل إلى رجل من قوّاد صور الذين كانوا قوّاد البحر ممن عرف بالنّجدة وغزو الروم، وقال له:

C:\Users\USER\Desktop\33.jpg أنشئ مركبا ًيكون له مجاديف فى جوفه، واستعمله للسفر إلى بلاد الروم، وأظهر أنك إنما تسافر لبلادهم على وجه السرّ والاستتار منا، وتوصّل إلى صاحب القسطنطينية ومكّنه من المال واحمل إليه الهدايا والى جميع أصحابه، ولا تعرض لفلان (يعنى الذى لطم الرجل القرشيّ) واعمل كأنك لا تعرفه فإذا كلّمك وقال لك: لأىّ معنى تهادي أصحابي وتتركني؟ فاعتذر إليه وقل له: أنا رجل أدخل إلى هذه المواضع مستتراً ولا أعرف إلا من عرّفت به، فلو عرفت أنك من وزراء الملك لهاديتك كما هاديت أصحابك، ولكني اذا انصرفت إليكم مرة أخرى سأعرف حقك. ففعل القائد ذلك.

ولما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه وأربى فى هديته على أصحابه، ولم يزل حتى اطمأن إليه العلج. فلما كان فى إحدى سفراته قال له البطريق: كنت أحبّ أن تجلب إلىّ من بلاد المسلمين وطاء ديباج يكون على ألوان الزهر؟ قال: نعم. فلما انصرف أخبر معاوية بما طلبه البطريق؛ فأمر له ببساط على ما وصف، وقال: اذا دخلت وادي القسطنطينية فأخرجه وابسطه على ظهر المركب وتربّص فى الوادي حتى يصل الخبر الى ذلك العلج، وابعث له فى السرّ وتحيّن خروجه الى ضيعته التي له على ضفّة وادي القسطنطينية. فإذا وصلت الى حدّ ضيعته فابتدئ بها، لعلّ يحمله الشره على الدخول إليك؛ فاذا حصل عندك فى المركب فمر الرجال بإشارة تكون بينك وبينهم أن يستعملوا المجاديف التى فى جوف المركب، وكرّ به راجعاً الى الشأم.

ففعل ما أمره به معاوية. وصادف وصول ذلك القائد وجود البطريق فى ضيعته، فبسط ذلك البساط على ظهر المركب ووصل الى عرض ضيعة العلج؛ فلما عاين البساط حمله الشـّره والحرص إلى أن دخل المركب، فلما صار فى المركب أشار القائد إلى رجاله فرجعوا بالمركب بعد أن أوثق البطريق ومن معه، وسار بهم حتى قدم على معاوية. فأحضر معاوية البطريق ووقفه بين يديه، وأحضر القرشيّ وقال: هذا صاحبك؟ قال: نعم؛ قال: قم فاصنع به ما صنع بك ولا تزد. فقام القرشيّ فوكزه كما كان فعل به العلج. ثم قال معاوية للبطريق: ارجع إلى ملكك وقل له: تركت ملك الإسلام يقتصّ من أصحاب بساطك. وقال للذي ساقه: انصـرف به الى أوّل أرض الروم وأخرجه، واترك له البساط وكل ما سألك أن تحمله اليه من هديّة. فانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية، فوجد ملك الروم قد صنع سلسلة على فم الوادي ووكّل بها الرجال، فلا يدخل أحد الى الوادي إلا بإذنه؛ فأخرج العلج ومن معه وما معه. فلما وصل إلى ملكه ووصف له ما صنع به معاوية قال: هذا ملك كبير الحيلة. فعظم معاوية فى أعينهم وفى نفوسهم فوق ما كان.

***

هذه لمحات عن الكيفية التي أدار بها معاوية الدولة إدارة تمكن بها من إحباط محاولات الأعداء والخصوم في الداخل والخارج، وترك دولة قوية مستقرة ترهب العدو وتسر الصديق. والأمر في حاجة إلى تأليف خاص يتخذ مرجعاً للطالبين، نتركه لغيرنا، يكملون المهمة، ويقربون أصحاب القضية من هدفهم المنشود.

  1. – نهاية الأرب في فنون الأدب، 6/185-187، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري القريشـي البكري التيمي، (ت 733هـ)، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1423هـ.

 

اظهر المزيد

‫3 تعليقات

  1. قال تعالى ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) في هذا الموطن كان أمير المؤمنين معاوية ابن ابي سفيان رضي الله عنه له الحكمة والشدة والقوة والخطه أمام الخصوم وهذه نظرة المجددين

  2. بسم الله الرحمن الرحيم
    جزى الله الدكتور الدليمي خير الجزاء
    لطالما اشتغلت الآلة الشيعية الشعوبية لتشويه صورة القائد العظيم معاوية بن أبي سفيان رحمه الله، وشاركهم احيانا من جهلة السنة ممن تلوثوا بالتشيع الثقافي, ولم يقدموا لنا معاوية إلا في حادثة صفين بنسختها المشوهة والمزورة, وحان وقت القلم السني لينصف ذلك القائد ويرد نهيق التشيع على دبره

  3. جزاكم الله خيرا
    على هذا التوضيح الأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان
    وكيف قاد دولة الإسلام وحررها من كل عدو عابث يريد خراب دولة الإسلام وضياعها
    تاريخ مزهر وعظيم اخفي من قبل الفرس واعوانهم وممن لوثة الشعوبية الفارسية عقولهم من أهل السنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: